رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ضد التصور الأسطورى للمرأة (11)

لا شك أنه توجد ضوابط علمية متعددة في تفسير القرآن الكريم، ولا شك أيضا أن أهمها بإطلاق هو ضابط تفسير القرآن بالقرآن، حيث يجب فهم مقاصد الوحي دون اقتطاع لآياته الكريمة من سياقها الخاص ولا من السياق العام للقرآن الكريم؛ فالقرآن كتاب مبين يفسر بعضه بعضا، ويجب فهمه في إطار المقاصد الكلية لرسالة السماء إلى الأرض.

أقول هذا بمناسبة أن بعض الناس يفهمون الكلام بطريقة غريبة، ويحرفون العبارات عن مواضعها، ليس فقط آيات القرآن؛ ولكن أيضا كلام البشر عنه. فعندما تقول:«ان أهم ضابط في فهم القرآن هو ضابط تفسير القرآن بالقرآن»، فإن البعض يحرف هذه المقولة، سواء بقصد أو دون قصد، إلى العبارة التالية: «القرآن لا يفسر إلا بضابط واحد ألا وهو تفسير القرآن بالقرآن»!!! ومن هذه المقولة المحرفة يبدأ في الاختلاف معك! وليس بخاف أن هذا يُدخل المختلف معك في معركة زائفة؛ حيث يصطنع خصما غير موجود أساسا!!

والأمر الثاني، والذي لا يقل غرابة عن الأول، هو أنهم يظنون أن كلامنا عام مطلق على جميع المفسرين! وهذا خطأ منهجي آخر يعكس الرغبة في تحريف الكلام؛ لأن مجرد التركيز في العبارات يبين بوضوح استخدامنا لكلمات من قبيل: «بعض، أكثر، قطاع كبير، وقع كثيرا...إلخ»، ومن هنا فإننا نؤكد خطأ الأحكام العامة دون تبصر في حدود مناهج البحث العلمي. ونؤكد مجددا أن أي جهد علمي له مميزاته وعيوبه شأن أي عمل بشري. والتراث ليس كتلة واحدة نرفضها أو نقبلها، بل يجب التمييز فيه بين الإيجابي والسلبي، وذكر السلبي ليس معناه عدم الاعتراف بالإيجابي، ذلك الإيجابي الذي يمثل إسهاما حقيقيا بارزا في تطور العلوم، ويحق لنا أن نفتخر به دون تقديسه ودون تجميده مثلما حدث في عصور التراجع.

تلك مقدمة ضرورية بدأنا بها هذا المقال في سلسلة (ضد التصور الأسطوري للمرأة)، حيث نواصل في المقال الحالي تحليل (الآيات 33- 37) من سورة آل عمران، والتي نكشف فيها عن حجم الإسقاطات التي حدثت في تفسيرها من الثقافة المتوارثة والتي أخرجت تلك الآيات عن حدود كلمات الوحي ومقاصده. وقد ذكرنا في المقالات السابقة إحدى عشرة نقطة، وفيما يلي بعض النقاط الأخرى المتعلقة بالآيات الكريمة موضوع حديثنا، على النحو الآتي:

ثاني عشر- أرجو أن نرجع مرة أخرى لكلمات الوحي الكريم، فلن تجد فيها ما يدل على تفضيل الذكر على الأنثى إذا فهمنا كلمات الوحي في حدود كلمات الوحي ولم نسقط عليها ثقافتنا الموروثة من المرويات الضعيفة وقصص الأولين، اقرأ معي:

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران: 33- 37).

فهل توجد في هذه الآيات الكريمات أى كلمة حرفية أو أي مقطع حرفي يتعلق بأفضلية الذكر على الأنثى؟ وإذا كان البعض سوف يحدثك عن المجاز وليس الفهم الحرفي، إذن فإن الأمر يتعلق بالمجاز، وليس الحرف، ومن ثم إذن فأنت أمام معنى مجازي مفتوح يجب ألا تشده إلى طريقة واحدة في الفهم إلا إذا كان مجموع الآيات المذكورة عن الموضوع نفسه مع مجموع آيات الكتاب كله يؤدي إلى المعنى المقصود.

ومثلما لا يوجد ما يدل على تفضيل الذكر على الأنثى كحكم مطلق، فإنه لا يوجد ما يدل على تفضيل الأنثى على الذكر كحكم مطلق، فالاثنان سيان من حيث القيمة الإنسانية، والتمييز إن حدث فإنه يحدث بسبب لا يرجع إلى الذكورة والأنوثة، وإنما يرجع إلى قيمة مضافة فردية تميز فردا عن فرد لعمله أو كفاءته.

ثالث عشر- مما يدل على هذا الفهم قوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)، إذن فلم يفرق في القبول كونها أنثى أو ذكرا، والقبول هنا جاء على نحو طبيعي دون أي تدخل استثنائي أو مبالغة في الفعل، بدليل أن الوحي الكريم استخدم لفظ القبول طبقا للوضع الطبيعي العادي، ولم يستخدم لفظ التقبل الذي يفيد المبالغة مثل التصبر والتجلد. يقول الفخر الرازي: «مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اعْتِنَاءِ ذَلِكَ الْفَاعِلِ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَالتَّصَبُّرِ وَالتَّجَلُّدِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ الْجِدِّ فِي إِظْهَارِ الصَّبْرِ وَالْجَلَادَةِ، فَكَذَا هَاهُنَا التَّقَبُّلُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي إِظْهَارِ الْقَبُولِ»، (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، 8/ 205).

وقد يظن البعض أنه ربما تكون المبالغة أفضل. وأتصور أن هذا ظن لا يفيد المعنى العام؛ لأن المبالغة في مثل هذا اللفظ يوجد بها نوع من التكلف، بينما الأمر الطبيعي هو القبول للشخص سواء ذكرا أو أنثى؛ فهذه الذرية بعضها من بعض، والاصطفاء لآل عمران هو اصطفاء لا تمييز فيه بين ذكر وأنثى.

ويؤيد هذه الطريقة في فهم المقطع الكريم ما ذكره الفخر الرازي، يقول: «فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ حَتَّى صَارَتِ الْمُبَالَغَةُ أَكْمَلَ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ لَفْظَ التَّقَبُّلِ وَإِنْ أَفَادَ مَا ذَكَرْنَا إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ نَوْعَ تَكَلُّفٍ عَلَى خِلَافِ الطَّبْعِ، أَمَّا الْقَبُولُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ مَعْنَى الْقَبُولِ عَلَى وَفْقِ الطَّبْعِ، فَذَكَرَ التَّقَبُّلَ لِيُفِيدَ الْجِدَّ وَالْمُبَالَغَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَبُولَ لِيُفِيدَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الطَّبْعِ، بَلْ عَلَى وَفْقِ الطَّبْعِ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَإِنْ كَانَتْ مُمْتَنِعَةً فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهَا تَدُلُّ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعَارَةُ عَلَى حُصُولِ الْعِنَايَةِ الْعَظِيمَةِ فِي تَرْبِيَتِهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ مُنَاسِبٌ مَعْقُولٌ»، (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير ، 8/ 205).

إذن، فالتعامل مع تلك الأنثى وقبولها كان طبقا للوضع الطبيعي في القبول، ولم يكن هذا على خلاف الطبع، ولم يحتج أي وجه من وجوه (التَّفَعُّلِ) الإضافية.

رابع عشر- أما مقطع (َأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)، فهو يعني: أنشأها إِنْشَاءً صَالِحًا ورباها على نحو طبيعي أيضا دون مبالغة، حيث تم استخدام لفظ (أنبتها نباتا)، مثلما يحدث على نحو طبيعي في الطبيعة، (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً)، (نُوحٍ/ 17). يقول ابن عاشور: «فَشُبِّهَ إِنْشَاؤُهَا وَشَبَابُهَا بِإِنْبَاتِ النَّبَاتِ الْغَضِّ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ»، (التحرير والتنوير3/ 235).

إذن، فالأمور كلها تسير على نحو طبيعي مع هذه الأنثى في القبول الإلهي والتنشئة الربانية، ولم تؤد أنوثتها إلى الانتقاص منها في مثل هذه الظروف، فلا اعتبار للأنوثة والذكورة في العمل الصالح ولا اعتبار للأنوثة والذكورة في القبول الإلهي.

وللحديث بقية


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: