رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المرأة وحقوق الإنسان

تمثل النساء نصف سكان العالم كما هو معروف ويقال دائما تدليلا على ضرورة الاهتمام بقضاياهن ولكن النقطة الجوهرية هنا لاتتعلق فقط بالكم أو بالمطالب الفئوية للمساواة بين الرجل والمرأة رغم مشروعيتها، ولكن أيضا لما تعنيه الأرقام والإحصائيات من دلالات أخرى إذا نُظر إليها من المنظور المجتمعى، لأنها ببساطة تدخل ضمن حساب الإمكانات والقدرات الكامنة والشاملة لأى مجتمع، والتى إن لم يحسُن التعامل معها فستؤدى حتما إلى إهداره ثروته البشرية علاوة على ما لديه من طاقات معطلة تمضى به للخلف ولا تدفعه إلى الأمام، أو بعبارة أخرى يُصبح العدد السكانى عبئا على الدولة مهما تكن طبيعة نظامها السياسى، فالمجتمعات الحديثة والمتقدمة لم تنجح بالمصادفة وإنما باستغلالها الأمثل والكامل لكل طاقاتها بغض النظر عن نوع الجنس، ولعل الصين بعددها السكانى الهائل تقدم نموذجا جديرا بأن يُحتذى من هذه الزاوية خارج إطار الدول الغربية التى قطعت شوطا طويلا فى الحداثة على الأصعدة كافة وقد يصعب عقد مقارنات معها بحكم اختلاف وخصوصية تجربتها التاريخية والسياسية والثقافية، ولكن ذلك لايمنع من تأمل تلك التجربة برمتها للتعرف على كيف كانت هذه الدول فى ماضيها وماذا أصبحت عليه الآن، باختصار مكانة المرأة ووضعها فى المجتمع يُعتبر جزءا لا يتجزأ من جهود التنمية يُضاعف الإنتاجية والنمو الاقتصادي. وإلى جانب هذا البعد التنموى المهم، فإن الحديث عن حقوق المرأة هو ركن أصيل من المباديء العامة لحقوق الإنسان، كما جاء فى المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة والتى نصت على أن: تحقيق التعاون الدولى لا يكون إلا بتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا وبصورة مطلقة بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفرقة بين الرجال والنساء، وهو نفس ما تضمنه الإعلان التاريخى الصادر عن الجمعية العامة فى ديسمبر 1948 والذى أشار إلى أن: جميع الأفراد يولدون أحرارا ومتساوين فى الحقوق والحريات دون تمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو المولد أو أى أمر آخر.

لا جدال فى أن هذا الإعلان يُعد واحدا من أهم إنجازات القرن العشرين وبالأحرى فى حقبة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التى أعادت تشكيل النظام العالمى على قواعد وأسس جديدة لا تقتصر فقط على النواحى السياسية ولكن أيضا وبنفس القدر على كثير من القيم الإنسانية والأخلاقية ابتغاء تحقيق الحرية والعدالة والمساواة للجميع، ولم يكن ذلك سهلا، بل أتى بعد نضال طويل ومرير وبُنى على تراث ضخم من التنوير، بدأ من إنجلترا بوثيقة الماجنا كارتا وهى كلمة لاتينية ترجمتها العهد الأعظم 1215 وكانت أول وثيقة دستورية مدنية حديثة، أنهت العصر الإقطاعى والعبودية وأرست فى المقابل مفهوم المواطنة والحريات الفردية وإن لم تتحقق هذه الأهداف دفعة واحدة ولكنها توالت لفئة بعد أخرى إلى أن وصلت لإقرار حقوق متساوية للمرأة فى الحياة السياسية والعامة، مرورا بإعلان الاستقلال الأمريكى 1776 إلى الثورة الفرنسية 1789 بمبادئها الشهيرة فى الحرية والإخاء والمساواة، وهى المباديء ذاتها التى قامت عليها الفلسفة الليبرالية التى تُعلى من شأن الفرد بغض النظر عن أى اعتبارات تمييزية سواء بحكم النوع أو الطبقة الاجتماعية.

والمعنى المستخلص أن حصول المرأة على حقوقها ليس من قبيل القضايا الثانوية أو المعزولة عن النضال الأكبر للمجتمعات من أجل النهضة والتقدم، لذا فقد كان للإعلان العالمى لحقوق الإنسان تأثير طاغ ومُلهم على الشعوب والدول معا، وانعكس بوضوح على معظم الدساتير المدنية، إذ لا يخلو دستور محلى من مادة أو أكثر تقترب أو تتطابق مع المادة الأولى من ميثاق المنظمة الأممية المستوحى منه. صحيح أن تطبيق ما تنص عليه المواد الدستورية الحقوقية وما يستتبعها من تشريعات وقوانين تختلف من مجتمع إلى آخر وأحيانا بصورة جذرية، إلا أن ذلك لا ينفى أن مجرد الاعتراف بها يكرس واقعا جديدا لا يمكن التراجع عنه أو تجاهله.

لا شك أنه مازالت هناك معوقات لإقرار حقوق المرأة بطريقة مرضية، فالمشكلة تتعلق باختلاف الثقافات، فبعض الثقافات يغلب عليها الطابع التقليدى المحافظ أو القبلى والعشائرى وما شابه ذلك، ومن ثم تتعطل معها مسيرة الإصلاح والتحديث المرتبطين بفكرة المواطنة ومنظومة القيم اللصيقة بها، ولكن هذا قد يسرى على جميع الفئات حتى وإن اختصت المرأة بالنصيب الأكبر من السلبيات نظرا لحصولها على حقوقها متأخرة زمنيا عن الرجل، لكن فى كل الأحوال هناك طفرة حقيقية على هذا المستوى، وتكفى الإشارة إلى حضورها القوى فى معظم مجالات الحياة، السياسية والبرلمانية والثقافية والجامعية والأكاديمية والإعلامية وفى مجال الأدب والرواية، ما يؤكد صحة المسار.

ولم تكن مصر بالطبع بعيدة عن هذه التطورات منذ منحها دستور 1956 ولأول مرة حقوقها السياسية كاملة، وإلى اليوم، فقد حصلت على 162 مقعدا من إجمالى 568 فى برلمان 2021 وكانت حصتها من التعيينات الرسمية 14 مقعدا من أصل 28 أى بنسبة 50%، والشيء نفسه يسرى على الحكومة بمعدل يقترب من 25% وكذلك فى العديد من المواقع القيادية، والمتوقع أن يكون هناك المزيد مادام استمر الحماس للقضية وتوافرت الإرادة السياسية كما هو حادث فى الوقت الراهن.


لمزيد من مقالات د. هالة مصطفى

رابط دائم: