رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وعى المواطن وتشويه الواقع

نتساءل فى مناسبات عديدة لماذا تتسلل خطابات سلبية الى عقول الناس بينما شواهد الواقع تكذبها؟ هناك تغيير يحدث فى المجتمع سواء على مستوى مشروعات التنمية، وبرامج الحماية الاجتماعية، ومواجهة العشوائية والسعى إلى تنظيم الحياة، وبالرغم من ذلك لا يدرك البعض حقيقة ما يحدث، وقد يصيبهم التشوش نتيجة حملات التكذيب التى تستهدفهم. أبرز دلالة على ذلك تزييف الوعى من خلال ترويج ادعاء بأن جهود الدولة الراهنة هى استثمار فى الحجر، وليس استثمارا فى البشر. ويعنى هذا الحديث أن بناء المدن، والطرق والكبارى والمنشآت يأتى على حساب بناء المواطن ذاته. هذا الادعاء فضلا عن عدم صحته، يفتقر إلى التفكير الصحيح لان العلاقة بين الإنسان والبناء المادى علاقة تكاملية، يصعب الفصل بينهما. الشخص هو الذى يبني، ويستفيد من البناء، ويطور نوعية الحياة التى يعيشها، ويجنى ثمار بنائه. والبناء بالنسبة للمواطن حياة جديدة، ومساحة أفضل للحياة، فيها يجد السكن الملائم، والخدمة التعليمية، ووسائل الرفاهية، والعمل المناسب. وفى ظل تجربة التنمية الراهنة لم تأت التنمية الاقتصادية بكل صورها على حساب التنمية البشرية والاجتماعية. بناء المدن، أو شبكة الطرق، أو الأنفاق، رافقها حملة 100مليون صحة، وبرنامج تكافل وكرامة، ومبادرة حياة كريمة، وتنمية القرى المصرية، وتوفير سكن بديل لسكان المناطق العشوائية، وجميع هذه المبادرات تصب فى جهود مواجهة الفقر، والحد من التهميش، وبناء شبكات أمان اجتماعي. بالتأكيد زادت الأعباء على الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ، التى يبدو تأثرها الشديد بزيادة الضغوط الاقتصادية عليها، لكن على المدى البعيد فإن تطوير المجتمع، وتحديث بنيته الأساسية، وتحقيق التنمية الاقتصادية هو الذى يوفر إمكانية التوسع فى الطبقة الوسطي، التى تعد ـ فى كل المجتمعات ـ عنوان المهنية، والتوازن، والحفاظ على القيم. واذا لم تحدث تنمية، وظلت الأمور على استقطابها القديم بين أقلية تستأثر بالثروة، وغالبية تعانى الفقر، وطبقة وسطى متآكلة فى ظل سوء توزيع عوائد النمو الاقتصادي، فإنه قطعا لن يكون هناك أفق لنمو الطبقة الوسطي.

ومن ناحية ثانية فإن تمكين المجتمعات الريفية ضرورة أساسية لرفع مستوى التنافسية الاقتصادية لها. ويتمثل ذلك فى الإفادة من الفائض البشرى بها فى مشروعات انتاجية، بحيث يصبح الريف جاذبا وليس طاردا، وبدلا من الهجرة العشوائية من الريف إلى المدينة، يصبح الريف ذاته مهيأ للاستثمار، ويجد أبناؤه أسباب الاستقرار فيه من وظائف، وخدمات جيدة، ويفضلونه على الانتقال إلى المدن. هذا ما حدث، ويحدث فى المجتمعات المتقدمة التى تسير على نهج التنمية المتوازنة، التى لا تستأثر المدن فيها بالفرص الاقتصادية على حساب الأطراف أو الأقاليم. هذا هو التمكين الحقيقى للريف، وهو ما تنادى به حاليا المنتديات التنموية فى العالم كله، خاصة فى ضوء تزايد الضغوط على المدن التى أصبحت الحياة بها تزداد صعوبة، ولا يتمتع الناس فيها بوسائل الرفاهية التى كانت لهم فى السابق. والسبب تزايد التركز السكانى بها، والذى يأخذ شكل عدم التناسق العمراني، وتمدد العشوائية.

ما أريد قوله إن الحديث عن أولوية الحكومة فى الاستثمار فى الحجر قبل البشر غير صحيح، وليس له أساس، لماذا يشترى البعض إذن هذا الادعاء؟

ليست هناك إجابة واحدة. قد يعود ذلك الى تقصير من وسائل الإعلام فى شرح الحقائق للناس، وقد يرجع الى تكثيف حملات التشكيك التى تحركها اطراف يزعجها الاستثمار فى الحجر والبشر معا، ولا تريد للمجتمع المصرى أن يسير على طريق أى منهما. ولكنى أظن أن الإشكالية الاساسية تتمثل فى غياب الوعي، التى نراها فى كل شئون المجتمع من تنظيم الأسرة، وتطوير الخطاب الديني، الى النظافة وترتيب الحياة. والسبب أن هناك فترات سابقة لم تكن الحكومات تطلع الناس على الحقائق، وتعمل على التقرب إليها بالكلام الوردى الذى لا يعكس حقائق الواقع المتدهور، ويرجع أيضا إلى أن قضية الوعى لم تكن محل اهتمام، وأعنى بها الوعى النقدي، الذى يكتسبه الناس من خلال الثقافة والتعليم والإعلام، يواجهون به الشائعات، والآراء الخاطئة، ومحاولات اثارة المشاعر دون حدوث تغيير حقيقي. فقد ساد وقت نُظر فيه إلى الثقافة على أنها ترف، ووجاهة، وشكل للتمدن، دون أن تكون مجالا للتغيير والاستنارة الفكرية وتشكيل وعى المواطنين. من هنا، فإن وعى الناس يرتبط بالتنمية، ويصعب أن يصبح الناس مٌلاكا حقيقيين لمشروعات التنمية العامة دون أن يكون لديهم الوعى بأن ذلك يصب فى تطوير نوعية الحياة، وتمكين المواطن.

ولاشك ان المرحلة الراهنة هى أكثر الفترات فى السبعين عاما الاخيرة التى شهدت محاولات جادة فى التنمية. فالتغيير على ارض الواقع غير مسبوق فى ضوء إمكانات دولة ليست غنية.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: