رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كيف نواجه مخاطر النمو السُكانى؟

أشار حديث الرئيس السيسي في يوم 19 فبراير الماضي إلى خطورة ارتفاع معدلات النمو السكانى وما يترتب عليها من زيادة سكانية مُفرطة على نحو يأكل الأخضر واليابس ويعوقُ شعور المواطنين بثمار التنمية. وجاءت هذه الإشارة لتسلط الضوء على مُشكلة قديمة في مصر. فما زلت أذكر جيدًا أنه في منتصف الستينيات حذر الرئيس عبد الناصر من عواقب الزيادة السُكانية في وقت كانت مصر تزيد بمعدل نصف مليون سنويًا. ووقتها، كلف المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ببحث أسباب هذه الظاهرة واقتراح السياسات الكفيلة بمُعالجتها. رافق ذلك في عام 1963 قرار بإنشاء المجلس القومي للسُكان الذي تغير اسمه بعد عامين ليُصبح المجلس الأعلى لتنظيم الأُسرة. وتكرر التحذير نفسه على لسان الرئيس السادات الذي أعلن سياسة لخفض معدلات النمو السُكانى خلال عشر سنوات. واستمر التوجه نفسه في عهد مُبارك الذي في عهده حققت مصر نجاحات ملموسة في ضبط مُعدلات الزيادة السُكانية، وأُنشأت لأول مرة وزارة للسُكان تولاها الدكتور ماهر مهران. وها هو الرئيس السيسي بعد أكثر من نصف قرن يُعيد طرح المُشكلة ويقول إنه ما لم ينخفض النمو السُكاني إلى 400 ألف في السنة بدلًا من مليوني نسمة، فإن المصريين لن يشعروا بما تقوم به الدولة من جهود تنموية. وكرر هذا التحذير في حديث آخر بتاريخ 9 مارس مُضيفًا أن هذا الخفض لعدد المواليد يجب أن يستمر لعشر سنوات على الأقل.

وعلى مدى السنوات الماضية، تبنت الدولة العديد من السياسات والإستراتيجيات، ونظمت عشرات المؤتمرات والندوات، وخصصت أدوات الإعلام آلاف البرامج التليفزيونية والمُقابلات وبثت مواد إعلانية شارك فيها فنانون وشخصيات عامة للتوعية ودعوة الأُسر إلى الاكتفاء بعدد طفلين. فلماذا لم تُحقق كُل هذه الجهود أهدافها؟

أعتقد أنه من الضروري البحث في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع قطاعا من المصريين إلى الإكثار من الإنجاب، وأن نُحدد بشكل علمي في أي الطبقات الاجتماعية تنتشر ظاهرة الأُسر الكبيرة، وفي أي المحافظات والأقاليم؟ وفي هذا المجال أُشير إلى ثلاثة اعتبارات جديرة بالنظر:

1ــ النظر إلى كثرة عدد الأولاد كمصدر لزيادة دخل الأُسرة. فبينما يكون للنمو السُكاني غير المُنضبط آثارً سلبية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية على مُستوى الدولة، فإن له مردودا إيجابيا على الأُسر محدودة الدخل التي ينزل أولادها إلى سوق العمل مُبكرًا، ويجلبون دخلًا إضافيًا لها. أضفُ إلى ذلك، الاعتقاد بأن الأولاد سوف يكونون دعمًا لذويهم في الكبر.

2ــ النظر إلى كثرة عدد الأولاد على أنها نعمة من عند الله وأن الطفل يأتي ومعه رزقه، وذلك بالاستناد إلى تفسيرات خاطئة لبعض الآيات القُرآنية مثل أن «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...» (سورة الكهف)، والأحاديث النبوية مثل «...تكاثروا فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة». مع أن هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن تُفهم في سياقها، وسياق آيات وأحاديث أُخرى، وفي السياق الأشمل لمبادئ الدين ومقاصد الشريعة. وتكشف نتائج المسوح الاجتماعية واستطلاعات الرأي التي أجرتها وزارة التضامن الاجتماعي ومراكز البحوث المصرية عن اعتقادات سائدة بين البعض بأن تنظيم الأُسرة مُخالف للدين وأنه «حرام» ومن شأن الأخذ به «إغضاب ربنا».

3ــ النظر إلى كثرة عدد الأولاد في الموروثات الثقافية والاجتماعية كشيء إيجابي، كاعتبار ذلك مصدرًا للعزوة الاجتماعية، وكأساس لاستمرار الحياة الزوجية وتحقيق الترابط الأُسري. كما تسود في بعض الأوساط ثقافة أهمية إنجاب الذكر فتستمر الأُسرة في الإنجاب حتى يأتيها ما تبتغيه.

هذا بعضُ من كُل. وهُناك اعتقادات أُخرى كثيرة تصُبُ في ثقافة كثرة الإنجاب، بينما تغيبُ من ناحية أُخرى ثقافة الصحة الإنجابية والأخطار التي تُصيب الأُم من هذه الظاهرة. وهذه الاعتقادات نشأت على مدى سنين طويلة وأصبحت مُوجهة لسلوك كثير من الناس. لذلك، يجب أن نتسلح بالصبر والمُثابرة إذا أردنا تغيير هذه الاعتقادات وما يترتب عليها من سلوك، وأن نُدرك أننا نتعامل مع قضية مُجتمعية وليس مُجرد قضية طبية أو صحية، وأن لها أبعادها الثقافية والاقتصادية والدينية. وهو ما يتطلب النظرة الشاملة إلى الموضوع، وتضافُر عديد من المؤسسات الرسمية والأهلية لمواجهة هذه الظاهرة.

ويترتب على ذلك، أنه لا ينبغي التعامل معها بمنطق الحملات الموسمية فتهتمُ جميع أجهزة الإعلام والبرامج بالقضية لأسبوع أو اثنين ثُم ينقضي الأمر بعد ذلك، فالمواجهة تتطلبُ العمل على مسارات مُختلفة وعلى مدى زمني طويل وألا نتعجل نتائج هذه الجهود. ومطلوب أيضًا استقرار الهيكل التنظيمي للجهة التي تتولى مسئولية العمل والتنسيق بين الوزارات. فعلى مدى السنين، تبع المجلس القومي للسُكان أحيانًا وزير الشئون الاجتماعية، وأحيانًا أُخرى وزير الصحة، وأحيانًا ثالثة رئيس الجمهورية، وأحيانًا رابعة رئيس مجلس الوزراء. وإذا كُنا نُريد الاستفادة من خبرات السنوات الماضية حقًا فمطلوب أن يتخذ موضوع زيادة النمو السُكاني شكل مُبادرة رئاسية يتم تنفيذها تحت الإشراف المُباشر لرئيس مجلس الوزراء، ويتم النظر إليها كأحد المشروعات القومية الكُبرى في بلادنا.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: