رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

متى سيتخلص العالـم من كورونا؟

منال لطفى

متى سنتخلص من جائحة كورونا؟ هذا هو السؤال الذى يشغل العالم منذ ظهرت الجائحة وانتشرت بسرعة كبيرة حول العالم فى مطلع 2020. الإجابة ليست واضحة ولا موحدة. فبينما تأمل كثير من الدول الأوروبية فى الحد من العدوى خلال الأشهر القليلة المقبلة ووضع الفيروس تحت السيطرة بحيث يمكن التعايش معه، فإن دولا أخرى، مثل البرازيل وجنوب إفريقيا، تواجه احتمالات ألا تكون قادرة على السيطرة على الفيروس قبل عام 2022 مع انتشار نسخ متحورة منه سريعة العدوى. هذه النسخ الجديدة المتحورة أصابت أوروبا وأمريكا بمخاوف كبيرة، فالفيروسات المتحورة لا تستجيب للأمصال الموجودة حالياً بنفس درجة استجابة الفيروس الأول.

وقبل أيام ذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد لقاحات كورونا قد تجاوز عدد الاصابات العالمية، وهذا دليل على أن الشركات المنتجة للمصل تسارع الزمن فى عملية الانتاج. لكن انتاج عدد لقاحات يفوق عدد المصابين حول العالم لا يعنى بداية نهاية المحنة العالمية. فتقديرات منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 75% من اللقاحات موجودة فى 10 دول فقط حول العالم، تمثل ما يقرب من 60٪ من الناتج المحلى الإجمالى العالمى.

مقابل هذا، فإن مواطنى نحو 130 دولة (بمجموع سكان 2.5 مليار شخص) لم يحصلوا على جرعة واحدة.

وبالتالى بينما تأمل أمريكا وأوروبا فى تطعيم غالبية السكان بحلول منتصف العام الحالى، فإن غالبية دول العالم الأخرى لن تكون قادرة على الوصول للقاحات على نطاق واسع حتى عام 2022 أو 2023، مما يطيل أمد الوباء ويتسبب فى أضرار اقتصادية عالمية تصل إلى 9.2 تريليون دولار.

قلعة فى الرمال

هذه المفارقة دفعت ديفى لاليتا سريدهار، أستاذة الصحة العامة فى جامعة إدنبرة باسكتلندا،إلى وصف الجهود الأوروبية -الأمريكية بأنها أشبه ببناء «قلعة فى الرمال» أو «كمن يؤمن باب المنزل ويترك النوافذ مفتوحة». وسريدهار واحدة من الأكاديميين البارزين فى بريطانيا الذين يدعون لإعادة التفكير فى الخطط العالمية للقاحات كورونا. فهناك إجماع دولى علمى يتبلور مفاده أنه بدلاً من إعطاء 100% من سكان دولة ما اللقاح من أجل السيطرة على الوباء، من الأفضل توزيع اللقاحات بشكل متوازن حول العالم، بحيث يتم إعطاء الشرائح العمرية الأكبر سناً حول العالم اللقاحات أولاً بغض النظر عن الحدود الجغرافية والوضع الاقتصادى للدول، ثم تطعيم الشرائح العمرية الأخرى تباعاً. بعبارة أخرى، تتعامل هذه الاستراتيجية المقترحة مع العالم فعليا على أنه «قرية صغيرة» إذ تقسمه ليس على أساس الحدود والجغرافيا، لكن على أساس السن ومعدلات العدوى ومن يحتاج اللقاح أولاً.

وفى رأى كثير من العلماء، إذا تم اعتماد ذلك النهج، فإن العالم سيكون فى طريقه للتعافى أسرع كثيراً من نهج تطعيم 100% من سكان دولة ما، واغلاق حدودها لحين تعافى باقى العالم.

وفى هذا الصدد توضح سريدهار أنه حتى إذا اعطت بريطانيا اللقاح لكل السكان، فماذا ستكون الفائدة؟. ففى نهاية المطاف ستظل الحدود بين بريطانيا والعالم الخارجى مغلقة إلى حد كبير. ولأننا لا نعيش فى جزر معزولة، فإن جهود التطعيم الدولية لن يكون لها تأثير جذرى دون أن يكون العالم كله على نفس المركب. فترك دول غارقة فى الوباء والاصابات سيؤدى لخلق فيروسات متحورة جديدة أشد خطراً، مقاومة للقاحات الموجودة فى العالم حالياً.

وبالتالى يعود العالم كله مجدداً للمربع الأول. وهذا أسوأ سيناريو ممكن.

إستراتيجية «كل بلد مسئول عن نفسه»

ومع أن تحذيرات منظمة الصحة العالمية واضحة وهناك رأى عام علمى متزايد يحذر من ضعف استراتيجية «كل بلد مسئول عن نفسه»، إلا ان الحكومات حول العالم لم تغير استراتيجيتها بشكل ملموس نظراً لعوامل سياسية متعددة، من بينها الضغوط الداخلية، والحمائية، وتزايد النزعة القومية فيما يتعلق باللقاحات، وإخفاء المعرفة المتعلقة بصناعة لقاحات كورونا.

وبسبب هذا هناك الآن إمكانية حقيقية لعدم تحقيق «مناعة عالمية» قريبا، فى وقت تظهر فيه سلالات جديدة.

ولا عجب أن التسارع الكبير فى حالات العدوى والوفيات فى جنوب إفريقيا والبرازيل، يثير مخاوف عالمية من انتكاسة الجهود التى تمت حتى الان. فبرامج التطعيم الأوروبية التى يسير بعضها بسرعة كبيرة قد تصبح عديمة الفائدة إذا انتشر فيروس متحور جديد يقاوم الأمصال الموجودة. والفيروس البرازيلى أظهر بالفعل مقاومة للأمصال التى تم تطويرها حتى الآن.

كثير من العلماء دعوا الحكومة البريطانية وغيرها من الحكومات الغربية لإعادة النظر فى أولويات استراتيجية التطعيم وتوزيع الأمصال حول العالم. ففى رأى هؤلاء سيكون العالم فى وضع أفضل كثيراً إذا تم تطعيم الشرائح السكانية الأكبر سناً حول العالم خلال الأشهر القليلة المقبلة، وليس تطعيم 100% من سكان دولة واحدة.

أرض خصبة للطفرات القاتلة

وما يتخوف منه العلماء حول العالم هو أن البرازيل،و بسبب عدم اتخاذ السلطات هناك إجراءات للتصدى للفيروس،أصبحت «مرتعاً» لخلق المزيد من الفيروسات المتحورة شديدة الخطورة.

من بين هؤلاء العلماء ميغيل نيكوليليس،عالم الأعصاب فى «جامعة ديوك» الأمريكية،الذى حذر فى حوار مع صحيفة «الجارديان» البريطانية من أن فشل البرازيل فى احتواء الوباء، والذى أودى بحياة أكثر من 250 ألف برازيلى، أى نحو 10٪ من إجمالى الضحايا فى العالم «يهدد العالم كله وليس البرازيل فحسب».

وقال نيكوليليس: «ما الفائدة من معالجة الوباء فى أوروبا أو الولايات المتحدة، إذا استمرت البرازيل أرضاً خصبة لهذا الفيروس؟... لأنه إذا سمحت للفيروس بالتكاثر عند المستويات التى ينتشر فيها حالياً هنا، فإنك تفتح الباب لحدوث طفرات جديدة وظهور متغيرات أكثر فتكاً».

وهناك بالفعل فيروسات متحورة فى البرازيل أظهرت مقاومة للامصال التى تم تطويرها خلال الأشهر الماضية، أكثرها خطورة فيروس متحور باسم (P1) ظهر فى ماناوس، وهى أكبر مدينة فى منطقة الأمازون وتعانى زيادة منفلتة فى حالات الإصابة. هذا الفيروس تم حتى الآن اكتشاف عدد من الحالات منه فى بريطانيا، ما أثار رعباً كبيرا لدى السلطات البريطانية، لأن انتشاره يمكن أن يؤدى لانتكاسة فى الجهود البريطانية التى تسارعت بشدة خلال الأشهر الماضية، خاصة برنامج التطعيم ضد كورونا.

وفى رأى نيكوليليس وغيره من العلماء فإن «البرازيل باتت مختبرا مفتوحا للفيروس حيث يمكنه أن ينتشر ويتحور ويخلق المزيد من الطفرات القاتلة».ومن هنا الدعوة لتحرك سريع لضخ أموال ضخمة لبرنامج التطعيم العالمى. فلا مغزى من تطعيم 50% من الشعب الأمريكى بحلول يونيو مثلاً، إذا ظل الفيروس يجد أرضا خصبة فى دولة مجاورة.

والمفارقة الواضحة انه بينما تمكنت بريطانيا من خفض عدد الضحايا يوميا لنحو 200 وفاة، فإن عدد الضحايا فى البرازيل فى ارتفاع كبير، والمخاوف أنه بمعدلات العدوى الحالية، فإن البرازيل ستسجل نصف مليون وفاة خلال أسابيع قليلة. وهذا التباين بين البرازيل وغيرها من دول العالم أحد الملامح التى يقول العلماء إنه لابد من التعلم منها.

فمخاطر الأوبئة ليست مخاطر محلية تتعلق بكل دولة، بل مخاطر دولية وتحتاج حلاً دولياً، لكن العالم خلال أزمة كورونا تعامل من منطق محلى ضيق. وظهرت الحمائية وحروب المصل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبى كدليل صادم. أمريكا أيضاً وضعت قيوداً على بيع الأمصال المنتجة محلياً للخارج إلا بعد ضمان أن السوق الداخلية لديها الكميات التى تحتاجها.

الإنسان خطر على نفسه

مر نحو عام على محنة كورونا وهناك كثير من الدروس التى تعلمها ويتعلمها العالم. وأحد الدروس الواضحة هو الخطر الذى يشكله الانسان على نفسه.فالمخاطر التى يخلقها الانسان لنفسه تضاعفت من تغير المناخ، والاحتباس الحرارى، والجفاف،إلى الأوبئة، والذكاء الاصطناعى وحروب أسلحة الدمار الشامل. وبعد هذا العام الصعب فإن كثيرا من مراكز دراسات المخاطر فى الغرب بات سؤالها الأساسي: ما هو الخطر الجديد؟

قبل سنوات قليلة كان الخبراء العاملون فى مراكز دراسات المخاطر يتخوفون من سيناريوهات اصطدام كويكبات كبيرة بالأرض أو حدوث «انفجار نجمى» فى الفضاء يؤثر على الأرض، على أساس أنها أفدح المخاطر، لكن مجرد حقيقة أن البشر على الأرض منذ ألفى قرن (200 ألف عام) ولم تصطدم الأرض بكويكب أو يحدث انفجار نجمى يعرض الحياة على الأرض للخطر، فإن الاحتمالية تبدو بعيدة جدا. بعبارة أخرى المخاطر الطبيعية تبدومنخفضة جداً مقارنة بالمخاطر الناتجة عن الممارسات البشرية.

توبى اورد، الباحث البارز فى «معهد مستقبل الإنسانية» فى جامعة أكسفورد البريطانية، يقول إن جائحة كورونا جعلت العلماء والمتخصصين فى دراسات المخاطر يخلصون إلى أن الأوبئة، إلى جانب تغييرات المناخ، ستكون التحدى الأكبر أمام الإنسانية. فحتى إذا فكرنا فى الأوبئة كأخطار طبيعية «لا دخل للإنسان فيها»، فإن عولمة السفر والتنقل، سواء الأفراد أو البضائع والمنتجات الزراعية والحيوانية، جعل الأوبئة «مزيجا مركبا من المخاطر الطبيعية والبشرية».

أضف إلى هذا «مخاطر من صنع الإنسان» فى نشر الأوبئة عبر التغييرات فى تقنيات الزراعة، وتربية الحيوانات على نطاق صناعى، والإتجار غير القانونى بأنواعها المهددة بالانقراض، وتحول العالم إلى قرية صغيرة ينتقل فيها كل شىء بفعل وسائل التواصل والمواصلات.

ويقول توبى اورد إنه بسبب هذا ينبغى النظر إلى «الأوبئة الطبيعية» على أنها مخاطر «بشرية المنشأ جزئياً». فعدد سكان الكرة الأرضية تضاعف آلاف المرات مقارنة بفترات زمنية سابقة. وبالتالى هناك مخاطر حقيقية من أوبئة جديدة بسبب التضخم الكبير فى أعداد البشر. كما أن ممارستنا الزراعية واسعة النطاق أدت إلى خلق حيوانات تعيش فى ظروف غير صحية على مقربة من البشر. وهذا يزيد من مخاطر الأوبئة، حيث تنشأ العديد من الأمراض أولاً فى الحيوانات قبل انتقالها للبشر. من ذلك، فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) الذى انتقل عبر الشمبانزى، وفيروس الإيبولا «عبر الخفافيش»، والسارس «ربما الخفافيش أيضاً» والإنفلونزا «عادة خنازير أو طيور». وتشير الدلائل إلى أن الأمراض باتت تنتقل من الحيوانات إلى البشر بمعدلات متزايدة مقلقة. والحضارة الحديثة تجعل أيضاً من السهل على أى وباء أن ينتشر. فبسبب الكثافة العالية للناس فى المدن، يمكن لأى منا أن يصيب عددا أكبر من الناس بمجرد الجلوس فى مقعد فى مترو أو حافلة.فلم نعد منقسمين إلى تجمعات سكانية معزولة كما كنا خلال الـ10 آلاف سنة الماضية.

ومع أننا نفهم الأمراض بشكل أفضل بكثير مع تطور نظريات الجراثيم، ولدينا مضادات حيوية وأمصال واستراتيجيات متعددة للحجر الصحى (الحجر المناطقى أو لشرائح معينة من السكان)، وقمنا بتغيير العالم من حولنا بطريقة أفضل، وتحسنت نظم الصرف الصحى والنظافة فى العالم، والطب الوقائى والعلاجى، والفهم العلمى للأمراض، ولدينا هيئات صحية عالمية لتسهيل التواصل والتنسيق فى مواجهة تفشى الأمراض والأوبئة الجديدة، برغم كل هذا إلا ان جائحة كورونا أثبتت ان هناك حاجة لتعاون دولى متزايد فى مواجهة الأوبئة الطبيعية، ونظم إنذار مبكرة لمنع تفشى الأوبئة وتعزيز التعاون وزيادة الإنفاق لتطوير أمصال للفيروسات الموجودة منذ عقود وليس لها أمصال واقية حتى اليوم. إذن بعد عام صعب وطويل من جائحة كورونا، فإن خلاصة التجربة هو أنه مقابل التقدم التكنولوجى المذهل، نمت الحكمة البشرية بشكل متعثر، إن كانت نمت أصلاً. فالصراع القومى على الأمصال، والحمائية وعدم عدالة التوزيع كلها أدلة على أن العالم ما زال يحتاج للمزيد من الحكمة والتعاطف.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق