رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أونجاريتى

شيء ما منعنى لمدة خمسة عشر عاما، من سحب الكتاب الأنيق من أحد رفوف مكتبتى، وكنت أقول لنفسى يكفى أننى عشت خمسة عشر عاما مع محتواه قبل طباعته في 2006 في دار ميريت، وكنت أعتقد أننى عرفت شعر أونجاريتى بما يكفى، عدت إليه مؤخرا لحاجتى الى استعادة عالمه الغريب والمدهش والقريب الى القلب والذى يتسق مع ما تمر به البشرية هذه الأيام، بدأ الفنان الكبير عادل السيوى ترجمة أعماله الكاملة عن الإيطالية سنة 1992، أونجاريتى ـ حياة إنسان وأكرمنى باختيارى معه لقراءة ما يتم إنجازه أولا بأول، وربما قبل ببعض اقتراحاتي في صياغة بعض النصوص في اللغة العربية، وسافرنا معا مع الجزء الأكبر الى الإسكندرية في صيف 2004 لأعيش واحدة من أهم تجاربى مع فن الشعر، مع الشاعر الإيطالى السكندرى(1888 ـ 1970) الذى مات والده في حفر قناة السويس، وكانت تمتلك أمه مخبزا في حى محرم بك، والذى لم يحصل على جائزة نوبل في الآداب لأن ديوانه الميناء المدفون قدم له موسولينى، وهو الديوان الذى كتبه فى أثناء تجنيده في الحرب العالمية الأولى على ورق الذخائر، وأعطاه أحد الجنود لموسولينى، تصدى لترجمة قصائد أونجاريتى قبل السيوى (الذى سبق أن ترجم وقدم كتابين من أهم كتب الفن هما نظرية التصوير لدافنشى ونظرية التشكيل للفنان الألمانى بول كيلى) الشاعر العراقى الكبير سعدى يوسف، ولكن عن الإنجليزية، وترجم له أيضا عن الفرنسية شاعرنا الكبير أحمد عبد المعطى حجازى قصيدة أو قصيدتين.

وكانت ترجمة أستاذنا عبد الغفار مكاوى رحمة الله عليه الأقرب الى روح الشاعر، وكتب صاحب ثورة الشعر الحديث في تقديمه للمختارات المترجمة, فوجئت بالرأس الأشيب الوقور والوجه الأبيض العريض يقترب منى وينحنى فوق قامتى القصيرة، وبالصوت الأجش الخفيض يسألنى :من القاهرة؟ قلت نعم .. قال الرجل، وهو يعتدل بقامته الطويلة، ويمد ذراعه ليربت بكفه على كتفى : أنا مثلك مصرى، ولكن من الإسكندرية، ولدت في الإسكندرية منذ زمن طويل، حدث ذلك عام 1953 في جامعة بيروجا أيام كان مكاوى يتعلم الإيطالية، وكان أونجاريتى محاضرا وضيفا على الجامعة الإسكندرية التى غادرها سنة 1912غمرته بثقافات متعددة في طفولته وصباه، ولذلك قال عن نفسه إنه ثمرة تلاقحات شتى، وانخراطه في فرنسا مع نجوم الفكر والشعر والفلسفة والموسيقى وخبراته التى اكتسبها، أدخلته في منطقة لم يستوعبها الواقع الإيطالى، حيث كانت الخطابية والبلاغة الرنانة تصبغ الشعر الإيطالى، وظهر متشددون طالبوا بمحاكمته بتهمة تدمير اللغة، والمفارقة أن هؤلاء اصبحوا من أشد المدافعين عنه فيما بعد،بدأ رحلة الدراسة سنة 1897 بمعهد دون بوسكو التابع للإرسالية الإيطالية، وقد درس فيه أيضًا قبل أونجاريتي الشاعر الإيطالي الكبير مارينيتي الذي أسس في ميلانو وباريس تيار المستقبلية بعد ذلك، وهو التيار الذي ترك بصمة كبيرة على الفن والشعر الأوروبي الحديث، تتلمذ أونجاريتي على يد قسطنطين كفافيس، فى 1908خاض مغامرة ثورية كبيرة لتحرير بحارة المدرعة الروسية الشهيرة بتومكين التي خلدها المخرج الروسي ايزنشتين في فيلمه الشهير المدرعة بتومكين وكانت متوجهة من روسيا إلى مدينة ميسينا بجزيرة صقلية، التي كان زلزال مدمر قد ضربها بشدة، وكانت المدرعة تحمل معونات لضحايا الزلازل، وقامت ثورة على المدرعة لسوء المعاملة واضطهاد الضباط للبحارة.

وفي رحلة العودة توقفت المدرعة في الاسكندرية، وطلبت السلطات القيصرية من الحكومة المصرية، تسليم البحارة المتمردين للسلطات الروسية بمصر لمحاكمتهم في روسيا، ووافقت الحكومة المصرية على طلب القيصر، لكن مجموعة من المثقفين الذين يعيشون في الإسكندرية ومن بينهم الشاعر أونجاريتي اعترضوا القطار في كفر الزيات وحرروا البحارة، تم القبض على أونجاريتي ورفاقه بتهمة الهجوم والتعرض للقطار وتهريب المتهمين، وزعزعة علاقات مصر بإيطاليا، ولكن محاكم الامتيازات الأجنبية، سمحت بمحاكمته داخل القنصلية الإيطالية وأمام قضاة إيطاليين ومن ثم إيقاف الحكم عليه، وفي عام 1912 غادر أونجاريتي مصر لمتابعة دراسته في فرنسا، ثم غادر باريس واستقر فترة في ايطاليا وبعدها انتقل مع أسرته إلى البرازيل وكانت حياته ترحالاً متواصلاً، لكن رغم تنقله الدائم، بقيت خبراته في مصر زاده الذى لا ينضب، كان من أعز أصدقائه شاعر مصرى صاحب وجهة نظر مختلفة في الفن والحياة يدعى محمد شهاب من أصول بدوية، سافر معه الى باريس، وأصبح مقربا من بودلير ومن النخبة المبدعة في باريس، وكان يسكن مع أونجاريتى في الفندق نفسه، وبعد عام تخلص من حياته، يطل شهاب كثيرا في شعره كأكبر فقد تعرض له، أونجاريتى لا يشبه أحدا، مفردات قليلة وعالم شاسع دون فواصل ولا علامات ترقيم، يرفض اللغة الأدبية والنظم التقليدية فى الكتابة، ولا يلجأ الى الحيل البلاغية، كتب: لا أعتقد أن الشعر العربى هو شعر ملون، وإنما هو شعر موسيقى لا ألوان، ذلك الصوت البطئ الهادئ الذى يظهر ثم يختفى ليرجع مرة أخرى، ويعاود التكرار، في الغناء العربى، هذا ما شدنى بقوة .. وأنت تقرأ شعره تحس بأن الجو غائم حتى لو كانت الشمس ساطعة، وقال عنه المخرج والشاعر بازولينى : إن الكلمات تخرج من فم أونجاريتى وكأنها شفرات مصقولة تجرح زجاجا خفيا لا نراه.. بعد أن فرغت من القراءة هذه المرة اكتشفت أننى أتعرف على أونجاريتى للمرة الأولى.


لمزيد من مقالات إبراهيم داود

رابط دائم: