رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دور الفكر الاقتصادى فى تجنب الثورة (3)

لم يطرأ على مستوى معيشة العمال أى تحسن أساسى ومستمر على مدى آلاف السنين، فقط مع الثورة الصناعية الرأسمالية وتطويرهاالهائل للقدرات الإنتاجية صارت حياة العمال أفضل من حياتهم قبلها، وهو ما اعترف به ماركس نفسه. ورغم هذا، فان النظام الرأسمالى قد اتسم بتوزيع غير عادل للدخل والسلطة، وكانت ولا تزال نقطة ضعفه الرئيسة، التى رآها كينز، هى اتجاهه إلى الكساد والبطالة والاحتكار.

وأسجل، أولا، أن النظرية الماركسية كانت بها نقاط قوة، بينها إبراز عدم عدالة توزيع الدخل والسلطة، وقد سار الفكر الاقتصادى الليبرالى فى القرن العشرين خطوات توافقت مع كثير مما ورد فى نقد ماركس للراسمالية.وهكذا، تحت تأثير الفكر الاقتصادى الليبرالى والماركسى ازدادت النقابات العمالية قوة، وجاءت الإصلاحات المناهضة للثورة، حيث عملت الدولة على: تخفيف بؤس العمال، والحد من تأثير الأزمات الدورية للرأسمالية، وحظر تشغيل الاطفال، وصدرت تشريعات للتأمين الصحى والتأمين ضد البطالة ومعاشات التقاعد، وفرض ضريبة دخل تصاعدية، والملكية العامة للخطوط الحديدية والمواصلات، ومجانية التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل للجميع، ودعم العاطلين والمعاقين والمعدمين، وغير ذلك من تشريعات وإجراءات دولة الرفاهة. وقد حمت هذه الاصلاحات الطبقة الرأسمالية الكبيرة.

وثانيا، أن النظرية الماركسية كانت بها جوانب ضعف واضحة، منها ما مثله الإصلاح الليبرالى من خطر عليها بتحسين ظروف عمل ومستوى معيشة العمال؛ فلم تعد أوضاعهم مثيرة للغضب الثورى من جانبهم، وتراجع تأثير التحريض الثورى عليهم. ومنها هجوم كينز على الأزمة الرأسمالية تصديا لنقاط ضعف الرأسمالية.وكان لأمرين آخرين أثرهما المعاكس للفكر الماركسى: الأول، هو الأثر الأكبر للقوى الإنتاجية الهائلة للرأسمالية، التى أبرزها ماركس نفسه، وأدت إلى تعاظم الثروة استفادت منه جموع العمال ومكن من تقليص البؤس والشكوى والفقر. والثانى، وهو ما لم يطرأ على ذهن ماركس، أن الرأسمالية نفسها ربما تتغير؛ وهو ما أدت اليه تدابير دولة الرفاهة،فأوقفت الاندفاع الماركسى نحو الثورة، بل قضت عليه.

وثالثا، أنه على نقيض تأكيد الفكر الاقتصادى - الكلاسيكى والنيو كلاسيكى - أن الدولة إنما توجد من أجل الفرد، كانت إجابة الألمان فى وقت مبكر من القرن الـ19أن الفرد يوجد من أجل الدولة. وبفضل نجاتها من الجدل المسبب للخلاف والمعرقل للتقدم حول الدور السليم أو غير السليم للحكومة، جاء جانب من قوة ألمانيا الاقتصادية فى ذلك الوقت وحتى اليوم. وقد ولدت دولة الرفاهة فى ألمانيا فى عهد بسمارك، انطلاقا من التراث الفكرى الألمانى، الذى أكد أن الدولة تتسم بالكفاءة والنفع، وتتمتع بمكانة عالية، وكان سعى بسمارك إلى التخفيف من حدة المظالم الأكثر قسوة للرأسمالية مثالا مبكرا وواضحا للخوف من الثورة باعتباره باعثاً على الإصلاح. وهكذا، اعتمد الرايشستاج تشريعات توفر تأميناً ضد الحوادث والمرض والشيخوخة والإعاقة، خلال الفترة بين عامى1884و1887، وأعقب ذلك اتخاذ إجراءات مماثلة فى النمسا والمجر وغيرهما من دول أوروبا.

ورابعا، أنه قبل كينز وجد كينزيون، منهم أدولف هتلر، الذى لم يكن تقيده أى نظرية اقتصادية، شرع-عندما تقلد السلطة - فى تنفيذ برنامج واسع النطاق للأشغال العامة المدنية؛ كان أوضح مظاهره مشروع إنشاء الطرق السريعة، وتبعه بالإنفاق على التسليح. وسلم بفكرة التمويل بالعجز، فخرج الاقتصاد الألمانى من الركود المدمر الذى كان يعانيه، وقضى تقريبا على البطالة. ويقينا فان هتلر ونظام الاشتراكية الوطنية ليس نموذجاً جديراً بالاحتذاء، لكن السويد قدمت نموذجا أكثر تحضراً للحد من المشاق الاجتماعية وتحسين الأداءالاقتصادى. وقبل كينز بوقت طويل رأى الاقتصاديون السويديون أنه فى الأوقات الطيبة ينبغى أن تكون الميزانية متوازنة، لكنها يجب أن تكون غير متوازنة قصداً فى أوقات الكساد لدعم الطلب والعمالة.

وخامسا، أنه مع نظرية كينز أصبح على الحكومة إدارة الطلب الكلى على نقيض نظرية آدم سميث التى قصرت أنشطة الدولة بصرامة على النهوض بأعباء الدفاع وإدارة العدالة والأشغال العامة الضرورية. وقد دعا كينز الى إنفاق حكومى غير مغطى بالإيرادات لدعم الطلب الكلى لمواجهة الكساد والبطالة، وكان هذا جوهر ما يسمى الثورة الكينزية.وحين وقع الكساد الكبير بعد انهيار بورصة الأوراق المالية فى أكتوبر1929؛ أكد جوزيف شومبيتر أن التعافى يأتى دائماً من تلقاء نفسه!! وحتى مارس 1933 كانت السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة تتبع الرؤية الكلاسيكية، وفقط مع رئاسة فرانكلين روزفلت فى عام 1933جاءت انحرافات جوهرية عن الفكر الاقتصادى الكلاسيكى، وبحلول عام 1936، بعد ثلاث سنوات من النيوديل، وما يمكن أن يوصف بأنه سنوات كينز، لم تكن الإيرادات الفيدرالية تمثل غير 59٪ من المصروفات!! وتمكنت سياسة روزفلت من وقف انهيار أسعار السلع الزراعية والصناعية بإصدار وتطبيق قانون الإنعاش الوطنى، ومساعدة المتعطلين عن طريق توفير فرص عمل لهم، وتخفيف المشاق التى تعانيها الفئات الضعيفة؛ وكانت هذه السياسة الاقتصادية الاجتماعية أساس دولة الرفاهة فى أمريكا. وهكذا، على نقيض الفكر الماركسى المحرض على الثورة الاشتراكية، نجح الفكر الكينزى فى تجديد وإنقاذ النظام الرأسمالى وإن بقيت الاحتكارات قيدا على تطوره.


لمزيد من مقالات د. طه عبد العليم

رابط دائم: