رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«جرنيكا» بين بيكاسو وروكفلر.. قصة تروى

كتبت ـ يسرا الشرقاوى
نيلسون روكفلر

حتما سيستغرق المترددون والقائمون على مقر منظمة الأمم المتحدة فى نيويورك، وقتا ليس بقصير، للاعتياد على غياب لوحة «جرنيكا» عن الجدار الذى شغلته قبالة مكاتب «مجلس الأمن»، بالمقر الأممى منذ عام 1984.

ولكن لماذا كان قرار المغادرة الفجائى للوحة، التى كثيرا ما تم اعتبارها أفضل الأعمال الفنية والأكثر تأثيرا، فيما يتعلق برسالة مناهضة الحروب والعنف المسلح؟، ومن له الحق فى رفع اللوحة من موقع اعتبر مثاليا، لكونها تتاخم مكاتب مجلس الأمن المعنى بفض النزاعات بين الأمم، وضمان العدل والسلم دوليا؟ .


«جرنيكا» الشهيرة استقرت فى متحف الملكة صوفيا

الواقع يقول، إن العمل الفنى المغادر لمقر الأمم المتحدة ليس لوحة «جرنيكا» الأصلية، التى أبدعها الفنان الاستثنائى بابلو بيكاسو، منتصف عام 1937، ولكنها نسخة تم غزلها من النسيج تحاكى بدقة متناهية «جرنيكا» فى كل تفاصيلها وألوانها، أما اللوحة الأصلية فقابعة بأمان بمتحف الملكة صوفيا المركزى الوطنى للفنون فى العاصمة الإسبانية مدريد.

قصة «جرنيكا» الأصلية ترجع إلى بدايات عام 1937، عندما تواصلت الحكومة الجمهورية فى إسبانيا، مع الفنان الإسبانى الكبير بيكاسو ( 1881- 1973) وكانت الحكومة وقتها طرفا فى حرب أهلية دائرة منذ ستة أشهر مع التيار القومى، بزعامة الجنرال فرانسيسكو فرانكو. ورغم التزام بيكاسو بعدم السماح لتداخل خيوط السياسة والفن، فإنه قبل طلب عرض الحكومة الإسبانية، بإعداد عمل فنى يبعث برسالة مفادها، تأكيد شرعية موقف الحكومة الجمهورية، وذلك للعرض ضمن فعاليات المعرض الفنى، للتقنيات والفنون المعاصرة.

ظل بيكاسو، كما يكشف تقرير نشرته صحيفة « فاينانشيال تايمز» عام 2017 بمناسبة مرور 80 عاما على إبداع « جرنيكا»، حائرا بشأن موضوع اللوحة، دون إلهام قوى يدفعه لتنفيذ اتفاقه مع الحكومة الإسبانية، وذلك رغم اقتراب موعد المعرض الذى كان مقررا له شهر مايو من العام ذاته. حتى كانت واقعة قصف الطائرات الألمانية النازية والموالية للتيار القومى الإسبانى لمدينة «جرنيكا» بإقليم «الباسك». القصف كان عنيفا، حتى إنه دمر المدينة تدميرا كاملا، وقضى على ثلث سكانها. وفى هذه المأساة، وجد بيكاسو موضوع اللوحة المنتظرة.

صور بيكاسو أهوال عملية القصف الألمانى فى لوحة زيتية بطول 3٫5 متر، وعرض يبلغ نحو 7٫8 متر، مع حضور قوى للونين الأبيض والأسود، واستضافة واضحة للون الأزرق الداكن. اللوحة تصدرت الجناح الإسبانى بالمعرض، ثم أرسلتها الحكومة الإسبانية فى جولة بعدة دول، كجزء من سياسة تأمين الدعم العالمى. ولكن الواقعة وقعت بانتصار القوميين وتولى فرانكو مقاليد إسبانيا منذ عام 1939 وحتى وفاته فى 1975. رفض بيكاسو وقتها إيداع «جرنيكا» بين أيدى قوميى إسبانيا، مؤكدا أن لوحته ستعود إلى بلادها يوم عودة الجمهورية، لتبدأ رحلة النفى المطولة للوحة، والتى بدأت بإقراض بيكاسو اللوحة لمتحف الفن الحديث بنيويورك، فقد كان يخشى هبوط القوى النازية على باريس. وقام المتحف الأمريكى بإعداد جولات لجرنيكا بين دول العام، وذلك طوال عقود طويلة.

توفى بيكاسو قبل أن يشهد نهاية حكم فرانكو وعودة «جرنيكا» إلى موطنها، ولكن العودة تمت إثر اتفاق بين المتحف الأمريكى والسلطات الإسبانية عام 1981، واستقرت فى متحف الملكة صوفيا عام 1992. تلك قصة «جرنيكا» الأصلية، أما «جرنيكا» التى زينت جدار الأمم المتحدة طوال 37 عاما، والتى تعرف فى بعض المصادر بـ»جرنيكا» روكفلر فلها قصة أخرى. أسرة روكفلر هى من أشهر الأسر الصناعية ذات الثراء الواسع فى الولايات المتحدة. لعب جون ووليام روكفلر دورا محوريا فى تأسيس صناعة البترول الأمريكية فى نهايات القرن التاسع عشر.

وقامت أسرة روكفلر بالتبرع بقطعة الأرض التى تم استخدامها فى تشييد مقر منظمة الأمم المتحدة، فى عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن صلب هذه الأسرة خرج نيلسون روكفلر (1908- 1979)، الذى تولى منصبى نائب الرئيس الأمريكى، وحاكم نيويورك.

نيلسون هو الذى كلف بإعداد نسخة نسيج من لوحة «جرنيكا» عام 1955، وتم إقراضها إلى الأمم المتحدة عام 1984. وفى عام 2009، وعندما خضع مقر المنظمة الدولية للتجديد، تم إيداع لوحة «جرنيكا» لدى مؤسسة روكفلر المعنية بإدارة إرث الأسرة العريقة، قبل أن تعود للعرض فى مقر المنظمة فى سبتمبر 2013.

ولكن لسبب لم يتضح بعد، قرر نيلسون روكفلر جونيور استعادة «جرنيكا» أخيرا، وبالفعل عادت اللوحة إلى أصحابها، ليبدأ مسئولو الأمم المتحدة، دراسة بدائل الأعمال فنية المرشحة لتشغل الجدار الذى أصبح شاغرا.


بيكاسو يبدع «جرنيكا»

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق