رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثروت عكاشة.. القيمة والأفق-1

عندما نحتفل بمئوية ثروت عكاشة الذى وُلِد منذ مائة عام (1921)، فإننا نحتفل بشخصيةٍ من أبرز شخصيات ثوار يوليو 52 بعد جمال عبد الناصر. والحق أن الصلة التى ربطت بين جمال عبد الناصر وثروت عكاشة هى صلة الموسيقى بأصدائها التى تجاوز العمل على تأسيس ثورة يوليو 1952 إلى العمل على أهم لازمةٍ من لوازمها، وهو تأسيس جهاز ثقافى رفيع المستوى، قوى البناء، ثابت الأركان يبقى ما بقيت آثار تلك الثورة، ويكون بمثابة الحارس لها، والحافظ لقيمها ومبادئها، والمُبشِّر الدائم بأفكارها وشعاراتها مهما توالت السنوات أو تعددت المراحل. وإذا كان مؤرِّخو الثقافات الإنسانية يتحدثون عن الثنائية الاستثنائية التى جمعت بين الجنرال شارل ديجول، بوصفه واحدًا من أعظم حُكّام العالم، والأديب الفرنسى «أندريه مالرو»، بوصفه واحدًا من أعظم كتّاب فرنسا، فإن المقياس نفسه ينطبق على الثنائية التى تجمع بين جمال عبدالناصر - القائد الخالد الذى ستبقى ذكراه رغم كل محاولات التشكيك فيه – وبين ثروت عكاشة، الذى نحتفل بعيد ميلاده المائة فى هذه الأيام مع وزارة الثقافة المصرية التى كان من الطبيعى أن تحتفل بذكراه بوصفه صانعها ومُوجِدها، وزارع البذور التى تكوَّنت مؤسسات وزارة الثقافة من أغصان شجرتها المُزهرة بكل ما فى هذه الشجرة من أفرع وأغصان وأوراق ونباتات. والحق أننى لا أذكر من وزراء الثقافة سوى اثنين, أولهما: فاروق حسنى، تلميذ ثروت عكاشة الذى تعلَّم منه، وسعى إلى الإضافة إليه، وثانيهما: ثروت عكاشة نفسه الذى جلستُ منه مجلس التلميذ على نحوٍ مباشرٍ، وسألتُه عن كل صغيرةٍ وكبيرةٍ وجدتُها فى مذكراته المنشورة عام 1987، والتى كنتُ قد قرأتُها وتأثرتُ بها كل التأثر، وذلك بعد أن بدأت معرفتى بثروت عكاشة (الكاتب) منذ السنوات التى كنتُ فيها فى مطالع الدراسة الثانوية، حين أسعدنى الحظ بقراءة ترجمته لرواية الروائى الأمريكى سميث ثورن: سروال القس التى لم أظن أن هناك رواية تجاوزها فى مدى قدرتها على إشاعة البهجة، وإضفاء روح المرح فى داخلى أيام دراستى فى المرحلة الثانوية، وذلك جنبًا إلى جنب كتاب: إعصار من الشرق، وهو كتاب ألَّفه عن سيرة القائد المغولى چنكيز خان، وقد نشره فى الخمسينيات، إن لم تخنى الذاكرة. وكان دائمًا ينشر باسم: ثروت محمود, ربما لكى يؤكد مكانته الفكرية والثقافية بعيدًا عن مكانته العسكرية.

المؤكد أننى عرفتُ ثروت محمود (الكاتب) قبل أن أعرف ثروت محمود (الضابط) الذى شارك جمال عبد الناصر فى التخطيط لثورة يوليو وإنجازها فى الوقت نفسه. وقد أذهلنى فى شخصية الضابط، حبه للمعرفة والثقافة. وقد سعدتُ جدًّا عندما قرأتُ فى مذكراته أنه كان يدعو جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وغيرهما من المقربين إليه داخل تنظيم الضباط الأحرار، ليلتقى بهم فى بيته، أو قَصر والده محمود عكاشة باشا الذى كان مديرًا عامًّا لسلاح حرس الحدود وحاكمًا للصحراء الغربية. وفى قصر محمود باشا عكاشة كان يستمع الصحاب إلى أجمل السيمڤونيات العالمية وما يختاره ثروت عكاشة من روائع الموسيقى الغربية التى كانوا يحلمون بأن يأتى يوم يشاركهم الشعب المصرى فى معرفة مثل هذه الموسيقى والاستمتاع بها، ولذلك لم يكن من الغريب أن أقرأ, بعد ذلك, فى مذكرات ثروت عكاشة عن حلمهم الجميل بأن يرتقوا بالفلاح المصرى، وأن يتيحوا له من فرص التعليم العقلى والوجدانى ما يجعله مؤهلًا للاستمتاع بالموسيقى العالمية.

ومن المؤكد أن ذلك الحلم قد ظل فى وجدان هؤلاء الشباب الذين كانوا يحلمون بمستقبلٍ أفضل لمصر يصنعونه على أعينهم، ويؤسسون له بكل خليةٍ من خلاياهم. وهكذا مضى ثروت عكاشة فى طريقه الصاعد نحو الثورة خطوة بخطوة مُصاحبًا لعبد الناصر، يحلم مثله بمستقبلٍ أفضل للمواطن المصرى على كل المستويات، ابتداء من الأرض التى لا يملكها، والثقافة التى لم يكن يرتقى إليها. ومرت الأيام وتلك المجموعة الشابة تتصدر صفوف أقرانها من الضباط الأحرار، وتحقق الحلم، وتعلن عن الثورة فى الصباح الباكر للثالث والعشرين من يوليو 1952، فيستقبل الشعب المصرى كله - أو أغلبه - تلك الثورة الشابة بالفرحة والحبور. وكان أشد الناسِ فرحة الفقراء الحالمين بالعدل وليس الأغنياء الذين أبطرتهم النعمة، وبعبارة أخرى، وجد الضباط الأحرار سندهم فى الذين كانوا يعانون البؤس «فلا يجدون ما ينفقون» كما وصفهم طه حسين فى عمله: شجرة البؤس. وهكذا شاء التاريخ أن يؤسس هؤلاء الضباط الشبان، وفى الطليعة منهم ثروت عكاشة، لحياةٍ جديدةٍ تحقق أحلام العدل للجميع.

وكان من الطبيعى أن يبدأوا فى تحقيق الحلم بالاستعانة بالأجيال السابقة التى تملك الخبرة، لذا تم تعيين فتحى رضوان، عضو حزب مصر الفتاة، وزيرًا للإرشاد القومى إلى أن اكتمل استعداد ثروت عكاشة ليتسلم مــن بعـــده وزارة الإرشـــاد التى أصبــحـــت تُعــــرف فيما بعــد بوزارة الثقافة. وتبدأ الرحلة التى تتخللها بعــــض الفتــرات التى يتصـــارع فيهــا مفهــوما الكيـــف والكـــم الـــذى جعل ثانيهما عبد القادر حاتم شعارًا. وكان ذلك لعددٍ من السنوات إلى أن عاد مفهوم الكيف ليعلو فوق الكم. ويكبر تلامذة ثروت عكاشة الذين تعلموا منه الإعلاء من شأن الكيف دائمًا، والذين أُتيح لهم أن يواصلوا المسيرة مُهتدين بخطواته وكتاباته، وعلى رأسها مذكراته فى الحياة والثقافة. وظل الرجل فاتحًا بيته وعقله لكل طالب معرفة وخبرة. وأنا شخصيًّا لن أنسى دفء الجلسات التى جمعتنى به فى بيته، أستمع إليه وأقدم له بعض ما أعرف من أفكار تنتسب إلى زمنى وليس إلى زمنه. وظل الرجل يسمع لى باهتمامٍ صادقٍ ومعرفةٍ عميقةٍ فى كل لقاءٍ التقينا فيه بمنزله الذى كان أشبه بالواحة التى يفر إليها من يريد متعة العقل والوجدان. وعن طريق ثروت عكاشة (الشخص والكاتب) تعرفتُ على أخيه الدكتور أحمد عكاشة، عالم الطب النفسى الشهير الذى أفتخر بمعرفتى به وصداقتى له إلى اليوم. والذى لا يزال يُذكِّرنى بكل صفات أخيه النادرة.

(وللمقال بقية)


لمزيد من مقالات د. جابر عصفور

رابط دائم: