رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

10 مغالطات إثيوبية تعيد إنتاج نفسها

لم يعد خافيا أن كل أقوال وأفعال الحكومة الإثيوبية ليس لها من هدف سوى كسب الوقت فى قضية سد النهضة، وكل ما عدا هذا تفاصيل غير مؤثرة فى مسار المفاوضات مع دولتى المصب مصر والسودان. ولهذا فإن المائة يوم المتبقية تقريباً على بدء عملية الملء الثانى سوف تمثل سباقاً بين تكتيكات المراوغة الإثيوبية ووسائل المواجهة التى ستتبعها مصر والسودان. المطلوب الآن إحداث اختراق فى جدار المراوغات الإثيوبية التى لا تكف عن إعادة إنتاج نفسها. ولعلّ الاختراق المطلوب يتطلب، ضمن وسائل وآليات أخرى، إصدار كتاب عن الحقائق والمغالطات فى قضية السد الإثيوبى يترجم لعدة لغات أجنبية ويُطرح على أوسع نطاق ممكن فى المجتمع الدولي.

المغالطة الأولى: الإصرار الإثيوبى على معالجة خلافات قضية السد باتفاق غير ملزم مع دولتى المصب لأنه إذا كانت معالجة قضية بهذه الدرجة من الخطورة باتفاق غير ملزم فلماذا كانت هذه المفاوضات على امتداد سبع سنوات؟ فالاتفاقات غير الملزمة ليست بالتعريف والجوهر سوى وعود ونوايا لا تلزم أطرافها. ما هو خطير وخبيث أن إصرار إثيوبيا على إبرام اتفاق غير ملزم يوحى بسوء نية مسبقة لا سيّما أنها تملك تاريخاً من التنصل من اتفاقياتها الدولية. وحينما يتجرد اتفاق ما من صفة الإلزام فإنه يفقد فى اللحظة نفسها صفته كاتفاق قانوني.

المغالطة الثانية: زعم إثيوبيا حسن نيتها يناقض رفضها ما سبق أن اتفقت بشأنه مع مصر والسودان من تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامى للجنة الثلاثية للخبراء (المادة 5 من إعلان المبادئ). وهى مغالطة تمثل بذاتها مخالفة قانونية.

المغالطة الثالثة: ادعاء إثيوبيا أن الهدف من بناء سد النهضة هو توليد الطاقة الكهربائية منذ إطلاق مشروع السد فى 2011 حتى تضمينه المادة 2 من إعلان المبادئ. وبالرغم من أن مصر لم تنكر يوماً حق إثيوبيا فى التنمية فى كل تصريحاتها الرسمية فهذا لا ينفى باعتراف الخبراء أنفسهم أن المواصفات الفنية التى بُنى بها السد لا تقتصر على توليد الكهرباء إذ كان يمكن توليد نفس الحجم منها بمواصفات بناء أقل، لكنها تهدف إلى التحكم فى مياه النيل الأزرق. ولهذا يبدو التخوّف من نية إثيوبية مضمرة فى التعامل لاحقاً مع مياه النيل كسلعة تبيعها لمصر والسودان تخوّفاً جدياً ومبرراً.

المغالطة الرابعة: ترويج إثيوبيا بأن حقها فى بناء سد النهضة هو حق سيادى خالص. المغالطة هنا أن إثيوبيا تختفى وراء لافتة التنمية لتمارس عملية خداع وابتزاز كبرى فى مواجهة مصر والسودان لأنها بذلك تنسف نسفاً أحد أهم مبادئ القانون الدولى وهو مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول بمياه الأنهار الدولية. وإذا عرفنا أن إثيوبيا تعتمد فى الزراعة على مياه الأمطار بشكل شبه كلى تقريباً فى الوقت الذى تمثل فيه مياه النيل المصدر الرئيسى للزراعة فى مصر بنسبة 95% لا تضح مدى التعسف الإثيوبى فى استعمال الحق، وهو نظرية قانونية قابلة للتطبيق فى نطاق القانون الدولى وتصلح أساساً للمسئولية الدولية حين تتجاوز الأضرار التى تلحق بطرف قدر الفوائد التى يجنيها الطرف الآخر المتعسف لاسيّما وأن الأضرار التى تهدد مصر ذات طبيعة وجودية.

المغالطة الخامسة: زعم إثيوبيا أن مصر تريد ملء سد النهضة فى فترة تمتد من 12 إلى 21 سنة، وهو زعم يخالف الحقيقة لأن مصر تريد ملء خزان السد على مراحل يرتبط تنفيذها بإيراد النيل الأزرق. وبهذا يمكن ملء السد فى 6 أو 7 سنوات إذا جاء إيراد النهر متوسطاً أو فوق المتوسط، أما فى حال حدوث جفاف فالمقترح المصرى يمكّن سد النهضة من توليد 80% من قدرته الإنتاجية من الكهرباء بحيث يتحمل الجانب الإثيوبى أعباء الجفاف بنسبة ضئيلة.

المغالطة السادسة: ادعاء إثيوبيا تمسكها بإعلان المبادئ، وهو ادعاء غير صحيح لأن إثيوبيا أقدمت على عملية الملء الأول للسد بشكل أحادى وبدون اتفاق مع مصر والسودان وبرغم معارضتهما وفى ظل عدم وجود إطار تنظيمى لهذه المرحلة. وتعلن إثيوبيا حالياً أنها ماضية فى عملية الملء الثانى لخزان السد بعد عدة شهور قليلة غير مكترثة باعتراضات مصر والسودان. والجانب الإثيوبى بهذا السلوك يخالف ما نص عليه إعلان المبادئ (الذى يدعى تمسكه به) من وجوب الاتفاق على قواعد الملء الأول للسد وتشغيله السنوى (المادة 5 فقرة 2 من إعلان المبادئ)

المغالطة السابعة: توهم إثيوبيا أن كونها دولة منبع يجيز لها احتكار استخدام مياه النيل الأزرق وفق ما تحدده لنفسها من مياه وما تتركه لدولتى المصب. وبرغم أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً فإن إثيوبيا تعرض على مصر 35 مليار متر مكعب فقط. ولو أن كل دولة منبع فى نحو 260 نهرا دوليا حذت حذو إثيوبيا لعمّت الاضطرابات والحروب أرجاء العالم.

المغالطة الثامنة: ادعاء إثيوبيا المستفز على لسان وزير خارجيتها فى أغسطس 2020 أن النيل لم يعد نهراً مشتركاً بل أصبح بحيرة إثيوبية. هذا التصريح الموثق يصلح دليلاً على استخفاف واستهتار إثيوبيا بكل التراث القانونى الدولى التعاهدى والقضائى بشأن استخدام مياه الأنهار المشتركة، وكذلك تعريض السلم والأمن الدوليين للخطرالذى يعتبر الأمن الإقليمى لمجموعة من الدول جزءا منه.

المغالطة التاسعة: الرفض الإثيوبى لأى وساطة دولية خارج القارة الإفريقية بشأن قضية السد مع أن الوساطة الدولية التى تطالب بها مصر والسودان لا تنفى دور الاتحاد الإفريقى بل تضيف إليه كيانات أممية ودولية كبرى مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والبنك الدولى والولايات المتحدة. تصر إثيوبيا على عدم تدويل نزاع أصبح فى الواقع نزاعاً دولياً بحكم أن نهر النيل نهر دولى متناسية أن الاتحاد الإفريقى سبق له أن تدخل فى المفاوضات ولم يسفر تدخله عن نتيجة سوى إطالة أمد المفاوضات، وهو تحديداً ما تريده إثيوبيا.

المغالطة العاشرة: الاعتقاد الإثيوبى بأن الوساطة الدولية خارج الاتحاد الإفريقى فى مفاوضات السد يخالف البند العاشر من اتفاق إعلان المبادئ الذى يتطلب إجماع الدول الثلاث. مثل هذا الاعتقاد كان ليبدو مقبولاً نظرياً منذ خمس أو ست سنوات لكن ثبت عملياً بعد كل جلسات التفاوض العقيم أن هناك تغيراً فى الظروف يبرر اللجوء إلى الوساطة الدولية ويجد أساسه القانونى فى فشل المفاوضات السابقة، وكذلك فشل وساطة الاتحاد الإفريقي. والحقيقة أننا لم نعد بصدد تفسير نص غامض أو خلافى فى إعلان المبادئ، بل أصبحنا بصدد تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر. فالأمر لا يتعلق فقط بسعى إثيوبيا لاحتكار توزيع أنصبة مياه النيل بالمخالفة لاتفاقيات دولية عقدية هى طرف فيها، وتعارضها مع المبادئ المقررة فى معاهدات دولية شارعة، ولكنه وثيق أيضاً بمخاطر بناء السد على السودان الذى لا يبعد سوى 15 كيلو متراً عن موقع السد وعلى مصر أيضاً. ثم أن إثيوبيا قد انتهكت بالفعل أكثر من بند فى إعلان المبادئ وتعلن عن نيتها فى الملء الثانى بشكل أحادي، وهو ما يؤكد تغير الظروف ويبرر الوساطة الدولية.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: