رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أوروبا تطارد أشباح الماضى

عكست الأفلام المعروضة بالدورة الحادية والسبعين من مهرجان برلين السينمائى الدولى الذى انتهى منذ أيام خوف أوروبا من ماضيها القريب الذى أثقل كاهلها. وعلى رأس تلك الأفلام فيلم فابيان أو الذهاب للكلاب للالمانى دومينيك جراف، الذى قدم فيه بشكل ملحمى ألمانيا وهى مثقلة بجراحها بعد الحرب العالمية الأولى. حيث نرى فى مدينة فايمر شابا فى الثلاثينيات خاض غمار الحرب ويعانى اضطراب ما بعد الصدمة، لكنه يحاول أن يتعايش ويحلم ان يكون اديبا. ويعرض الفيلم معاناة بلاده فى فترة السنوات الأربع بين هبوط السوق عام 1929 والاستيلاء النازى الوشيك عام 1933. يفقد فابيان وظيفته وسط لحظة ذروة البطالة فى البلاد، فيتردد على الملاهى الليلية ويلتقى هناك كورنيليا وهى ممثلة محبطة مثله تماما. ثم ينغمسان معا فى قصة حب تمتلئ بالصراعات خاصة مع دخول كورنيليا اعداد فيلم جديد مع منتج أفلام يريد إغواءها.على خلفية تلك القصة، نرى النازية وهى تصعد بقوة فوق روح البلاد المنهارة. لكن فيلم فابيان - الذهاب إلى الكلاب يقاوم ان يكون فيلما سياسيًا، فهو مذهل من الناحية الجمالية، حيث تعمل الصور المتباينة مثل الشاشات المنقسمة، لا سيما فى الساعة الأولى التجريبية للفيلم التى تبدو مروعة. فكوابيس فابيان المرتبطة بالحرب تبدأ فى إدخال وجوه مخيفة ووحشية وهزات بصرية الى عالمه، حتى تبدأ إيقاعات المتعة المتوترة للفيلم فى الاستقرار بشكل أكثر هدوءا. نحن بصدد تجربة بصرية غير متوقعة. والفيلم مستند على رواية إريك كاستنر التى تحمل الاسم ذاته.

الفيلم الآخر الرائع الذى يحذر من الماضى هو فيلم الضوء الطبيعى للمخرج المجرى دنيس ناجى (فى اول افلامه الطويلة) وفاز عنه بجائزة الدب الفضى لافضل مخرج ببرلين. الزمن هو عام 1943 والعناوين الافتتاحية للفيلم تخبرنا بأن المجر نشرت مائة الف جندى فى المناطق الشاسعة للإمبراطورية السوفيتية مهمتهم هى الحفاظ على النظام واجتثاث الثوار. نرى فى البداية جنودا مجربين فى الحرب العالمية الثانية يقومون بدوريات فى الغابات الجليدية لأوكرانيا. الرياح عاصفة والجو متجمد والكل غارق فى الوحل والوجوه القذرة. ومجاز واضح بالطبع. على زورق بسيط على النهر، نرى رجلين من المحليين لا ينبسون بكلمة. ويظهر الجنود من العدم ويذبحون الحيوان الذى معهم. ثم تفاصيل طويلة لاختراق العظام وسلخ الجثة. يظهر مصور الجيش الذى يوثق الأحداث عندما تصل القوات المتعبة إلى قرية ريفية تضم بضعة أكواخ فقيرة ويلتقط الصور. إنه رجل حساس ويشعر بتعاطف إنسانى كبير مع أهل القرية فى المشاهد التى يجعل افتقارها للحوار تمثيلا إيمائيا.

لكن الشعور بالخطر الذى كان موجودًا بشكل غامض فى الغابة، يبدأ الآن فى التبلور .فالقرويون يبدون ظاهريًا أنهم أبرياء ومتعاونون بما فيه الكفاية،ولكن عندما يوصى عمدة القرية المسن بطريق معين إلى القائد، تدخل مجموعة الجيش مباشرة فى كمين مميت. وتتحول الأشجار إلى مصيدة ويتم الكشف عن أن الغابة السحرية المحتملة ستكون مستنقعًا رطبًا تطارده الظلال الداكنة. يدخل الفيلم نحو نهايته مع وصول التعزيزات والكابتن كولسزار الذى يبدو أكثر صرامة وينهى الامر. ويطرح الفيلم سؤاله الاخلاقى الكبير عن مدى مسئولية اى صاحب ضمير اذا شارك فى مأساة، حيث ان البطل جندى يعمل فى اطار النازية رغم انه يرفضها.

والفيلم يقدم الحرب بشكل بعيد كل البعد عن أوبرا الدبابات الروسية وأفلام الكوارث الرائعة مثل معركة ليننجراد. ويذكرنا بتحفة إليم كليموف المعادية للحرب تعال وانظر ونظرتها الصارخة للغزو النازي.

الفيلم الثالث هو لقاءات حميمة سيئة الحظ للمخرج الرومانى رادو جود وحاز عنه جائزة الدب الذهبى اهم جوائز برلين. رغم ان الفيلم موضوعه الأساسى هو محاكمة اجتماعية جائرة تتعرض لها إحدى المعلمات عندما يتم تسريب فيديو للقاء حميم بينها وبين زوجها، عندما أودع هذا الزوج الحاسوب الخاص به للاصلاح عند احد الفنيين. ويوضع هذا اللقاء على الانترنت ويصبح «تريند» بلغة هذه الايام. يقوم الجميع بادانة المعلمة على هذا الفيديو رغم انها لم ترتكب جرما. لكن المخرج يستغل هذا الموقف الدرامى ويقوم هو نفسه بمحاسبة مجتمعه عن السنوات الطويلة التى كانت فيها الامور سيئة الى اكبر حد مدينا بقوة التاريخ السياسى للبلاد.وفى جزء بعنوان: قاموس قصير للحكايات والعلامات والعجائب، نرى اقتباسات وإحصائيات موضوعة على صور مذهلة مزعجة ورائعة معا. ويصل الفيلم الى نتيجة أننا فى عالم تنتشر فيه المعلومات المضللة. عالم متحيز ضد المرأة وسريع الانفعال وخائف، لكنه أيضًا مضحك. لائحة اتهامات قاسية صوبها المخرج الى ماضى بلاده قبل حاضرها.


لمزيد من مقالات د. أحمد عاطف درة

رابط دائم: