رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دوافع القاهرة لتعزيز الاستقرار فى ليبيا

د. معتز سلامة

عكس لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الحكومة الليبية الجديد عبدالحميد الدبيبة بالقاهرة، فى 18 فبراير الماضي، التطور الإيجابى الذى شهدته الأزمة الليبية وعلاقات مصر بغرب ليبيا فى الأشهر الأخيرة، بعد أن ظلت الأوضاع مهددة بحرب داخلية وإقليمية، على خلفية التحدى الذى فرضه الانتشار العسكرى التركى فى غرب ليبيا عام 2020.

وتشير المقارنة البسيطة بين الوضع الراهن، والوضع الذى كان يمكن أن ينشأ عن انفجار الصراع فى ليبيا، إلى حجم الأضرار التى تجنبها الواقع الليبي، والمخاطر التى تلافتها ليبيا ومصر على حدٍ سواء. ففى ظل حرب فى ليبيا كان يمكن لمصر أن تنشغل عن معركة البناء الوطنى الراهنة الأساسية للمستقبل المصري، وكان يمكن لليبيا كاليمن وسوريا والعراق- أن تخسر عقودا من عمر الوطن، مع تبديد ثروات يفترض أن توجه إلى التنمية فى معارك عسكرية خاسرة، مع مخاطر الهجرة والنزوج الداخلي.

تراجع التصعيد

وعلى الرغم من استمرار بعض العوامل التى تهدد بعدم الاستقرار، بالأخص الوجود التركى فى الغرب الليبي، إلا أن حدة المواجهات العسكرية والحرب تراجعت إلى حد كبير، بعد أن جلس «الفرقاء» الليبيون واستمعوا إلى بعضهم البعض، وعاودوا النظر مرة ثانية إلى مستقبل وطنهم بهدوء. الآن هناك شرعية جديدة فى ليبيا بمجلس رئاسى جديد ورئيس وزراء تحركه دوافع وطنية، وكانت أولى تصريحاته خلال زيارته لمدينة طبرق (شرقى البلاد) منذ أيام، هى أن «زيارة جميع المناطق الليبية تعد أحد المعايير الرئيسية لقبول الترشيحات لشغل المناصب القيادية فى الحقائب الوزارية»، وهو ما يعنى رئيس وزراء يعمل لكل ليبيا.

وليس ثمة جبهة جوار يمكنها أن تعكس المبادئ المتجردة للسياسة الخارجية المصرية أكثر من الجبهة الليبية، إذ لم يكن لمصر على مدى 40 عاما أطماع من أى نوع فى ثروات ليبيا، وعكس استقرار الحدود بين البلدين على مدى هذه العقود وضعا مثاليا للعلاقات.

وعلى الرغم من تعاظم النفوذ الاقتصادى التركى فى ليبيا منذ حكم القذافي، لم يكن لمصر أى حساسية نحوه، لأنه لم يكن قد تمظهر عسكريا أو «إخوانيا» أو ميليشياويا، أو تجسد فى مشروع أيديولوجى يحركه حلم استعادة «الإمبراطورية العثمانية». فقد كانت شركات البناء التركية العاملة فى ليبيا تملك استثمارات بقيمة 15 مليار دولار فى أواخر عهد القذافي، وبلغ حجم الصادرات التركية إلى ليبيا عام 2010 مليارى دولار، ونفذت الشركات التركية مشاريع إنشائية فى ليبيا بقيمة 8 مليارات دولار فى الفترة ما بين 2002 و2008، وزار رئيس الوزراء التركى (آنذاك) رجب طيب أردوغان ليبيا فى نوفمبر 2009 مصحوبا بعدد من الوزراء و150 رجل أعمال لبحث سبل التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات.

كل ذلك جرى دون أى حساسيات من جانب مصر، وهو ما يعكس أن نظرتها لليبيا لا تحمل سوى رسالة واحدة، وهى «الخير» للشعب الليبي، وتفادى الأخطار والتهديدات التى يمكن أن تفرضها دول طامعة أو جماعات متطرفة على أمن مصر من ناحية الغرب.

اعتبارات حاكمة

تنطلق دوافع حرص مصر على الاستقرار فى ليبيا من اعتبارات ثلاثة:

أولها، «الوحدة الوطنية»، كمفهوم مركزى يتأسس عليه أمن ومصالح مصر فى الجوار العربي، وعلاقات مصر مع ليبيا، فالتجربة التى مرت بها مصر منذ 2011، والدرس الذى استخلصته القاهرة من تجارب الدول العربية التى مرت بتغيير داخلى على إثر الثورات، أكد أن أهم مصدر لقوة الدولة هو وحدتها الوطنية، وليس القوى الفصائلية أو الميليشياوية أو الجماعات الأيديولوجية. هذه الخبرة ارتقت إلى مستوى «العقيدة السياسية» التى تشكل بوصلة النظر المصرية لمختلف الأزمات العربية، وهو ما يبدو جليا من تكرار الرئيس السيسى فى خطاباته العامة ضرورة الاعتبار من تجارب سوريا والعراق واليمن، على نحو انعكس فى معادلة بسيطة فى القراءة المصرية للواقع الليبي، وهى أن الأطراف التى تعمل للوحدة الوطنية فى ليبيا ستجد كل الدعم من جانب مصر.

ثانيها، التحديات التى تصاعدت فى ليبيا عام 2020، والتى فرضت التحرك العملى والواقعى بشكل ملح وسريع، وهو ما فسر تكثيف حركة الوفود الأمنية والاستخباراتية المتبادلة بين البلدين فى الأشهر الأخيرة، على نحو اُعتبر التحول الأبرز فى مسار الأزمة الليبية. فقد اقتربت الأوضاع فى ليبيا فى 2020 من مستوى التهديد بحرب شاملة، كان من شأنها أن تفرض تغييرا خطيرا على هوية الشمال الإفريقى العربي، وتغييرا فى حسابات الأمن فى جنوب المتوسط، وهددت بجعل ليبيا مركزا لاستقطاب دولى وإقليمى لسنوات وربما لعقود. وكان يمكن لذلك أن يفرض تهديدات غير محسوبة على الكيان القومى لمصر من الغرب، وهى تهديدات لم تكن فى حسبان التفكير الإستراتيجى المصرى يوما ما، ربما منذ معارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية. وبالتأكيد فإن هذه التجربة ستضيف كثيرا إلى تطوير الرؤية المصرية لليبيا فى الأعوام المقبلة.

ثالثها، أهمية «الشراكة الإستراتيجية التنموية» الجديدة بين مصر وليبيا، وهذا دافع مصرى مستجد فى التعامل مع «ليبيا الجديدة»، وهو الخلاصة الرئيسية لأجل مواجهة التهديدات التى فرضها عام 2020، والتى أكدت حاجة البلدين إلى رؤية لشراكة إستراتيجية تناسب القرن الحادى والعشرين، وتركز بالأساس على تنشيط العلاقات الثنائية والدفع بها نحو محطة جديدة، تعظم التنمية والمنافع المتبادلة، ولا تركن إلى نمط «العلاقات الخاملة» الذى ساد فى العقود الماضية. فلم يعد مقبولا الاستمرار بالمستوى المنخفض فى علاقات البلدين، ولم يعد مقبولا استمرار إدارة العلاقات بين مصر وليبيا بنفس نمط إدارتها فى ظل حقبة العقيد القذافي؛ ذلك أن فرص الاستثمار المشترك متعاظمة، وتكاليفه أقل من استثمار أى منهما فى بلد آخر. ولا يكفى أن تبقى علاقات مصر بليبيا وعلاقات ليبيا بمصر محصورة فى مجرد تحويلات عمالة مصرية فى ليبيا أو روابط قبلية ليبية مع غرب مصر.

كل ذلك يحتاج إلى بلورة رؤية مشتركة، تجتهد مؤسسات صنع القرار فى البلدين فى صياغتها، رؤية تُعظِّم مصالح البلدين وتربطهما بشراكة إستراتيجية وتنموية، تتجاوز شراكة أى منهما مع أى دولة إقليمية غير عربية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق