رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طريق السعادة

أنا شاب عمرى ستة وعشرون عاما، تخرجت فى كلية الهندسة، ومشكلتى التى أكتب إليك بشأنها تتعلق بأبى وأمى، وهما منفصلان منذ سنوات طويلة، بسبب مشكلات كثيرة اندلعت بينهما، وظللت مشتتا بينهما إلى أن وصلت للمرحلة الثانوية، فتركتهما، وانتقلت بمفردى إلى المحافظة التى نشأت فيها، والتحقت بكلية الهندسة بجامعتها، وبصراحة شديدة فإننى لا أحبهما، وينتابنى إحساس بظلمى لهما.. لقد سببّا لى أذى نفسيا ومعنويا كبيرا، ويعايرنى أبى بأمى فى كل مشكلة، ويشبه تصرفاتى بتصرفاتها، ويعاملنى بقسوة، كما أن طريقة أمى فى الحياة غريبة، وهى متسرعة، ودائما فى حالة شجار مع أخوتها، ونصحتها كثيرا بتعديل أسلوب تفكيرها، ولا حياة لمن تنادى.. أما خالاتى، فلم تفكر إحداهن فى السؤال عنى، أو الاطمئنان علىّ، لدرجة أنهن يتصورن أننى مازلت فى الإعدادية!
وتعانى أمى مشكلات مع جيرانها، وعلاقتها بهم سيئة، وانعكس ذلك على تصرفاتهم معى، وقد أهاننى أحدهم بسببها، ولم أستطع الرد عليه!.. أما عن المنزل فلا تنظفه، ولا تصنع طعاما جيدا، لدرجة أننى كرهت كل ما يتعلق بها وبأبى، وأشعر بالذنب، وعندما أسمع زملائى وهم يتحدثون عن آبائهم وأمهاتهم بكل حب وفخر، أموت «من جواى»، وليست بيدى حيلة فى هذا الشعور القاسى.
وعلى جانب آخر، أفكر فى الزواج والاستقرار، وأن أخطب فتاة مناسبة لى، لكنى طول عمرى أعيش وحيدا، ولم أعرف لا صديقة ولا زميلة، سواء فى أثناء دراستى بالجامعة، أو بعد التحاقى بالعمل، وأخشى أن أخطو هذه الخطوة، وتواجهنى مشكلات لا أستطيع التصرف فيها، فمثلا لو تقدمت لفتاة، ورويت لها حكايتى من منطلق الشفافية والوضوح، سيرفضنى أهلها، وحتى لو وافقت وأتممنا الزواج، فقد تعايرنى بعد ذلك.. أرجوك دلنى على الطريق الصحيح لكى تكون لى أسرة وحياة مستقرة، فالوحدة تقتلنى.
 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

قد يكون الانفصال هو القرار الأمثل للزوجين لحل مشكلاتهما المعقدة، لكنه يشعل معاناة الأبناء النفسية، ومن ثم يجب الاتفاق على ما يخص مصلحتهم، ليشعر الابن بالاستقرار بعد انفصال الوالدين، ويتأقلم مع التغير المفاجئ الذى يطرأ على حياته، وللأسف الشديد لم يدرك والداك ذلك، ونفد كل منهما بجلده من الآخر دون أن يتفقا على ما يتعلق بتربيتك، والأسلوب المناسب الذى يكفل لك حياة مستقرة، فانعكس ذلك عليك، وحاصرك الحزن والوحدة، وحدّة الطبع، والخوف، والقلق والإحباط والاكتئاب خصوصا عندما تقارن حياتك المفككة مع زملائك المستقرين فى حياتهم.
لقد فقدت «الأمان النفسى» نتيجة أن والدك يعيش فى بيت آخر، وأمك تعيش فى بيت أهلها، وعلاقتها بالجيران سيئة، ومع ذلك أراك على قدر كبير من الوعى والثقافة والتفكير الإيجابى الذى جعلك تصل إلى ما وصلت إليه من تعليم وعمل، مما يؤهلك لزواج ناجح تتلاشى فيه أسباب الخلافات التى حدثت بين والديك.
فدع الماضى، وانظر إلى المستقبل، واعلم أن حياتك ملك لك، وليست ملك من حولك، وليس هناك مبرر لخوفك الشديد من كل خطوة تخطوها تحسبا لرد الفعل بسبب انفصال والديك، فالماضى بكل ما فيه يخصك، ولا يحق لأحد تقييمك من خلاله؛ فلقد مضى وانتهى، وما يهم هو القادم، الذى يعبر عن توجهاتك، وأهدافك، التى يجب ألا تتأثر بما سبق، فكن صريحا مع من تختارها شريكة لحياتك، ودقق فى الاختيار واستعن بأهل الثقة من محيط معارفك فى مد جسور التواصل مع أهل الفتاة التى يقع اختيارك عليها، والتمس أسباب السعادة الأسرية مع شريكة حياتك، واحرص على تربية أبنائك بالقدوة والموعظة، فالقدوة من أنجح الوسائل المؤثرة فى التربية وفى صلاح الأبناء، وبالتالى صلاحِ الأسرة فإذا كان المربى صادقا أمينا كريما عفيفا نشأ الولد على الصدق والأمانة والكرم والعفة، وكن قدوة لهم فى أفعالك فيقلدوك، وتذكر دائما قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتى مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها  
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُقبل ما وعظت ويقتدى  
بالعلم منك وينفع التعليم
وفى الحقيقة إذا استقام حال المربى وأصبح قدوة صالحة لولده ثم رأى من ذلك الولد خللا وسلوكا غير صحيح فإن عليه بالموعظة والنصيحة والتوجيه، وهى من أهم الوسائل للمربى، ولذلك فقد جاءت الموعظة فى القرآن الكريم بآيات كثيرة، ومنها: وعظ لقمان لابنه: «وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ» (لقمان 13)، ونصل إلى ضرورة المصارحة بين الأبناء ووالديهم، وهى تأتى بعد الثقة والاحترام المتبادل وبناء جسور المودة والمحبة، فبها يعرف الأبوان ما الذى يهم الأبناء ويشترك الجميع فى وضع الحلول المناسبة، وليكن «الحوار الهادئ» هو السبيل لحل أى مشكلة.
ولعلك أدركت الآن أن المشكلة التى تعانيها لا تقارن بغيرها من المشكلات التى يتعذر حلها، فأنت تملك زمام أمورك، وإنى واثق فى قدرتك على تقريب المسافات بينك وبين والديك، وعفا الله عما سلف، وأرجو أن تتفضل بزيارتى، وليدبر الله أمرا كان مفعولا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق