رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخروج من الدنيا

ما هذا الذى جرى لدنيانا حين جاء زمن الكورونا فأصيب الناس بحالة من الإحباط والضياع واليأس، فلقد قلب فيروس مجهرى حياتنا رأسا على عقب، حيث خرج الناس من الحياة أفواجا، وجاء ملك الموت ليقبض الأنفس والأرواح، ورحل عنا الأهل والأحباب، فلقد قتل فيروس الكورونا المستجد ما يزيد على المليونين من البشر، وأصيب أكثر من المائة مليون من الناس بهذا الوباء اللعين.

ارتبكت المجتمعات وهى تشهد إلغاء الدول للفعاليات الاجتماعية والمهرجانات الثقافية والمنافسات الرياضية والنَّدوات الأدبية والمعارض الفنية وغيرها، فوقفت الحكومات والمجتمعات عاجزة متخبطة، لا تدرى أى السِّياسات التى يَجب اتباعُها أمام هذا الوضع الكارثيّ العالميّ. والمؤسف أيضا أن جائحة الكورونا قوضت أركان النظام الاجتماعى وضربته فى مقتل، فتحول البشر من كائنات اجتماعية تعيش على سطح هذا الكوكب، تسعد بالتلاحم والتراحم، إلى كائنات متباعدة، تحذر التلامس والتقارب. وإذا كان الشاعر قد قال قديما إن شر البلاد من لا صديق به، فإن الآية انقلبت، وصارت القاعدة أن خير البلاد من يتباعد فيه البشر عن بعضهم البعض، وتنقطع بينهم السبل واللقاءات.

وأظهرت الجائحة فوق كل ذلك الجانب السلبى فى أخلاق البعض من الأنانية والانتهازية، فزاد الخلل الاجتماعى حين ضربت الجائحة الموازين الاقتصادية فتوقفت عجلة الإنتاج وتغيرت خريطة الأعمال وارتبكت حركة الأسواق، وفقد الناس وظائفهم وضاقت بهم سبل الرزق. وبلغ الخلل مداه حين طالب البعض بإقصاء كبار السن وطردهم من منظومة الحياة ودفعهم للخروج من الدنيا، هكذا ببساطة وبجاحة لاإنسانية، فلو بلغت العقد السابع، فعذرا لا مكان لك بيننا، فلا يوجد سرير للإيواء ولا دواء للعلاج، وربما لا مكان فى المنزل بين الأبناء والأحفاد، عليك الاستعداد لمغادرة الدنيا. ومما زاد الطين بلة أن المغامرين قاموا باستثمار آلام المطحونين والاتجار بهمومهم. وكشفت الجائحة انتهازية السياسيين، فكانت الكورونا مطية السادة وحديث الساسة وأصبحت لاعبا رئيسيا فى الانتخابات والمناكفات السياسية. كما أظهرت الجائحة هشاشة الحماية الصحية والضحالة الفكرية فى العديد من البلدان، فاستمع الناس إلى الوصفات الوهمية، والمؤامرات الكونية، واستبشروا باللقاحات قبل نضوجها. وتحدث السياسيون فى الدول المتحضرة عن مناعة القطيع فكشف التعبير الفج عن رؤية الحاكم للمحكوم!! ونادوا بالتضحية بالجيل السابق من أجل اللاحق، وهكذا فقد تدور الدوائر ليسعى كل جيل لإخراج الجيل الذى سبقه من الحياة!!

هكذا أصبحت الأحوال فى دنيا لا تشعر فيها بالأمان، القيم المجتمعية تقلبت، الأوصال الاجتماعية تفككت، الشبكات الاقتصادية تفتتت، المنظومة الصحية تفسخت، الأنماط السياسية تهرأت، فسيطر اليأس على النفوس، وحلت كآبة كونية على سكان الكوكب.

كان لا بد من تضافر الجُهود لمُجابهة هذه الأزمة العالمية المتمثلة فى خطر الفيروس وتداعياته، فلجأت الدول إلى جميع الأساليب المُمكنة لتوعية المواطنين بخطورة الوباء والتعريف به، ثم لجأوا إلى أساليب أكثر صَرامة كالحَجْرِ الصِّحى الوُجوبى والزَّجْرى والعِقاب للمخالفين للنصائح الوقائية المُعتَمَدة، فرأب ذلك بعض الصدع وإن سبب مزيدا من الخوف والهلع.

تمكن الإحباط من البعض فتدافعوا للخروج من الدنيا، فزادت معدلات الانتحار، فهى ترتبط بالأحوال النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والتى تدهورت كلها فى زمن الكورونا.

ووفقا لبيانات دراسة صادرة عن مركز الوقاية ومكافحة الأمراض الأمريكى، كشفت احصائيات المستشفيات هناك عن زيادة بنسبة 6% فى حالات الإقدام على الانتحار، وارتفاع فى حالات تعاطى المخدرات بلغ 14%، مقارنة بالسنوات السابقة على تفشى فيروس «كورونا» المستجد. وسلط الباحثون، فى هذه الدراسة الضوء على الحاجة إلى احتساب الآثار النفسية على الصحة العقلية الناجمة عن تطبيق ضوابط التباعد الاجتماعى، حيث إن مشاعر الخوف والقلق التى تسيطر على الكثيرين باتت تلقى بظلالها على صحتهم النفسية والعقلية، فضلا عن تأثير الضائقة الاقتصادية. ورجح الباحثون أن تكون تدابير التباعد الاجتماعى قد أسهمت فى التأثير السلبى على الصحة النفسية للكثيرين، لتسبب ارتفاعا ملحوظا فى حالات اضطراب الصحة العقلية، خاصة القلق والاكتئاب منذ انتشار الجائحة فى مارس الماضي.

والمثير أن بيانات «منظمة الصحة العالمية» سجلت أن هناك نحو مليون شخص تقريبًا يموتون كل عام عن طريق الانتحار، مما يجعله عاشر الأسباب الرئيسية للوفاة فى العالم، وأن 75% من حالات الانتحار فى العالم تحدث ما بين متوسطى الدخل وسكان الدول الفقيرة، واللافت أن هناك ما يقدر بنحو من 10 إلى 20 مليون  محاولة انتحار فاشلة كل عام، وهى أكثر شيوعًا بين الشباب والإناث الذين يفقدون الأمل فى المستقبل. ومن ثم شملت الجهود المبذولة لمنع الانتحار علاج الأمراض النفسية وتحسين التنمية الاقتصادية. جلب التقرير الذى يرصد العلاقة بين الجائحة ومعدلات الانتحار أبياتا كتبها الشاعر العربى القديم حين زهد الحياة، فنادى الموت:

يا موت ماذا تبتغى خذنى إليكَ لكى أقَرْ

يا موت ماذا ترتجى خذنى إلى ذاك الممَرْ

يا موت هيا ضمنى خذنى إلى دار المقَرْ

كما جذب ذلك الشعور اليائس إلى خاطرى القصة المدرسية القديمة للكاتب الفرنسى لا فونتان عن محنة الحطاب الفقير الذى يمر بضائقة تشبه محنتنا فى هذه الأيام، فهو يصارع الحياة، يحاصره الفقر ويجهده التعب وتحبطه المعاناة، يمشى الرجل الطاعن فى السن محنى الظهر فى إرهاق شديد، يحاول كسب بعض النقود ببيع الحطب الذى يأتى به من الغابة. أرهقه الحمل الثقيل والتعب المضنى والألم المبرح، فوضع حزمة الحطب جانبا على الأرض، وبدأ يتذكر مسيرة حياته منذ ولادته متسائلا: هل يوجد من هو أفقر منى فى هذه الدنيا؟العمل الشاق! لا راحة! الزوجة! الأطفال! الديْن! الضرائب! الحياة صعبة. لم يجد الحطاب حلا لمحنته وهو يرى حزمة الحطب الثقيل على الأرض إلا ان ينادى الموت. جاءه الموت مسرعا قائلا: قل ماذا تريد أيها الفقير؟! فيجيب الحطاب متلعثما، لا لا شيء، دعوتك فقط لكى تساعدنى فى حمل حزمة الحطب ووضعه على ظهرى وليس لشىء آخر. الحياة غالية مهما تصعب، ومهما تحاصرها الجائحات، فهى منحة الإله، ولن نخرج من الدنيا إلا بالميعاد.

 

> جامعة الإسكندرية


لمزيد من مقالات د. شريف قنديل

رابط دائم: