رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حاكم نيويورك.. انقلب السحر على الساحر!

‎دينا عمارة
أندرو كومو

‎منذ أقل من عام،  كان أندرو كومو، حاكم ولاية نيويورك الأمريكية، أشبه بنجم سينمائي يتربع على عرش الإعلام، فقد استطاع خلال الأشهر الأولى من انتشار فيروس كورونا، أن يسحر ملايين المشاهدين على شاشات التليفزيون بإطلالته اليومية وهو يسرد لهم بالحقائق والأرقام، التطورات الخاصة بالوباء، فى وقت كانت فيه تصريحات الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب، لا ترقى لمستوى الحدث، وكانت مروعة بشكل واضح ‫.‬

‎كان تعامل أندرو كومو مع ترامب المتعجرف، قد جعل منه «الرجل القوى» في أحلام الديمقراطيين، حيث كان حاكم الولاية الديمقراطى، مفاوضا جيدا فيما يخص الحصول على معدات الحماية الشخصية وأجهزة التنفس الصناعي، لدرجة أن صحيفة «نيويورك تايمز» وصفته بـ «الرجل المهووس بالسيطرة الذي تحتاجه البلاد الآن»، لذلك لم يكن مفاجئا أن ترتفع أسهمه عاليا بدرجة كانت كفيلة بانتشار شائعات حول غزوته الوشيكة لعالم السياسة الوطنية، وأثارت أسواق المراهنات السياسية في مرحلة ما، شائعات بأن الحزب الديمقراطي قد يدفع به لمنافسة جو بايدن، الرئيس الأمريكي الحالى، كمرشح رئاسي للحزب فى انتخابات ٢٠٢٤، وتبعتها تقارير تفيد بأن كومو كان يتطلع إلى منصب المدعي العام لبايدن‫.‬ ورغم نفي حاكم الولاية هذه الشائعات، ورغم التفاف الحزب حول بايدن «العجوز»، بدا كومو فى قرارة نفسه، متأكدا من دوره في القيادة في عام 2024 وما بعده ‫.‬

‎الآن، يبدو أن كل شىء ينهار من حوله، ولم يعد حاكم الولاية هو «كومو الأسطوري» فى نظر وسائل الإعلام، وانخفضت نسبة الموافقة على أدائه الوظيفي فى استطلاع رأى أجرته كلية إيمرسون في بوسطن، من 71% في أبريل الماضي إلى 38% فقط الآن، مع رفض 48% من سكان نيويورك لسياساته، أما زملاؤه في الحزب الديمقراطي، فقد تخلوا عنه وباتوا يطالبونه الآن بالاستقالة من منصبه، فما الذي حدث؟

‎لم تكن مشكلات أندرو كومو وليدة اللحظة، فقد كانت أخطاؤه تسوى على نار هادئة قبل أن تصل فجأة إلى درجة الغليان‫.‬ و ظهر أول أجراس الإنذار الرئيسية في أواخر شهر يناير عام ٢٠٢٠، عندما أصدرت ليتيتيا جيمس، المدعي العام في نيويورك، تقريرا يشير إلى أن أعداد الوفيات في دور رعاية المسنين في نيويورك جراء فيروس كورونا، قد تم تقليلها بنسبة تصل إلى 50٪ عن الأرقام الفعلية، فإدارة الصحة في الولاية لم تسجل رسميا سوي 8500 حالة وفاة فقط، وذلك حتي نهاية شهر يناير، فى حين أن عدد الوفيات الفعلي كان قد تخطي حاجز الـ 15 ألف شخص وقتها‫.‬ وبينما تباهي كومو بنظام الرعاية الصحية لولايته، الذي وصفه بأنه «الأفضل على مستوي العالم»، كانت نيويورك تصنف كـ«عاصمة» لفيروس كورونا فى العالم»، حيث زادت أعداد الإصابات والوفيات بشكل كبير، وتكدست جثث الموتي فى الشاحنات على الطريق فى انتظار دفنها، وسرعان ما دخلت الولاية فى إغلاق كلى ‫.‬

‎لقد هز «كورونا» عرش الحاكم الـ56 للولاية، والذي يتولى هذا المنصب منذ عام 2011، وأصبح يواجه انتقادات شديدة تجاه الأسلوب الذي تعاملت به إدارته مع أزمة دور الرعاية، وهي انتقادات دفعت به إلى استخدام أسلوب التنمر لمواجهتها، فجاء تهديده لعضو مجلس الولاية الديمقراطي رون كيم، بـ «تدميره» إذا لم يتراجع الأخير عن انتقاده، هذا بالإضافة إلى استمراره فى التنمر على عمدة مدينة نيويورك، بيل دي بلاسيو‫.‬

‎ثم جاءت الضربة القاضية للحاكم الديمقراطي، ففى أقل من أسبوعين، اتهمت امرأة تدعى آنا روش، حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو، بالتحرش الجنسي والقيام بتصرفات غير لائقة، ومنها أنه طلب تقبيلها - رغما عنها- في حفل زفاف ووضع يده على ظهرها، وقالت روش إنها شعرت حينها بالارتباك والصدمة والإحراج، وقد حدث ذلك تحديدا في عام 2019، أي قبل بدء الجائحة، لكن الفضيحة انتشرت أخيرا، بعد قيام صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بنشر صورة لكومو وهو يحاول تقبيلها ‫.‬

‎لم تكن هذه الاتهامات هي الأولى فى سلسلة فضائح الحاكم الديمقراطي، حيث يواجه كومو تهمتي تحرش جنسي أخريين، إحداهما تجاه ليندسي بويلان، وهى مستشارة اقتصادية سابقة فى إدارته، والتي زعمت أن كومو تعمد لمسها بطريقة مزعجة خلال سنوات عملها الثلاث، حتي إنه قام ذات مرة بتقبيلها دون موافقتها بعد اجتماع خاص بينهما. أما الضحية الأخرى و تدعي شارلوت بينيت، فكانت موظفة تعمل في مكتب الحاكم، وتعرضت أيضا للتحرش الجنسى ‫.‬

‎إنها «الفيزياء السياسية» التى لا يمكن التنبؤ بها فى حقبة ما بعد ترامب، هكذا وصفت مجلة «تايم» الأمريكية، قصة صعود وأفول نجم الحاكم أندرو كومو‫.‬

‎فخلال العقود التي قضاها حاكما للولاية، لم تتغير شخصية كومو العدوانية، بل إن أسلوب تنمره لم يكن سرا أبدا، فهو ليس ذلك النوع من السياسيين الذين يتوقع المرء أن يكون محبوبا في وسائل الإعلام، إذ يعرف عنه أنه خطيب فظ، وسياسي متعجرف ومشاكس، وهو أيضا بارع فى عقد الصفقات فى الغرف المغلقة‫.‬ لكن في الربيع الماضي، قدمت وسائل الإعلام للجمهور، الحاكم الديمقراطي باعتباره ترياقا لدونالد ترامب، فى وقت كانت التصريحات العلنية للبيت الأبيض، سواء التى جاءت من المؤتمرات الصحفية أو من حساب ترامب على تويتر، تؤدي إلى نتائج عكسية في أحسن الأحوال، وقاتلة في أسوئها. في هذه الأثناء، لعب كومو دورا واضحا إلى حد كبير: لقد كان منفتحا بشأن الفترة الصعبة التي تمر بها البلاد، لذلك كان يعرض بديلا لـ«قيادة حقيقية»، كان من المفترض أن يقدمها ترامب لشعبه، لكنه لم يفعل ذلك ‫.‬

‎والآن يموت كومو بالسيف الذي عاش به ذات يوم، أو هكذا تري صحيفة «الجارديان» البريطانية فى تقرير لها، حيث أوضح التقرير كيف يمكن أن تنهار شخصيات بعينها كانت قد علا نجمها بسبب هجومها على ترامب، بنفس السهولة التى ارتفعت بها، فرئاسة ترامب دفعت البعض إلى انتهاج سياسة «التملق الأعمى» لخصومه البارزين، بغض النظر عن كفاءتهم، حيث تقول ريبيكا كاتز، الخبيرة الإستراتيجية التقدمية في نيويورك: «كنا بحاجة إلى إلقاء نظرة أكثر جدية على ما يمثله هؤلاء الناس بالفعل ومن هم في الواقع» ‫.‬

‎لكن المشهد قد تغير الآن، فقد غادر ترامب المسرح وأغلقت حساباته على تويتر، ولم تعد تغريداته البذيئة والمحيرة، تستحوذ على العناوين الرئيسية وتقوم بإلهاء المشاهدين عن كل ما يخرج من نيويورك، ثم أتى الرئيس الحالي جو بايدن، ذلك الديمقراطي التقليدي الذي لا يحب التغريد، ولا يشن حروبا ضد وسائل الإعلام أو المشاهير أو الديمقراطيين أو حتى معظم الجمهوريين، كما كان يفعل ترامب، لذلك لم يجد القائمون على «الشو الإعلامي» في محطات التليفزيون، مادة أكثر إثارة للجدل من فضائح حاكم الولاية، فهي مقنعة وجاذبة، لينقلب السحر على الساحر، فمثلما ساعدت هذه الشركات الإعلامية في إيجاد أسطورة كومو، الآن سوف يمزقونها، لكن السؤال: هل سيقف حاكم الولاية فى وجه العاصفة أم سيختبئ فى انتظار انتهائها؟

‎لطالما تفاخر كومو ـ الذي يرشح نفسه لإعادة انتخابه لولاية رابعة كحاكم العام المقبل ـ بجحافل من المؤيدين المخلصين، ومن السابق لأوانه معرفة مدى تأثير المزاعم عليه، ولكن حتى لو لم يستقل كما يأمل بعض الديمقراطيين، وحتى لو أعيد انتخابه، فلم يعد كومو «البطل المناهض لترامب» كما اعتقد كثيرون‫.‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق