رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ازدواجية التعليم

عندما قام الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر عام 1961 بما أسماه: إصلاح الأزهر، كان أول ما فعله هو إلغاء هيئة كبار العلماء, وذلك لمعرفته بتاريخ هذه الهيئة فى عصور الملكية. وكان الإصلاح ينبنى على مجموعة من القوانين التى تهدف إلى تغيير الأزهر جذريًّا بمقتضاها، ابتداء من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، فضلًا عن مجمع البحوث الإسلامية، وأُضِيف إلى الكليات الدينية فى الأزهر عدد من الكليات العملية أو العلمية مثل كليات: الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلوم والتجارة والهندسة والزراعة. وكان الهدف هو تخريج دعاة يجمعون ما بين معارف العلم والدين على السواء. ولكن كانت النتيجة أن انقسم الأزهر إلى قسمين غير متجانسين: قسم مدنى يرتبط بالمعاهد والكليات العلمية، فى مقابل قسم يدرس بالكليات الدينية التقليدية. ولم يتحقق بهذا الجمع غير المتجانس الهدف الأصلى، وهو صياغة أزهر قابل لتخريج دعاة عصريين يُسهمون فى رعاية الإسلام فى الأماكن والبلدان والقارات التى كان يحلم عبدالناصر بالوصول إليها.

ومات عبد الناصر لكن الثنائية غير المتجانسة بين معاهد دينية خالصة، ومعاهد علمية خالصة ظلت موجودة، وأصبحت هناك كليات أزهرية تحت إشراف جامعة الأزهر، فيها ما ينتسب إلى علوم الدين وما ينتسب إلى علوم الدنيا تحت سقف واحد. وكان الأولى هو إبقاء الأمر على ما هو عليه، أو على الأقل اتباع الغرب فى وجود جامعات مدنية يمكن أن تضم بعض الكليات الدينية. وهذا موجود فى جامعة هارڤارد على سبيل المثال، وهى جامعة مدنية تمامًا، لكن فيها كلية دينية هى كلية اللاهوت، وهى كلية خاصة بالدراسات الدينية اللاهوتية، وذلك على نحو يمكن أن يتجاور فى تدريسه رجال الدين مع غيرهم من أساتذة العلوم الإنسانية التى لها صلة بعلوم الدين بمعنى أو غيره. وكانت النتيجة - فى حالة الأزهر - هى الانقسام بين قسمين لا يلتئمان إلى اليوم. القسم الأول يدرس علوم دينية خالصة فى الكليات ذات الطابع الدينى الخالص مثل كلية أصول الدين أو كلية الشريعة أو غير ذلك من كليات لا تتباعد عنهما مثل كلية اللغة العربية على سبيل المثال، وفى مقابل ذلك كليتا الطب والهندسة وما أشبههما من علوم طبيعية يمكن أن تتجانس مع علوم الاقتصاد أو التجارة.

وبقيت جامعة الأزهر على هذه الثنائية بعد وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 واستمرت على ما هى عليه إلى اليوم، وترتب على ذلك أن أصبحت جامعة الأزهر جامعة خاصة لا تتطابق مع نظام غيرها من الجامعات الحديثة لا فى مصر ولا فى العالم العربى ولا حتى فى العالم كله. فجامعة الأزهر أولًا ليست خاضعة للمجلس الأعلى للجامعات، وهى أعلى جهة تشرف على الجامعات المصرية ويترأسها وزير التعليم العالى، ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن جامعة الأزهر تجمع بين الأشياء ونقائضها، وإلا فما الذى يجمع بين دراسة علوم الشريعة أو علوم الدين ودراسة علوم الدنيا فى آن؟ فكليات الأزهر ليس من حق غير المسلمين أن يدخلوها سواء أكانت كليات دينية أو مدنية. وقد يُرَد على ذلك بأنه يصعب أن نجعل المسيحى يدرس علوم الشريعة الإسلامية أو علوم التفسير أو علوم الحديث فضلًا عن الفقه الإسلامى، فهذه قد قررها المشَرِع الأول لجامعة الأزهر حالمًا فى ذلك الوقت أن يجعل من خريجيها دعاة محدثين يرسل بهم إلى البلدان الإفريقية أو الآسيوية فيعرفون من العلوم ما يعينيهم على إتقان الدعوة التى تجمع ما بين علوم الدنيا وعلوم الدين.

ولكن للأسف لم يكن الناتج مقبولًا عقلًا، فقد أسهمت هذه التركيبة فى ازدياد الهوة بين جامعات الأزهر من ناحية، وحرَّمت كلياته على غير المسلمين من ناحية مقابلة، وهذا فى حد ذاته خرق للدستور الذى ينص على حق التعليم لجميع أبناء الأمة من المسلمين والمسيحيين. فهذا تمييز غير دستورى، ولذلك بقى الوضع التعليمى الأزهرى بمثابة مشكلة لم تجد حلًّا لها إلى الآن. فجامعة الأزهر ليست عضوًا فى المجلس الأعلى للجامعات المصرية لأنها ليست جامعة مدنية فحسب أو دينية فحسب، فضلًا عن أن الراغبين فى الالتحاق بها لا يتقدمون بأوراقهم إلى مكتب التنسيق الذى هو المدخل إلى الجامعات المدنية كالقاهرة أو عين شمس أو الإسكندرية أو غيرها من الجامعات المدنية.

وأما التعليم العالى فى الأزهر نفسه فقد أدت به هذه الازدواجية غير المنطقية إلى مخالفة الدستور الذى ينص على حقوق صريحة واضحة للمواطنة، وهى حقوق ضد التمييز بأى وجه من الوجوه. وليس هناك أوضح من التمييز بين المسلمين والمسيحيين فى دخول الجامعة الأزهرية، التى تعد خريجيها لكى يصبحوا دعاة للإسلام خارج العالم الإسلامى، ومن هنا تأتى دراستهم لعلوم إسلامية خالصة إلى جانب الدراسات العلمية أو المدنية الخالصة.

ولم يتغير هذا الوضع منذ إنشاء جامعة الأزهر، وظل على ما هو عليه إلى اليوم، ومن ثم ظلت جامعة الأزهر مخالفة للدستور تحرم بعض المواطنين من حقهم الدستورى فى التعليم العالى. فلا يدخلها الحاصلون على الثانوية العامة من الذين تلقوا تعليمًا مدنيًّا، كما أن أساتذتها تابعون لرئاسة جامعة هى بدورها تابعة لمشيخة الأزهر. ولا حجة هنا لمن يريد أن يبقى على صفة الدعوية فى الجامعات الأزهرية أو لمن يتحجج بأنها جامعات تدرس العلوم التى ينبغى أن يتحلى بها الداعية الإسلامى. فنحن فى زمن أصبحت الكرة الأرضية فيه تؤمن بالتنوع البشرى الخلاق، ولم تجعل من أولوياتها فرض العقائد فى كل مكان فى الكرة الأرضية، فقد أصبحنا نعيش فى زمن يغلب عليه التسامح وتقبل الآخر، وتقبل الأديان حسب اختلافها ما بين أقطار الأرض المختلفة حسب مبدأ التنوع الدينى الخلاق. فلم يعد مسموحًا لأبناء دين أن يغيروا دين غيرهم أو عقائدهم.


لمزيد من مقالات د. جابر عصفور

رابط دائم: