رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ضد التصور الأسطورى للمرأة (10)

هل الدين يُستقى من مصادر مجهولة؟ وهل كلام الوحى الكريم يُفسر بروايات مُجهلة أو روايات لا ترجع فى نهاية سندها إلى السنة النبوية الثابتة؟ وإذا كانت قواعد اللغة والبلاغة تسمح بأكثر من تفسير، فلِم يشد البعضُ المعنى نحو الزوايا الضيقة التى ألفها وعاش بها؟

لماذا يتمسك البعض ببعض القواعد البلاغية لتأييد تفسيره، بينما يتمسك البعض الآخر بالقواعد المقابلة لتأييد تفسيره المخالف؟

ألا يدل ذلك على أن الأمر يتجاوز الفريقين، إلى الضابط الأكثر أهمية وهو تفسير القرآن بالقرآن فى حدود المقاصد الكلية للرسالة؟ وفى حدود القواعد والمنهجية التى وضعها القرآن نفسه لفهمه وتفسيره؟

سوف نركز فى مقال اليوم على معنى مقطع: «وليس الذكر كالأنثى» الوارد فى آيات سورة آل عمران موضوع حديثنا (الآيات 33- 37). وبشكل عام سوف نجد هناك اتجاهات متعددة فى التفسير تفهم تلك العبارة تارة على أن «الذكر أفضل من الأنثى»، وتارة أخرى على أن «الأنثى أفضل من الذكر»، وكل اتجاه يستدل باللغة، والمرويات الضعيفة والموضوعة، وبما يزعم أنه السياق!

ونلاحظ مجددا أن الصورة الذهنية السائدة والقالب النمطى «الذكر أفضل من الأنثى»، قد انعكس على فهم الآيات الكريمة دون وجود أى شيء فى ألفاظها أو مقاطعها يدل على ذلك. وعلى سبيل المثال يقول الراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ): «أما فضله عليها، فقد نبه عليه بقوله: (وليس الذّكر كالأنثى)»، (تفسير الراغب الأصفهانى 1/ 469).

والسؤال: كيف يفهم الراغب وغيره منها الأفضلية مع أن العبارة الكريمة تؤكد مجرد اختلاف الذكر عن الأنثى؟! إنها مجرد عبارة وصفية خبرية ولا تتضمن أى حكم، عبارة معناها المباشر تأكيد أن الذكر ليس كالأنثى، لكن بعضهم يفهمونها هكذا «الذكر أفضل من الأنثى»! فعندما أقول: (وليس الأخضر كالأبيض)؛ فهل هذا معناه أن الأخضر أفضل من الأبيض!؟ فى تقديرى أن العبارة واضحة ومباشرة وتدل على مجرد الاختلاف وليس الأفضلية لأى طرف على الآخر.

وقد ذكرنا فى المقالين السابقين سبع نقاط، وفيما يلى بعض النقاط الأخرى المتعلقة بالآيات الكريمة موضوع حديثنا، على النحو الآتي:

ثامنا- هناك بعض المفسرين يؤكدون أن المعنى يفيد تفضيل الذكر على الأنثى، يقول ابن عاشور: «ليس الذّكر الّذى أردت أن يكون خادما، ويصلح للنّذر، كالأنثى الّتى لا تصلح لذلك، وكأنّها أعذرت إلى ربّها من وجودها على خلاف ما قصدت»، ويقول ابن عاشور أيضا: «جملة (وليس الذّكر كالأنثى) خبر مستعمل فى التّحسّر لفوات ما قصدته فى أن يكون المولود ذكرا، فتحرّره لخدمة بيت المقدس»، (تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، 3/ 233). ولا يقلل من ابن عاشور اختلافنا معه فى هذه النقطة أو غيرها، فهو من أنجب المفسرين على الرغم من وجود اختلافات معه. وقل مثل ذلك فى مفسرين كثيرين.

تاسعا- إذا كان بعض المفسرين يؤكدون على هذا المعنى، فإن هناك آخرين يفسرونها على معنى معاكس تماما يفيد أن (الأنثى المقصودة هنا، وهى مريم، أفضل من الذكر الذى طلبته امرأة عمران)، وهذا المعنى المعاكس يقدمه الشوكانى فيقول: «وليس الذّكر الّذى طلبت كالأنثى الّتى وضعت، فإنّ غاية ما أرادت من كونه ذكرا أن يكون نذرا خادما للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم. وهذه الجملة اعتراضيّة مبيّنة لما فى الجملة الأولى من تعظيم الموضوع ورفع شأنه وعلوّ منزلته، واللّام في: الذّكر والأنثى للعهد» (تفسير فتح القدير للشوكاني، 1/384).

عاشرا- يسير فى هذا الاتجاه فى فهم المعنى بهذه الطريقة البعض ممن يرون أن فهم مقطع (وليس الذّكر كالأنثى) طبقا لقواعد البلاغة- حسب فهمهم لها- يقتضى تفضيل الأنثى على الذكر؛ لأن (ليس النافية) إذا جاءت قبل الاسم تحوله إلى مفضول، فى حين أن الاسم الذى يأتى بعد (كاف التشبيه) يكون هو الأفضل، ويستدلون على ذلك بقولهم: (ليس الثرى كالثريا)، وقولهم: (ليس الأعمى كالبصير...)؛ مما يدل فى تفسيرهم على أن المشبه به الآتى بعد (كاف التشبيه) هو الأفضل وليس العكس. وعليه فإنهم يرون أن الأفضلية هنا مخصوصة بمريم؛ حيث إن اللام فى الذّكر والأنثى للعهد وليس لاستغراق الجنس.

ويرى البيضاوى فى تفسيره أن المعنى: «وليس الذّكر كالأنثى بيان لقوله: (واللّه أعلم بما وضعت)، أى وليس الذكر الذى طلبت كالأنثى التى وهبت، واللام فيهما للعهد. ويجوز أن يكون من قولها بمعنى: وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرت؛ فتكون اللام للجنس»، (أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 14).

أما أبو حيان الأندلسى (المتوفى 745هـ) صاحب تفسير «البحر المحيط فى التفسير»، فيقول: «وليس الذّكر الّذى طلبته ورجوته مثل الأنثى الّتى علمها وأرادها وقضى بها. ولعلّ هذه الأنثى تكون خيرا من الذّكر، إذ أرادها اللّه، سلّت بذلك نفسها. وتكون: الألف واللّام في: الذّكر، للعهد، فيكون مقصودها ترجيح هذه الأنثى الّتى هى موهوبة اللّه على ما كان قد رجت من أنّه يكون ذكرا... وقرأ باقى السّبعة: بما وضعت، بتاء التّأنيث السّاكنة على أنّه إخبار من اللّه بأنّه أعلم بالّذى وضعته. أي: بحاله، وما يؤول إليه أمر هذه الأنثى، فإنّ قولها: (وضعتها أنثى)، يدلّ على أنّها لم تعلم من حالها إلّا على هذا القدر من كون هذه النّسمة جاءت أنثى لا تصلح للتّحرير، فأخبر تعالى أنّه أعلم بهذه الموضوعة، فأتى بصيغة التّفضيل المقتضية العلم بتفاصيل الأحوال، وذلك على سبيل التّعظيم لهذه الموضوعة، والإعلام بما علق بها وبابنها من عظيم الأمور، إذ جعلها وابنها آية للعالمين. ووالدتها جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا»، (البحر المحيط فى التفسير 3/117- 118).

حادى عشر- الرد جاهز من بعض المفسرين القائلين بتفضيل الذكر والمخالفين لهذا التفسير، وبقواعد البلاغة أيضا! يقول الخازن فى تفسيره:«وفى الكلام تقديم وتأخير تقديره: (وليس الأنثى كالذكر)، والمراد منه تفضيل الذكر على الأنثى»، (لباب التأويل فى معانى التنزيل 1/240). وكأن اللغة عند بعضهم جاهزة للاستدلال بها على الشيء ونقيضه! والراغب الأصفهانى يستدل على نقصانها بالمقطع نفسه، فيقول: «ولهذا قالت: (وليس الذّكر كالأنثى)، ولأنه رُوى أنه لم يكن يستصلح للتحرير من قبل إلا الذكور» (تفسير الراغب الأصفهانى 2/ 529). إذن من الواضح أيضا أن مرويات السابقين المُجهلة هى إحدى أهم أسباب هذا الفهم، يقول: «روى أنه لم يكن يستصلح للتحرير من قبل إلا الذكور». ولاحظ أيضا أن فعل «رُوي» مبنى للمجهول.

والحديث لم يكتمل حول هذه النقطة؛ وأرجو ألا يقع البعض فى الفخ نفسه، فيحكم على وجهة نظرى من مقال واحد لم يكتمل فيه الحديث. وإلى لقاء فى المقال القادم إن شاء الله تعالى.


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: