رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«الضحية-المجرمة» التى قسَّمت بريطانيا

رسالة لندن منال لطفى
‎شاميما عندما عثر عليها لويد فى معسكر الحول فى سوريا 2019

منذ عرف الجمهور البريطانى بقصة شاميما بيجوم، الفتاة البريطانية المراهقة التى هربت وعمرها 15 عاما مع فتاتين بريطانيتين أخريين، هما أميرة عباسى وخديجة سلطانة، وسافرن عبر تركيا للالتحاق بتنظيم داعش عام 2015، منذ عرف الجمهور البريطانى بقصتها، استحوذت شاميما ورفيقتاها على اهتمام بالغ، كأنهن جزء من حلقات درامية مثيرة، زادها تشويقا أن الأحداث لم تكن من وحى الخيال، بل وقائع حقيقية.

 

لم تستطع بريطانيا فهم ظاهرة « عرائس الجهاد» ومداها، فلماذا تترك 3 فتيات مولودات فى بريطانيا، بلدا مستقرا وآمنا، بلدهن وأسرهن للعيش فى بلد لم يرينه أو يعرفنه يمر بحرب أهلية طاحنة ووضع انسانى مأسوي؟ وكيف تمت عملية غسل أدمغتهن لترك مدرستهن «بيثنال جرين»شرق لندن وهن الطالبات المتفوقات للزواج من مقاتلين فى داعش لا يعرفن عنهم أى شيء؟ ومن الذى سهل لهن الخطوات وحجز تذاكر السفر واستقبلهن فى تركيا وأخذهن لسوريا بعد ذلك؟.

ظلت قصة شاميما و«عرائس الجهاد» تثير أسئلة وتعاطف وشفقة على الفتيات ومصيرهن البائس، إلى أن تمكن الصحفى البريطانى فى «التايمز» أنطونى لويد، من العثور على شاميما بعد نحو 5 سنوات من هروبها فى معسكر «الحول» فى شمال سوريا .وهو معسكر للمعتقلين من عناصر داعش وأسرهم ويشرف عليه أكراد سوريا، الذين طردوا داعش من الشمال السورى وأخذوا كثيرا من المعتقلين.

حدث ذلك فى عام 2019 وشاميما عمرها 19 عاماً، و«دولة الخلافة» المزعومة انهارت بعد طرد داعش من مدينة الرقة عاصمة التنظيم المفترضة، وهروب ومقتل واعتقال غالبية عناصره.

وقد غير لقاء لويد مع شاميما كل شيء بالنسبة لها . وبدلا من التعاطف أو الشفقة المبدئية على أساس أنها ضحية «غسل دماغ» من قبل كتائب الكترونية تجند عناصر جديدة عبر الإنترنت للانضمام للتنظيم، ظهر وجه آخر مختلف لشاميما بيجوم.

وجه قاس لا يعرف الندم

هذا الوجه على الأرجح كان أحد الدوافع وراء قرار المحكمة العليا البريطانية قبل أيام برفض السماح لبيجوم بالمجيء لبريطانيا، لمتابعة قضيتها ضد وزارة الداخلية البريطانية بسحب الجنسية البريطانية منها.

وفى قرارها، قالت المحكمة العليا إن بيجوم تستطيع رفع دعوتها ضد وزارة الداخلية من معسكر «راج» لمعتقلى داعش فى سوريا، الذى تحتجز فيه الآن، وأن حقها فى المجيء لبريطانيا لتحدى قرار نزع الجنسية عنها، لا يعلو على حق الجمهور البريطانى فى السلامة والأمن.

وهكذا دعمت المحكمة العليا حجة مدعى عام الحكومة البريطانية الذى قال، إنها تشكل خطرا على الأمن القومى البريطاني، وأن حق الجمهور البريطانى فى السلامة أهم من حقها فى التقاضى على الأراضى البريطانية.

مقابلات صحفية صادمة

عندما عثر لويد على شاميما فى معسكر «الحول» فى شمال سوريا 2019 طرح عليها كل الأسئلة التى كانت تشغل البريطانيين، لكن ردود الفتاة، كانت صادمة وأنهت كل تعاطف ممكن.

 فما قالته شاميما ، التى أصبحت زوجة لعنصر نشيط فى داعش من أصل هولندى يدعى ياجو ريدجيك وأما لطفلين ماتا بعد الولادة بقليل بسبب قلة العناية الطبية وسوء الأوضاع، حير بريطانيا وأثار غضبها. فبريطانيا كانت قد تعرضت خلال السنتين السابقتين لذلك اللقاء لهجمات دموية على يد عناصر منتمية أو مؤيدة لـ داعش، من بينها هجوم جسر ويستمنستر وهجوم مانشستر، الذى راح ضحيته 22 شخصا، معظمهم من الأطفال والمراهقين، كانوا يحضرون حفلاً موسيقياً فى مايو 2017.

لم تبد شاميما، التى كانت أول عبارة قالتها للويد، إنها تريد العودة لبريطانيا، أى ندم على تجربتها مع داعش أو السفر إلى سوريا لتكون ضمن «عرائس الجهاد» لأن التجربة «غيّرتنى كشخص، جعلتنى أقوي، وأكثر صرامة».

واعترفت، فى تلك المقابلة ومقابلة أخرى لاحقة مع قناة «سكاى نيوز» البريطانية، بأنها لا تعتقد أن عمليات قطع الرأس التى قام بها التنظيم ضد جنود الجيش السورى أو معارضى داعش جرائم «لأنهم كفرة»، موضحة أن رؤية «رأس مقطوع وملقى فى صندوق قمامة لم تحرك فيها ساكناً». كما أوضحت أيضاً أنها وقبل أن تغادر بريطانيا إلى سوريا، كانت تعلم بعمليات قطع الرأس التى تقوم بها داعش و«أنها كانت على ما يرام فيما يتعلق بهذا».

وأضافت: «نعم، عرفت عن هذه الأشياء (قطع الرءوس) وكنت على ما يرام معها.... فقبل سفرى بدأت أكون أكثر تديناً. وسمعت ان هذا مسموح به ولذلك كنت على ما يرام حياله».

كما قالت إن الهجوم على الحفل الموسيقى فى مانشستر كان «انتقاما» من داعش على استهداف عناصره بالقصف فى سوريا . واعتبرت أن جرائم اغتصاب اليزيديات فى العراق «ثأر» على «جرائم الشيعة». وأوضحت أنها انجذبت لفكرة العيش فى الأراضى تحت سيطرة داعش، لأنها كانت تعتقد أنه سيتم الاعتناء بها، وستكون لها أسرتها الخاصة و«تعيش فى ظل الشريعة الإسلامية»!

وقالت شاميما: «فى البداية كان العيش فى ظل تنظيم الدولة الإسلامية شيئا لطيفا. لكن الأمور أصبحت صعبة بعد أن فقدنا الرقة واضطررنا إلى التنقل من مكان إلى آخر،.ثم اعترفت بشكل صادم بأنه سيكون من «الصعب حقًا» إعادة تأهيلها فى بريطانيا، لأنها ما زالت تتبنى «عقلية دولة الخلافة».

وتابعت «سيكون الأمر صعبا للغاية بسبب كل شيء مررت به الآن.  ما زلت نوعا ما فى أجواء الطائرات التى تحلق فوق رأسي، وحقيبة الطوارئ فوق الظهر، والجوع وكل هذه الأشياء، أعتقد أن العودة إلى بريطانيا وبدء الحياة مرة أخرى ستكون صدمة كبيرة».

واعترفت بأنها لم تفكر فى العودة إلى بريطانيا إلا فى 2019 بعد خسارة داعش معظم أراضيها فى سوريا وتردى الأحوال. ثم طلبت شاميما من الحكومة البريطانية مساعدتها على العودة إلى بريطانيا، للاعتناء بطفلها الثالث، بعدما توفى طفلان لها فى الرقة.

 وأضافت أنها تعتقد أن «على الناس أن يتعاطفوا معى من أجل كل ما مررت به»، وأنه يجب أن يسمح لها الشعب البريطانى بالعودة «من أجل طفلها». (طفلها الثانى توفى بعد قليل من ولادته فى 2019 بسبب سوء العناية والتغذية فى معسكرات المعتقلين).

وجادلت شاميما بأنها لم ترتكب جرائم وليس هناك أى أدلة ضدها «لم أفعل أى شيء خطير . كنت مجرد ربة منزل لمدة أربع سنوات، أعتنى بزوجى وأطفالي».  

حوارات شاميما الصحفية أثارت غضبا عارما فى بريطانيا وجعلتها نموذجا مخيفا. وعندما نصحها تسنيم أكونجي، المحامى الخاص بها، بعدم الحديث للصحافة البريطانية مجددا كانت صورتها قد تضررت بالفعل على نحو يصعب إصلاحه.

وبالتالى عندما قرر وزير الداخلية البريطانى السابق ساجد جاويد فى 2019 سحب الجنسية منها إلى جانب العشرات من البريطانيين الذين قاتلوا فى صفوف داعش، أظهرت استطلاعات الرأى البريطانية آنذاك دعما كاسحا لقراره. وخلال فترة وجيزة، كانت السلطات البريطانية سحبت جنسية نحو 150 بريطانى انضموا لداعش خلال السنوات القليلة الماضية.

الوجه الآخر من العملة

 لكن وبرغم أن غالبية الرأى العام البريطانى ضد عودتها، إلا أن هناك انقساما بين القوى السياسية ومنظمات حقوق الإنسان والحقوق المدنية ومؤسسات تأهيل المتطرفين، حول أفضل الطرق للتعامل مع شاميما بيجوم.

فكثير من المنظمات الحقوقية والإنسانية يراها «ضحية» تم الاتجار بها من قبل مافيات وعصابات تخصصت فى تجنيد الفتيات المراهقات . ويرى البعض الآخر أنها ما زالت «مؤيدة صلبة لأيديولوجية داعش» وتريد العودة لبريطانيا ليس بدافع الندم، ولكن لأن الحياة فى معسكر «روج» شديدة البؤس ولا أمل لها هناك فى شيء.

فمثلا كتب ماكر جيفورد، الذى سافر إلى سوريا للقتال إلى جانب أكراد سوريا ضد داعش، فى مجلة «ذى سبكتاتور» البريطانية هذا الأسبوع، أنه يدعم قرار المحكمة العليا بمنع عودتها لبريطانيا موضحا:«بين عامى 2014 و 2017، حاربت داعش فى جميع أنحاء شمال وشرق سوريا، ولم أغادر إلا بعد أن حررنا الرقة، أو ما يسمى عاصمة الخلافة. رأيت بأم عينى ما فعله أناس مثل شاميما فى سوريا والعراق. فى الواقع، شاهدنا جميعا على التليفزيون بينما داعش يبيد مجتمعات بأكملها، ويطلق النار على الآلاف من الأشخاص فى الخنادق، ويحرقهم فى أقفاص...هؤلاء الناس خطيرون . ولم يظهروا أى ندم على أفعالهم... وكلهم انتظروا حتى تم تدمير داعش بالكامل قبل أن يتم أسرهم فى ساحة المعركة. هؤلاء ليسوا ضحايا، فقد أثبت أولئك الذين بقوا فى سوريا أنهم أكثر أعضاء داعش تعصبا والتزاما».

لكن مايا فوا من منظمة «ربريف» (وهى مؤسسة خيرية تعمل ضد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان) جادلت فى مقال فى «الجارديان» قبل أيام بأن معسكر «روج» فى شمال سوريا أصبح بمثابة «جوانتانامو جديد» حيث يحتجز الآلاف فيه لسنوات طويلة دون محاكمة فى ظروف اعتقال غير إنسانية. كما قالت إن تسمية «عرائس الجهاد» تسمية ظالمة وكاريكاتورية تنزع الإنسانية عن هؤلاء الفتيات، اللائى فى رأى مايا فوا، ضحية «اتجار جنسي» عبر ايديولوجية متطرفة.

وإلى جانب كل هذه الاعتبارات، تتخوف منظمات حقوقية من آثار قرار المحكمة العليا، لأنه «يغسل يد» بريطانيا من عناصر داعش البريطانيين ويتركهم فى سوريا فى ظروف صعبة. ويقول هؤلاء إن قرار المحكمة العليا فى المحصلة النهائية، يضر بالمصلحة العامة، حيث إنه يمكن الاستفادة من عودة شاميما وغيرها من البريطانيين الذين انضموا لصفوف داعش، وذلك عن طريق خضوعهم للاستجواب من قبل الأجهزة الاستخباراتية ، وجمع تفاصيل عن عملية تجنيدهم، وربما الحصول على أسماء وهويات عناصر متورطة بعضهم ما زال موجودا فى بريطانيا.

وفى رأى مايا فوا: «بيجوم ولدت وتربت وتعلمت فى بريطانيا، وبالتالى هى مسئولية بريطانيا لا سوريا...هذا حكم خاطئ. المملكة المتحدة هى المكان الصحيح لفحص أخطاء أو جرائم هذه المرأة المولودة فى بريطانيا، مهما تكن مروعة...وبينما تعتقد حكومة المملكة المتحدة، أن عودة بيجوم ستتعارض مع المصلحة العامة، فإن العكس هو الصحيح لمنع حدوث أشياء مماثلة فى المستقبل، من المهم أن نفهم كيف أصبحت تلميذة متطرفة لدرجة أنها تركت البلاد...وتزوجت خلال أيام من وصولها إلى سوريا، وهى لا تزال طفلة ودون السن القانونية، من مقاتل يبلغ ضعف عمرها تقريبا. من الواضح، وكما اعترفت الأجهزة الأمنية، يمكن القول إنها والفتاتين الآخريين (خديجة سلطانة قتلت، ومصير أميرة عباسى غير معروف) كن ضحايا الاتجار الجنسى المرتبط بالإرهاب».

وتتابع«قد يرفض البعض مثل هذه الحجج، على أنها رهافة قلب، لكن هناك أكثر من طريقة للنظر إلى المصلحة الوطنية. بينما يبدو أن الهدف الأسمى للحكومة هو تجنب عودة بيجوم، فإن معاملتها غير العادلة هى التهديد الأكبر... ويخاطر بدق إسفين بين البريطانيين»، وذلك فى إشارة إلى اتهامات بالتمييز العرقى ضد شاميما بسبب أصولها الآسيوية.

لكن السلطات البريطانية تقول، إن شاميما لم تفقد جنسيتها بسبب أصولها الآسيوية، فهناك عشرات البريطانيين من أصول انجليزية بيضاء فقدوا أيضا جنسيتهم، فى إطار قانون بريطانى ينص على تجريد كل من يترك بريطانيا للذهاب للقتال إلى جانب تنظيمات ارهابية مثل داعش.

أما محامى أسرة شاميما فيرى أن السلطات البريطانية تتخلى عن دورها بتركها عالقة فى سوريا. وقال تسنيم اكونجى لـ«الأهرام» إنه لا يدافع عن براءتها لكن عن حقها فى التقاضى على الأراضى البريطانية، موضحا:«شاميما ستخضع للتحقيق والمساءلة، وإذا ثبت تورطها فى جرائم فستحاكم بموجب القوانين البريطانية وليس بموجب أى قوانين أخري».

ومع ذلك، فإن الأمور ليست أبيض وأسود. ففى غالبية حالات من عادوا إلى بريطانيا، لم تتم محاكمة أحد إلا شخصا واحدا من أصل 10 بسبب صعوبة جمع الأدلة ضدهم، خاصة بعد سنوات من انهيار دولة الخلافة المزعومة وتبعثر شهود العيان المحتملين على جرائم داعش.

الضحية الحقيقية

ووسط النقاش القانونى والسياسى والأخلاقى فى بريطانيا حول شاميما ووضعها، ليس هناك نقاش تقريبا حول من يتحمل مسئوليتها هى والآلاف من عناصر داعش فى سوريا. ففى معسكرات اعتقال تمتد فى شمال وشرق سوريا، يجد أكراد سوريا أنفسهم مسئولين عن قنبلة ملغمة، مجسدة فى آلاف العناصر من بريطانيا وفرنسا وأمريكا وبلجيكا وهولندا وجمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق والعالم العربي، لا تريد دولهم الأصلية عودتهم.

فقد خسر أكراد سوريا نحو 12 ألف مقاتل فى الحرب ضد داعش، وهم الآن مضطرون لإيواء وإطعام عناصر داعش الذين تورطوا فى قتل رفاق لهم على جبهات المعارك. ولأن الدول الغربية لا تريد عودة هؤلاء العناصر، فإن ماكر جيفورد، الذى حارب داعش إلى جانب أكراد سوريا، يقترح أن تتحمل الدول الغربية، ومن بينها بريطانيا، مسئوليتها بطرق أخري، من بينها منح الأكراد الدعم المالى والقانونى والفنى اللازم، لإقامة محاكمات ومحاسبة عناصر داعش على الأراضى السورية الذين ارتكبوا فيها جرائمهم وسجنهم هناك. لكن هذا يستلزم دعما غربيا لم يحصل عليه السوريون بعد.

ومن نافلة القول إنه ليس هناك تعاطف مع شاميما فى بريطانيا. فعندما سافرت للانضمام لداعش، كانت تدرك أنه أحد أكثر التنظيمات الإرهابية وحشية فى العالم. لكن كثيرين أيضا يرون فى قضية شاميما فرصة لفهم كيف تم جذب آلاف الأجانب لايديولوجية داعش، وفى رأى هؤلاء يجب عدم النظر إليها بوصفها «ضحية» أو «مجرمة»، بل «دراسة حالة» لظاهرة الأوروبيين المنتمين لداعش، وهى ظاهرة ما زالت تثير ارتباك وحيرة وغضب أوروبا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق