رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

امطار جافة

شوقى عقل;

كسر صمته المعتاد، وبدون مناسبة قاطع أخاه عادل وهو يتكلم، وأطلق نبوءته القاتلة:

•بعد شهرين زى النهارده، الدنيا ح تمطر!

صمت قليلا ثم أكمل:

•فى تلاتة أغسطس!

أحنى رأسه وتطلع إلى الأرض. نظر إليه عادل صامتًا ثم ضاحكًا، صاح بعدها بصخبٍ:

ـ الله أكبر يا شيخ محمد!

نظرتْ الحاجّة إلى بكريها صامتةً حزينةً. طفرت دمعة من عينيها وهى تتعوذ بالله. سألته بصوت مخنوق:

ـ ما بتاكلش ليه؟

قال إنه شبع، ثم عاد إلى غرفته.

كان لا يغادر غرفته فى الحديقة إلا وقت الغداء. يجلس معهم صامتا خاصة فى وجود أخيه الصغير.

فى الليلة ذاتها علم بقية إخوته بالنبوءة العجيبة، بعدهم عرف أصدقاء «عادل»، ثم علمت البلدة كلها بالخبر (الشيخ محمد قال إن مطرة حاتيجى فى تلاتة أغسطس!) حين مرّ بعض أصدقاء أخيه أمام المنزل صاح أحدهم بصوتٍ عالٍ (بركاتك يا مولانا!) سمعه محمد وسمعته الحاجّة. قرَّرتْ ليلتها أن تذهب بابنها للشيخ «برهان». تريد منذ زمن أن تذهب به للشيخ، حتى قبل النبوءة، حين سألته لِمَ لم يختر أيًا من البنات اللاتى تَضعْهُن فى طريقه؟ قال جادًا إنه متزوج وزوجته تقيم معه فى غرفته، ولكن لا أحد يستطيع رؤيتها سواه! كان قد تجاوز الأربعين ومازال يقضى وقته كله وحيدا فى غرفته، يسمعون صوته وهو يتحدث أحيانا. ذعرت المرأة وبَسملتْ وتَلتْ آية الكرسي، ابنها، بكريها مخاوي! أرادت أن تُبخره ولكنه رفض. سألت الجيران وقتها عن شيخ صاحب طريقة وكرامات، فدلّوها على الشيخ «برهان». لكنها كسّلت ولم تذهب، ربما خافت من الفضيحة. حتى أطلق النبوءة، فقررت الذهاب فورًا فى فجر اليوم التالى قبل أن يستيقظ أهل البلد، حتى لا تحدث جُرسَة، فهى ستأخذه بالقوة إن رفض الذهاب.

وافقت «الحاجّة» أن يسكن بمفرده بعد أن بنى لنفسه غرفةً وحمامًا فى ركن من الحديقة، رغم حزنها لتركه البيت الكبير. لكنها أصرت أن يأكل معهم:

•إنت دلوقت راجلنا بعد الحاج، لازم تقعد مكانه على السفرة.

شاهدتها الحديقة هى وأبناءها الثلاثة فى فجر اليوم التالى وهم ينتزعونه من فراشه، يضعون عليه ملابسه، ثم يحملونه حملاً إلى السيارة وهو يَزعَق ويرفس، ويذهبون به إلـى منزل الشيخ «برهان» الذى كان ينتظرهم بعد اتصالهم به.

من بعيد بدت صومعة الشيخ بلونها الأبيض، وحدها فى الغيطان. كانت خالية من الزوّار. قابلهم الشيخ مبتسمًا. كان يرتدى بدلة عادية وفى يده سبحة صغيرة. قال إنه تفهّم حساسية الموقف ومكانة الأسرة، فطلب من مساعده أن يعلن أنه لن يستقبل أحدًا اليوم إلا بعد صلاة الظهر. لم يتطلع إلى الأستاذ محمد. طلب منهم أن يتركوه معه وينتظروا فى الخارج.

خرج محمد بعد قليل، كان هادئًا بل ومبتسمًا. أشار لأمه إن الشيخ يريدها. قال الشيخ للحاجة إن شخصًا قد وضع جِنيَّة فى طريق ابنها. سألها:

ـ فيه واحدة كانت عاوزاه لبنتها؟

ـ أيوه، عمته.

ـ ربنا بيحبكم! طلعت مُسلِمة، سمَّعناها قرآن فاستراحت وهديت. ودى علاجها هَيّن.

ـ إزاى يا سيدنا؟

ـ هاتى لى حاجة من قَطَر البنت والأم، أى حتة لبس بس ما تكونش مغسولة، عرقهم فيها. وسيبى الباقى على الله وعليَّ.

ـ وحكاية الشتا اللى حايجى فى الصيف؟

صمت الشيخ «برهان» قليلاً:

ـ ابنك مخاوى وما بيصليش، مناعته ضعيفة. اللى اتكلم إمبارح مش ابنك، ده مَسْ شيطان، وقَّعُه فى الغلط، خلاه يتكلم فى الغيب.. الحل موجود وربنا المستعان، بس صبركم شوية، ما تخافوش عليه.

ـ من أيه يا مولانا؟

ـ شايفة «الخرزانة» الرفيعة دي؟ ضربتين تلاته على ضهر «محمد» الشيطان مش حايستحملها، بتوجعه أكتر ميت مرة من وجع ابنك، جسمه مش زيِّنا، ده مخلوق من نار، حايطلع ويفارقنا!

لم تتحمل الحاجّة أن تسمع صوت ابنها وهى يَزعَق من لسع الضربات، خرجت تنتظر خارج الصومعة. كان الصوت يصلهم فتُطرق إلى الأرض وتطفر الدموع من عينيها، نظرت إلى «عادل» فأشاح بوجهه. فى غرفة جانبية صغيرة بجوار غرفة الشيخ، وُضِعَ صندوقٌ مغطى بشالٍ أخضر من الحرير المَغربِيّ، مُطرّزٌ عليه بخيوطٍ ذهبية كلمات فارسية كُتبتْ بحروفٍ عربية. وضعت الحاجّة فى الصندوق وهبةً سخيِّة. عادوا بعدها إلى المنزل صامتين.

بعد هذا اليوم، لم يعد محمد يشاركهم الطعام، تنتظر الأم حضوره فى كل وجبة، ثم ترسل له الطعام مع الشغالة:

ـ خلى بالك، هو بيحب الأكل سخن، غطيه لا يبرد أو تقع فيه حاجة.

من حين لآخر كان شخصٌ ما يعبر البيت مسرعًا وهو يصيح: «اِلحق يا شيخ، الشتا مغرقنا!» فيخرج «عادل» مسرعًا ليُمسكَ به. أحيانًا كانت تحدث معركةٌ صغيرة أمام المنزل. فى صبيحة أحد الأيام، جاءت امرأة عجوزٌ تبكى بعينين جافتين، تريد أن ترى الشيخ، أن تشكو له. أعطوها طعامًا وطردوها. لم تعد الحاجّة تلوم «عادل» بسبب نقله نبوءة أخيه للناس. أدركتْ أنهم لن يكُفّوا حتى يأتى اليوم الموعود.

تمضى الأيام بعدها وينسى الناس الحكاية كلها. كان الجيران وبقية أهل البلد قد ملّوا وبدأوا فى نسيان حكاية الشيخ محمد. حين أتى يوم ثلاثة أغسطس، لم يكن هناك من يريد ذكر المزيد عن النبوءة وصاحبها. مَرّ اليوم كغيره سريعًا. قبل أن ينتصف الليل بقليلٍ، عبرت سحابة سماء البلد وأضاءت السماء الخالية ببرقٍ ساطع أنار البيوت والطرقات المظلمة والأشجار القديمة العالية. أحال البرق ليل القرية إلى نهار لثوانٍ. ثم أرسلت السحابة السوداء فى الهدوء المُخيِّم هزيم رعدٍ عنيفٍ مفزع، أعقبه زخةُ مطرٍ ثقيلة وقوية لم تَدمْ سوى دقائق قليلة، ثم تَوقَّف. اختفت السحابة بعدها فجأة كما ظهرت فجأة. صَفتْ السماء وعاد السكون وعاد الظلام وعادت النجوم ثانية. ساد القرية صمت لدقائق، ثم علت أصوات التكبير من بيوت متفرقة بعيدة عن بيت الشيخ محمد، ثم من كل أنحاء القرية. لم يعد يُسمعَ إلا أصوات التكبير. خرج أهل القرية جميعًا إلى الشوارع يهللون ويكبرون واتجهوا صوب بيت الشيخ، لم يبق أحدٌ فى بيته! دفعوا باب الحديقة واندفعوا صوب غرفة الرجل المذهول. وقفوا أمامه وبكى بعضهم وأمسك آخرون بثوبه وأخذوا يُقبِّلون يديه وانحنى آخرون يُقبِّلون قدميه. اندفع «عادل» وأصدقاؤه لحماية جسد الشيخ الضعيف من التدافع، شَكّلوا سياجًا حوله، صاحوا فى الناس:

•الشيخ حايموت فى أيديكم!

تجمعت نساء يرتدين السواد ووقفن من بعيد ينادين الشيخ ويبكين:

•اِلحقنا يا مولانا، غلابة يا مولانا!

فى جانب وقف رجلٌ مريضٌ يصرخ من ألمه:

• نظرة يا سيدنا!

كان الجَمع يزداد. بعد ساعات انتشر الخبر فى القرى المجاورة، وجاء الناس. قبل أن يطلع الصباح أتى الشيخ «برهان» باكيًا وهو يصيح:

•السماح يا سيدنا، السماح يا مولانا.

امتلأت الحديقة الواسعة بالمريدين حتى ضاقت بهم. بعد مرور أيام قليلة غطَّتْ خيام الزوّار الآتين من بعيدٍ أرضها. كان أصحاب المكان يسمحون لهم بالمبيت ليلةً واحدة. قالت الحاجّة:

•الجنينة كانت موجودة لغرض، الحاج كان عارف!

فى أيام قليلة، شَيّد أخوة الشيخ شرفةً واسعة بقبةٍ من الطوب الأحمر فوق الغرفة، وكسوها بمونة الإسمنت والطين. دهنوا الجدران الخارجية كلها باللون الأخضر. كان الشيخ يصعد إلى الشرفة من غرفته المغلقة دومًا؛ وهو يرتدى عباءة أبيه. يتطلّع إلى الحشود المُنتظِرَة، يُشير إليهم بيده ويعود ثانيةً إلى الغرفة، فيتعالى الصراخ والبكاء. يُلقون إليه بأوراقٍ مطوية فيها شكاياتهم ولفافاتٍ صغيرة بها نقود. ظلّوا يأتون وينتظرون أن يخرج إليهم، يَتبرَّكُون بقطعٍ من ملابسه، يتقاتلون بشراسةٍ ليحصلوا على مِزْقَةٍ صغيرة منها. حتى أتى اليوم الذى لم يعد فيه الشيخ يخرج إليهم. قال قائلٌ:

•إن الشيخ غاب ولن يعود!

ولكنهم ظلوا يأتون.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق