رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسلمون وأوهام الخطر

يصادف المرء أحيانا فيديوهات تبشيرية على شبكات التواصل الاجتماعي، أو في بريده الإلكتروني أو على كثير من المواقع الإخبارية، ولا نتوقف عندها، فمن حق أي إنسان أن يدعو لدينه بالكيفية التي يراها طالما لا يمس ديانات الآخرين أو يتطاول عليها، وأحيانا يكون متجاوزا، أو ينتقص من معتقدات الآخر.

وحين ماجت الدنيا وهاجت على الفنانة بسمة الخليجية بعد نشرها فيديو قبل أسابيع قالت فيه: أنا ابتسام حميد أعلن تركي للإسلام، لأنه دين الإرهاب الذي يستحقر المرأة ويضطهدها ويعنفها ولا يعطيها حقوقها بالكامل، وبكل فخر أعلن اعتناقي للديانة اليهودية، لم ألق بالا لكلماتها، التي تشى بجهلها الشديد بمكانة المرأة في الإسلام،  وبانعدام معرفتها بوضع المرأة عند الطوائف اليهودية الأرثوذكسية، فالمرأة في ثقافتهم ترث ذنب أمها حواء في إخراج آدم من النعيم، وعليها تسع لعنات: الطمث، دم العذرية، تعب الحمل، الولادة، تربية الأطفال، تغطية الرأس كأنها في حداد، تخرم أذنها مثل الجارية، لا يؤخذ بشهادتها، ثم الموت، باختصار هي أصل الشرور.

لقد هربت بسمة من تصورات خاطئة عن دين ولدت عليه إلى تصورات تحط من قدر المرأة أسفل سافلين، ويبدو أنها كانت تسعي إلى إحداث ضجة إعلامية، وأن تشغل صفحات التواصل الاجتماعي شهورا، ولم تفكر لحظة واحدة وتسأل نفسها: كم إرهابيا  موجودا في عائلتها أو في عائلات جيرانها أو أصدقائها؟، أو ما هو عدد الإرهابيين في دول الخليج التي سمعت بهم من بين ٥٨ مليون مسلم يعيشون حولها؟، وهل ما تفرضه المجتمعات العربية على نسائها هو من صحيح الدين أم من العادات والتقاليد والثقافة الشعبية المتوارثة التي لا علاقة لها بأي دين، حتى لو وردت على ألسنة شيوخ دين؟

طبعا من حق أي إنسان أن ينتقل من دين إلى دين، وهي عملية معقدة جدا وفي غاية الصعوبة كمن يغير جلده وفصيلة دمه، وتشبه رحلة إلى كواكب مجهولة، ومن يفعلها عن دراسة وقناعة وليس رد فعل على مواقف مؤلمة في حياته، يفعلها في هدوء ودون ضجة، لأن جوهرها علاقة خاصة بالخالق، فيها خشية ومحبة ورغبة في التواصل الحق حسب فهمه، ولا تحتمل الدعاية والصخب وأضواء الإعلام.

وفيديو المطربة بسمة يذكرني بتعليق قرأته لكاتبة يمنية يهودية، هكذا وصفت نفسها، وهو وصف مخادع، لأنها إسرائيلية من أصل يمني، واسمها نجاة النهاري، وتكتب أحيانا ذكريات وحنينا لأرض اليمن.

لكن ما كتبته على صفحتها على الفيس بوك يخص المسلمين ويمسهم، وتبدأ بسؤال: ما الذي يملكه المسلمون اليوم لـ يغير يهودي مثلي ديانته إلى الإسلام مثلما فعل اليهودي الذي كان جارا للنبي محمد (صلي الله عليه وسلم)، وأسلم من حسن خلق النبي؟

سؤال في غاية الأهمية، يضع يده على أحوال مسلمي هذه الأيام؟

وأجابت الكاتبة اليهودية بتساؤلات شديدة الخطورة:

١- إذا كان المسلمون مذاهب متعددة، بعضها يكفر الآخر ويحلل قتله، ولو أردت كيهودية دخول الإسلام فأي مذهب أدخله وأعيش في سلام؟

٢- تقولون إن النبي قال إن المسلمين سيتفرقون إلى ٧٠ فرقة، كلهم في النار إلا فرقة واحدة، فمن هي وكل فرقة تدعي أنها المقصودة بالحديث؟

٣- المسلمون يتقاتلون اليوم فيما بينهم في كل مكان تقريبا، بل ويذبح البعض البعض الآخر بوحشية، ورأيت مقطعا لواحد يأكل قلب أخيه، والنتيجة مئات الآلاف من القتلي في سوريا، وضعفهم في العراق كنموذجين،  وقطعا ليس هذا من تعاليم الإسلام ولا أي دين، فكيف أدخل إلى الإسلام وهذا حال المسلمين؟

٤- حال الدول العربية والإسلامية في الغالب يعمها الجهل والفقر والظلم وانتهاكات حقوق الإنسان وضعف التنمية الاقتصادية، بينما الدول التي يعتبرها المسلمون بلاد كفر هي الأرقي والأكثر تقدما والأكثر إغراء للهجرة إليها، ويستورد منها المسلمون كل شىء حتى ملابسهم الداخلية، فكيف وصل العالم الإسلامي إلى هذه الهاوية السحيقة؟

بالرغم من وجاهة هذه الأسئلة، فيمكن الرد عليها ودحض أفكارها، فالإنسان منذ بدء الخليقة ليس حجة على دينه، وإنما دينه حجة عليه، لكن المدهش أن الكاتبة اليهودية تجاهلت عمدا أن اليهود أنفسهم قد انقسموا واحدة وسبعين فرقة، وفيهم أيضا مذاهب تكفر بعضها بعضا، كما لو أن الفرق والمذاهب جزء من صميم ديانات السماء، وليست إنتاجا بشريا يجب عدم التعويل عليه أو التحجج به.

وإذا كان ثمة عنف بين المسلمين حاليا، فقد حدث أشد منه قسوة وغلظة في التاريخين اليهودي والمسيحي، ولا علاقة مطلقا بين أي عنف وجوهر كل دين، وكان استغلالا من رجال دين وسياسيين وأصحاب مصالح لتوطيد أوضاعهم الطبقية، وإكسابها قداسة الحق الإلهي. وقبل أيام وصلتني رسالة غاضبة تحت عنوان «الإسلام في خطر»، ومعها بضعة فيديوهات يتحدث فيها بضعة أفراد بشكل سيىء عن الإسلام، ويعلنون خروجهم منه إلى دين آخر. 

وردَّيْتُ على صاحب الرسالة: لا تغضب ولا تقلق، الإسلام ليس في خطر، وحملات الهجوم عليه قديمة جدا، وتحديدا من القرن السابع الميلادي، وبالرغم من هذا انتشر الدين وذاع وعم الآفاق، ويقترب عدد أتباعه الآن من ملياري نسمة، فإذا خرج منه واحد أو مئة أو  ألف أو  مئة ألف فلا خوف عليه، ولا جديد في أشكال الهجوم الوقح على الدين الحنيف، نفس العبارات، نفس الأقوال، نفس الأفكار، وكلها تحاسب الإسلام على تصرفات مسلمين لا يفهمون دينهم فهما صحيحا، وللأسف هذا الفهم المغلوط لا يتعلق غالبا بالعبادات، وإنما بأمور حياتية ترتبط بالآخر، سواء كان الآخر مخالفا في الدين أو نقيضا في المصالح، وكلها معاملات أسسها الله على العدل، والإنسان أحيانا كثيرة يحب العدل لنفسه وليس للآخر، حتى لو خالف دينه، ويظل يبحث عن خرم إبرة في كتب الدين أو الشيوخ يمرر منه تصرفاته الخاطئة.

نعم هذه أسباب إضافية تحثنا بقوة على تجديد الفكر الديني تجديدا يبرز القيم الإنسانية الصحيحة في الإسلام، خاصة في التعاملات مع الآخر أيا كان.


لمزيد من مقالات نبيـل عمــر

رابط دائم: