رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‎ماكرون: «الوسطية» لعبور الماضى

مها صلاح الدين
‎ماكرون

مهما اختلفت التسميات ومهما بلغ حجم التحايل من أجل تجميل ما هو قبيح وغير مبرر، يبقى «الاستعمار» من أقسى التجارب التى تمر بها الشعوب ، وتبقى الدول المعتدية مدينة لمستعمراتها القديمة بالكثير والكثير، ومهما بلغ حجم التعويضات المقدمة ، أو شكل الاعتذارات عن ممارسات وحشية استمرت لعقود.

‎ومع ذلك رفضت بعض الدول «الاستعمارية» الاستسلام إلى تلك الحلقة المفرغة من الكراهية، واعتمدت على الزمن وقدرته على تضميد الجراح، لفتح صفحة جديدة مع الشعوب التى احتلتها فى الماضى. وللرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون تجربة واضحة فى هذا الصدد، بدأها حتى قبل وصوله للسلطة، مع بدء حملته الانتخابية كرئيس لفرنسا، عندما اعترف خلال لقاء تليفزيونى عام 2017 بأن احتلال بلاده للجزائر الذى امتد لـ132 عاما بأنه كان «جريمة ضد الإنسانية»، وأقر فيما بعد باستخدام فرنسا «للتعذيب» خلال حرب استقلال الجزائر، فضلا عن اغتيال بعض النشطاء البارزين خلال الحرب كموريس أودين وعلى بومنجل .  وحرصت «فرنسا – ماكرون» على إرسال إشارات إيجابية للجانب الجزائرى، كالحديث عن تعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية فى صحراء الجزائر، و إعادة رفات قادة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال إلى وطنه الأم.

كما عهد ماكرون للمؤرخ بنيامين ستورا لإعداد تقرير باسم « الحقيقة والذاكرة» ، وتقديم توصيات حول كيفية الوصول إلى «مصالحة تاريخية» مع الشعب الجزائرى لطى صفحة الماضى. التقرير تم الكشف عنه بالفعل أواخر يناير الماضى، و تضمن 22 توصية مختلفة أبرزها إحياء فرنسا لمناسبات تاريخية مرتبطة بماضيها الاستعمارى ، وإعادة الاعتبار لشخصيات فرنسية دافعت عن القضية الجزائرية، فضلا عن إنشاء هيئة مشتركة تحمل اسم «الحقيقة والذاكرة» أيضا، تكون مهمتها جمع وتوثيق شهادات ضحايا الحرب. كما أمر ماكرون قبل أيام برفع السرية عن وثائق يزيد عمرها عن 50 عاما، من بينها وثائق الحرب الجزائرية، وهو الأرشيف الذى اتهمت السلطات الجزائرية باريس بسرقته بمجرد التحرر من قبضتها. ومع ذلك، وبالرغم من مبادراته الكثيرة، شدد ماكرون على أن الاعتذار عن «جرائم» بلاده فى الجزائر، غير مطروح.

ويعتبر المحللون أن ماكرون، الذى يستعد لجولة جديدة من الانتخابات الرئاسية العام المقبل، لا يمكنه تقديم «مزيد من التنازلات» فى ملف المصالحة مع الجزائر أكثر من ذلك. وأشاروا إلى أن «الحرب الجزائرية»، رغم انتهائها منذ 6 عقود، لاتزال شائكة جدا ومن أكثر الملفات حساسية بالنسبة للفرنسيين، الذين يتحدثون دوما عن القيم الفرنسية ودعمها للحريات وحقوق الإنسان. ولعل ذلك ما جعل الجمعية الوطنية الفرنسية ، «البرلمان الفرنسى»، على سبيل المثال، غير قادر حتى على تسمية حرب البلاد مع الجزائر «حرب» قبل عام 1999. ‎فوفقا لستورا ، يوجد نحو 7 ملايين شخص ممن يعيشون حاليا فى فرنسا على صلة بحرب الجزائر، موضحا أنهم موزعون ما بين المحاربين القدامى، و«الأقدام السوداء» ، الذين استقروا فى الجزائر لما يزيد على قرن من الزمان إبان فترة الاحتلال ، فضلا عن معاونى قوات الاحتلال من الجزائريين، أو «الحركى»، وهم جميعا لا يروق لهم الإشارة بالسلب إلى فترة الحرب، أو الحديث عن وحشيات انتهكت بأيديهم .

أضف إلى هذا اليمين المتطرف نفسه ، الذى يعزف على أوتار ما يفعله ماكرون ، ويتهمه بـ «عدم الوطنية»، استعدادا لمعركة الوصول للإليزية المرتقبة العام المقبل.  لا شك أن ماكرون أقدم على مغامرة بإقحام نفسه فى الجدل حول « الاحتلال» لكن لعل عمر الرئيس الفرنسى ، الذى يعد أول رئيس للبلاد يولد بعد فترة الحرب، واحتساب نفسه على التيار الوسطى ، جعله أكثر انفتاحا على مواجهة التاريخ بمنطق «الصواب والخطأ» ، لأنه ببساطة بات «جزءا من الماضى».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق