رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

..ومازالت المغالطات مستمرة حول حقوق الإنسان فى مصر

في خطوة غير مفهومة أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أمس الأول 12 مارس بيانا مقتضبا (أقل من 400 كلمة) باسم 31 دولة حول حقوق الإنسان في مصر. وقبل قراءة دقيقة لمضمون البيان الذي تضمن الكثير من المغالطات، فإن السؤال الأهم: لماذا هذا البيان الجماعي الآن؟ وسؤال التوقيت هنا له شقان، الأول يتعلق بتأثير وصول إدارة ديمقراطية جديدة داخل الولايات المتحدة، يراهن كثيرون أنها سُتولي اهتماما أكبر بقضايا حقوق الإنسان في العالم. لاشك أن وصول إدارة بايدن أسهم في ارتفاع سقف توقعات ومراهنات جماعات المعارضة والمنظمات الدفاعية - في مصر وغيرها- للسنوات المقبلة، بدءا من محاولة استغلال هذا التطور لدعم مواقفها السياسية، وانتهاء بمحاولة إنعاش لسوق التمويل الدولي في هذا المجال، وهى سوق مهمة، شهدت انكماشا ملحوظا خلال إدارة ترامب. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للمؤسسات الدولية المعنية بقضايا حقوق الإنسان، فهل اكتشفت الدول الحادية والثلاثون فجأة اليوم أن هناك قضية حقوق إنسان في مصر؟ أم أنها مجرد محاولة لإنعاش هذه السوق. المؤسسات شأنها شأن الأفراد والجماعات تسعى - عن وعي أو دون وعي- إلى تنشيط مصالحها والحفاظ على أدوارها الدولية.

هناك بعد آخر لا يمكن إغفاله في فهم هذا البيان «الجماعي»، يتمثل في وجود تيار أوروبي يسعى إلى التماهي مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وهو بعد يؤكده غلبة القوى الأوروبية الموقعة على البيان.

الشق الثاني في مسألة التوقيت يتعلق بإهمال البيان، أو بالأحرى تجاهله، للتطورات التي شهدتها مصر خلال الفترة الأخيرة فيما يخص قضايا حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والحبس الاحتياطي. البيان تجاهل المراجعات المتتالية التي جرت - ومازالت - لمسألة المحبوسين احتياطيا. ورغم أنه يقول صراحة حول قانون المنظمات غير الحكومية الجديد إنه يضع «إطارًا قانونيًا جديدًا أكثر ملاءمةً لعمل منظمات المجتمع المدني»، لكنه يحاول الحكم مسبقا بأن القانون لن يُنفذ، قائلا: «لكن من الأهمية بمكان أن يتم تطبيق القانون بما يضمن تمكين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني». ويدعو البيان مصر «إلى رفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام والحريات الرقمية»، متجاهلا أن «الحريات الرقمية» باتت واحدا من أهم التعبيرات الأساسية عن قوة «المجال العام» في مصر، وساحة مهمة للتأثير على عملية صناعة السياسات العامة، وإدارة المساومات والتوافقات compromises...إلخ، والأمثلة كثيرة على ذلك، كان أبرزها ما انتهى إليه قانون مخالفات البناء وقانون التسجيل بالشهر العقاري، وغيرهما.

هذه الأشكال المختلفة من تجاهل، أو محاولة البيان القفز على ما يجري على الأرض في مصر، يثير تساؤلات خطيرة حول مدى مهنية وموضوعية مثل هذه البيانات، والدوافع الحقيقية التي تقف وراءها، ومدى استناد مثل هذه المؤسسات الدولية إلى معلومات دقيقة قبل إصدار مثل هذه البيانات، رغم ما تمتلكه من فرص وآليات عدة للوصول إلى هذه المعلومات.

ولم تقتصر المغالطات الواردة في البيان على ما سبق، إذ يتحدث البيان عن «ضرورة مكافحة الإرهاب مع الاحترام الكامل للقانون الدولي لحقوق الإنسان»، وهي مغالطة صارخة، ذلك أن إحدى السمات الأساسية لجهود مكافحة الإرهاب في مصر هي التزامها الصارم بالمعايير الدولية في هذا الشأن، بل إعطاء الأولوية المطلقة للاعتبارات الإنسانية في هذه المواجهة. لقد صدر العديد من التقارير الدولية المعنية برصد أنشطة مكافحة الإرهاب في العالم ولم يشر أي منها إلى انتهاكات مصرية لحقوق الإنسان فى أثناء هذه المواجهة. ويكفي لمجلس حقوق الإنسان صاحب هذا البيان مقارنة التجربة المصرية «النظيفة» في هذا الشأن مع تجارب لدول كبرى أخرى في أفغانستان والعراق وغيرهما، وكيف تم خلال حروبها على الإرهاب هناك انتهاك كل أشكال حقوق الإنسان المعترف بها دوليا، بل وانتهاك كل أشكال حقوق الآخر المختلف ثقافيا ودينيا، رغم ما تمتلكه هذه الدول من أدوات قتال أكثر فعالية وأكثر قدرة على التنفيذ الذكي والرشيد لعمليات القتل.

ولم ينته البيان قبل أن يثير مغالطة أخرى يدعي فيها تطبيق مصر لتشريعات مكافحة الإرهاب على المثليين والمثليات، قائلا: «نشعر بقلق بالغ إزاء تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب على الحقوقيين، والمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية»، أي خلط هذا؟ الأمر لا يتعلق هنا بتجاهل مثل هذه المؤسسات الدولية للخصوصيات الدينية والثقافية والاجتماعية للمجتمعات غير الغربية، لكنه يتعلق بجهل واضح لواقع الأمور، فهل تخلو منظومة القوانين والتشريعات المصرية من أطر ملائمة للتعامل مع قضية «المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية» حتى تتم إدارتها بواسطة قوانين الإرهاب؟

بعيدا عن القيمة الحقيقية لهذا البيان، والذي لا يعدو كونه مجرد محاولة من جانب المجلس لإثبات حضوره الدولي، ومحاولة تيار أوروبي إثبات تماهيه مع مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة، فإن البيان يكشف من جديد عن استمرار إشكال كبير في حقل العلاقات الدولية، ألا وهو تعرض ملف «حقوق الإنسان» لعمليات تسييس وازدواجية مبالغ فيها.


لمزيد من مقالات د. محمد فايز فرحات

رابط دائم: