رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأب بهاء طاهر.. نقطة النور

قال لها: مرتبك على جزمتى.

فقالت: إذن دعه لى.

قال: ستأخذينه مع ورقة الطلاق.

سألت: أنت تهددنى..؟

فصرخ: أنت طالق.

كان ذلك فى الصباح. فى الغرفة الراكدة بهواء الأمس. وقف الزوج بالقميص والبنطلون يلوح بربطة العنق وقد احتقن وجهه المدور، بينما كانت الجاكتة فى الشماعة ملقاة على الملاءة القذرة المتكورة. وجلست الزوجة السمينة على طرف السرير وهى تتكلم بصوت خافت وتعبث بكم الجاكتة ووجهها للأرض. وعندما طلقها خطف الجاكتة وارتداها بسرعة وصفق الباب وراءه وهو يخرج من البيت.

ذهبت إلى بيت أبيها بعد الظهر محمرة العينين من البكاء فى المكتب. وأفتى أبوها بعد الغداء وهو يلبس جلباباً مقلماً وطاقية من قماش الجلباب بأن الطلاق الشفاهى باطل. وعندما حولت ابنته أنظارها الشاردة عنه وبدأت تكلم أمها حاول مرة أخرى فقال إن شيخاً مهماً جداً أفتى بذلك فى برنامج «نور على نور». ولكنه وجد الأم والابنة منهمكين فى الحديث، فشعر بعدم أهميته وبأن أحداً لا يريده، وانسحب إلى غرفته وهو يسعل سعالاً مفتعلاً.

قالت الأم وهى تمد نحو ابنتها ذراعاً ضخمة مزدحمة بالأساور الذهبية المدورة:

ـ لو سمعت كلامى لما حدث ما حدث.

فقالت الابنة: تعلمين أنه لا يريد أن ننجب الآن.

سألت الأم: وهل تحتاج هذه المسائل إلى استئذان

فردت الإبنة: هو حريص. يحتاط دائما.

رجعت الأم فى كرسيها ذى المسند المذهب وأسندت رأسها عليه وهى تتنهد وقالت:

ـ ابنتى خائبة.

بدأت ابنتها تبكى من جديد فقالت الأم بلا مبالاة:

ـ لا تبكى. فى الليل سيعود كالكلب ويقبل الأقدام.

عاد فى الليل. ولعبت الأم مناوراتها المعتادة. تركته فى غرفة الجلوس بمفرده فترة طويلة ثم دخلت وحدها فى تثاقل وعدم اكتراث وسألته إن كانت معه ورقة الطلاق أم تستدعى هى المأذون. شرح هو أنه لا يقصد وأن المسألة ترجع فى الحقيقة إلى أن دمه متغير قليلاً هذه الأيام. فقالت الأم إن من يتغير دمه فإنما يتغير دمه على نفسه ولا ينبغى أن يتغير على بنات الناس.

وبعد التعنيف، والاعتذار، وبعد أن ذكرته بأن من بين من تقدموا لابنتها قبله فى حقيقة الأمر الطبيب والمهندس، وبعد أن دخلت الابنة وتمت الوعود المتبادلة بالتفاهم فى المستقبل جاء دور الأب فدخل الغرفة وبدأ يحكى حكايات عن التفاهم، وكيف أنه ظل طوال ثلاثين سنة يحل مشاكله مع زوجته بالتفاهم، ونظر لها لتؤكد ذلك ولكنها كانت تضع يدها على خدها وتنظر للأرض وبدا واضحا أنها لا تسمع شيئا مما يقول. وانتهى الأمر بأن خرجت الابنة مع زوجها.

فى الشارع كان الهواء بارداً، وسار إلى جانب زوجته صامتاً وهو ينظر للسماء. كان الهلال رفيعاً كحاجب امرأة ونجوم كثيرة كالجدرى فى السماء.. وفكر بأن كل شيء فى الحياة قبيح ومحزن.

قال لزوجته وهما يسيران فى الطريق المظلم: أمك هذه.. سوسة.

فقالت الزوجة بصوت متعب: سنبدأ من الآن؟

ـ لا، ولكن أريدك أن تعرفى. كانت وقحة، ولكننى سكت من أجل أبيك الطيب.

ـ لا داعى لهذا الكلام الآن. سنتفاهم فى البيت.

بدأ يتفاهمان فى الفراش، هامدين ومرتخين. كان يضطجع على السرير رافعاً وراء رأسه وسادة وقد راح يدخن سيجارة ونامت هى على ظهرها يغمر وجهها العرق. راحت تفكر فى أيامهما الأولى وكيف كانت سعيدة، لم تكن سمينة كما هى الآن، وكانت تنام ورأسها فى صدره وهو يحيطها بذراعه ويتكلمان باستمرار طول الليل. الآن لا يجدان شيئا يقال. ما الذى يجب أن تفعله لتعود الأمور كما كانت؟

قالت فى صوت خافت: أنا أسفة بسبب ما قلته فى الصباح عن مرتبى.

فقال: بالعكس. معك حق، أنا المخطئ. يجب أن ندبر أمورنا أنا لا أرضى أن تبقى زوجتى بفستان واحد فى الشتاء.

ـ سأوفر من مصروف البيت.

ـ لا، هذا لا ينفع. سأمتنع عن التدخين.

ـ تعلم أن هذا مستحيل، يكفى أن تقلل منه.

ـ نعم.

وسكت قليلاً ثم قال: لم لا ننجب طفلاً؟

رفعت رأسها قليلاً، وحاولت مندهشة أن تتبين وجهه فى الظلام، وقالت فى حذر:

ـ كيف، ونقودنا لا تكفينا وحدنا؟

ـ لن يزيد طفل واحد شيئاً، وأنت تريدينه من زمن. ما حقى فى أن أحرمك منه؟

سكتت متحيرة وراحت تفكر فيما يقول. ما قصده؟

ما هو.. فأنهى سيجارته ورقد واضعا الوسادة فوق رأسه وفكر: الآن انتهى كل شىء على الأرجح. سيعطيها الطفل، وسوف تسعد به، وسيظل مشدوداً للوظيفة والبيت، ولن يسافر فى العالم كما كان يحلم. سوف تحيط به الشبكة كاملة. لقد حاول أن يتجنب هذه الشبكة، ولكن بلا فائدة. كانت معدة له من قبل، ولم يكن عليه إلا أن يقع فيها. كانت فتاة جميلة تقف على محطة الأتوبيس فابتسم لها: صباح الخير، نحن جيران هه؟.. أهلا وسهلا.. نمشى للمحطة التالية سيكون الأتوبيس أهدأ.. ممكن نتقابل بعد الظهر؟.

سينما ريفولى فيها فيلم رائع.. أحبك.. وأنا أيضا، أفكر فيك طول الوقت.. متى ستتزوجنى؟..ليس الآن، عندى ظروف.. لماذا لم تجىء بالأمس؟.. مشاغل.. تهرب منى؟.. أبدا والله.. لو تركتنى أموت، متى ستتزوجنى؟.. ثم الرسالة: «غبت شهراً، سوف أنتحر».. ثم اللقاء، والدموع: متى ستتزوجنى؟ فى الحقيقة ليس معى نقود.. نقود؟ لا تهتم. وأمها لا تهتم، نحن لا نبيع ابنتنا.. ولكن الجهاز؟.. لا تهتم سيكون لها أحسن جهاز.

وأين كانت المصيدة؟ فى الجهاز؟.. فى رسالة الانتحار؟... فى ابتسامته الأولى؟.. وما فائدة كل هذا الآن؟

قام فى بطء وراح يرتدى ملابسه. سيخرج الآن ويتمشى وحده فى الليل، ويفكر فى كل شىء: سيفكر فى الأشياء العديدة التى كان يريد أن يعملها وفى الأشياء القليلة التى حدثت. وكان يظنها نائمة عندما رأى صدرها الضخم يعلو ويهبط بانتظام ولكن عندما

استعد للخروج سمعها تقول:

ـ أين ستذهب الآن؟

فكذب: سوف أشترى شيئاً اكله. أنا جائع. تعلمين أنه لم يكن عندنا طبيخ اليوم «وضحك».

فقالت بصوت ناعس: سوف تتأخر الليلة كالعادة.

ـ لا، لن أتأخر.

انقلبت على جنبها وغمغمت: أنشغل.. أنشغل عليك عندما تتأخر.

ـ لا داعى لأن..

ولكنها كانت قد نامت على كلماتها المألوفة، فنظر إليها لحظة، وضحك بصوت خافت وهو يطفئ نور الغرفة ويخرج.







بهاء طاهر نقطة النور ساحـر
ساحر أنضج مشروعه على مهل


سعد القرش




قبل لقائى ببهاء طاهر سمعت عنه كثيرا، ولكن أحدا من جيله لم يذكر القدرة غير العادية لنظرته النافذة إلى ما وراء المنظور، إلى الروح، ربما إلى ما تفكر أنت فيه، فلا تستطيع المراوغة. قبل اللقاء كان اسمه يرد فى محاورات كنت طرفا فيها مع أبناء جيله: عبدالحكيم قاسم خاصمه ثم صالحه ولكنه يعرف قدره، رجاء النقاش يحبه، فاروق عبدالقادر الذى لا يحب رجاء النقاش يتفق معه فى محبة بهاء، نبيلة إبراهيم ترى إبداعه نموذجا للسهولة الخادعة، صافى ناز كاظم تهوّن من كتابته. فى ذلك الوقت كان يقترب من الستين، وليس فى رصيده إلا ثلاث مجموعات قصصية: «الخطوبة» 1972، و«بالأمس حلمت بك» 1984، و«أنا الملك جئت» 1985، وثلاث روايات: «شرق النحيل» 1985، و«قالت ضحى» 1985، و«خالتى صفية والدير» 1991. وفى لقائنا الأول، لا أذكر متى بالضبط، وما يتأكد لى أنه قبل وقت كاف من صدور روايته «الحب فى المنفى» التى اصطحبها عام 1995، وعادا من غربته. ما أذكره بدقة أن اللقاء كان فى شهر يناير فى معرض القاهرة للكتاب، وسألته لماذا هو مقلّ، كأنه يتعمد ذلك؟ وكانت إجابته حاضرة، فلم يتكلم عن نفسه، وإنما ذهب بعيدا، إلى ابن المقفع الذى حجز لنفسه مكانة فى الأدب العربى بكتابىْ «كليلة ودمنة» و«الأدب الكبير والأدب الصعير»، فالكثرة والإغراق يدلان أحيانا على الفراغ.

ما لم يذكره لى أى من أبناء جيل بهاء هو الذكاء الحادّ، به يتفوق عليهم. يجيد الإنصات، ويعرف متى يتكلم، ومتى يقترب أو ينأى عن الصغار والصغائر، وكيف يرفع ثيابه فلا تلوثها معارك صغيرة. بحكم دراسته للتاريخ يأخذ نفسه بالشدّة، يعى أن الكتابة أطول عمرا من الكاتب، وتظل شاهدة عليه، بعد أن تطوى طيّ السجل؛ فيسائل الحرف والكلمة والجملة، لا فرق فى دقة تبلغ درجة الخوف والوسوسة بين نص سردى ومقال. وفى مجلة «سطور» كنت أتلقى مقالات يكتبها بعد مجاهدة، بالقلم الرصاص. وتحتفظ الأوراق بمباراة بين حذف وإضافات، شطب هنا، وسهم هناك يضع لفظا بديلا للمحذوف. بهذه الشدّة راهن بهاء طاهر على ما ينفع الناس، على ما يبقى بعد زوال الزبَد. ولعله من منفاه الاختيارى بسويسرا راقب، فى صمت ودهشة، صعود ظواهر مفتعلة، لا يزال أصحابها يقاومون النسيان بإلحاح إعلامى مبتذل يبلغ حدّ التشبع والملل والشفقة. والبعض سقط فى بئر عميقة يصعب انتشاله منها. أبرز سواقط القيد لا نعرف إن كان حيا أو ميتا، وكان الأكثر حظا وشهرة، إذ كتب يحيى حقى مقدمة روايته الأولى، وأخرجها صلاح أبو سيف للسينما، وحظيت أعماله برواج جماهيرى استثنائى، من سخونة المطبعة إلى السينما. وثانى سواقط حيّ، يرزق من سعة، ويطل بفجاجة من مقعدة بالعربة الأخيرة لقطار الحكومة، وقد شبط فى لحظة اختفاء القضبان.

فى ركن قصيّ، تمهّل بهاء فى إنضاج مشروعه، مراهنا على الزمن، فما يبقى بعد فورة الفيضان، هو اللؤلؤ. قرأ روايتى «حديث الجنود» «1996»، وقال: «لا تكن بخيلا، بعض المواقف الدرامية يلزمها إشباع». ونصحنى بالاحتشاد لمشهد نهاية الرواية، وفى عام 2002 أخبرته فى دردشة تليفونية عابرة بانتهائى من روايتى «باب السفينة»، وطلب قراءة المخطوطة. ثم دعانى إلى بيته، وذهبت مساء حتى منتصف تلك الليلة الرمضانية. هنأنى وأبدى ثلاث ملاحظات وافقته على اثنتين، وشكرته. سألنى: «زعلت؟». قلت: «إطلاقا، لسببين: دقة الملاحظات التى لم تكن مضطرا لذكرها، وأنك بهاء طاهر الذى لم يعهد عليه إلا الصدق». صمت وقال: «لأنى أزعل لو قيلت لى مثل هذه الملاحظات!»، وضحكنا. ثم جمعتنا مصادفة بأتيليه القاهرة، وسألني: لماذا لمَ أسأله عن رأيه فى روايتى «أول النهار»؟ وقد صدرت فى نهايات عام 2005. وقلت: أنا مثلك، لا أفعل ذلك مع مَن طلب نسخة، أو بادرتُ بإهدائها إليه، ليس أصعب من هذه المطاردة، ولعلك تعانى سماجة من يلحّون. وكنت فى انتظار بدء ندوة لمناقشة الرواية، بمشاركة كل من الدكتور محمد عفيفى وأمينة زيدان وأسامة عرابى. قال بهاء: «غلطان، كان يجب أن تدعونى لأستعد، لابدّ أن أشارك». وفاجأنى بكلام أخجلنى، وليس لديّ تسجيل صوتى له، ولكن أسامة عفيفى نشر تغطية للندوة فى مجلة «الموقف العربى» فى 17 يناير 2006.

مما نشرته مجلة «الموقف العربى» على لسان بهاء طاهر أن هذه الرواية» نوع من الكتابة الجديدة تماما. التاريخ الفانتازى، هذا ليس التاريخ الذى يحال فيه إلى العصر المملوكى أو إلى العصر العثمانى أو إلى العصر الحديث، هو نوع من التاريخ الفانتازى الذى اشتركت فيه مخيلة المبدع مع أصداء تاريخية دخلت فى وجدانه، وأعاد كتابتها فى صورة الفانتازيا الخلابة. هذه الرواية أجدها رواية فاتنة ورواية جديدة بكل معنى الكلمة، فهى إبداع جديد فى مجال التاريخ الفانتازى الذى لا أعرف هل كتب أحد فيه قبل ذلك أم لا؟ لكن التاريخ الفانتازى الذى أبدعه فى هذه الرواية يجدر أن نحييه عليه. أيضا دخول عنصر الأسطورة، وهى ليست الأسطورة التى ترجع إلى أسطورة معينة لا من ألف ليلة وليلة ولا من الأساطير اليونانية، فهى أسطورة من تأليف سعد القرش، فهى صياغات فانتازية وأسطورية من إبداع الكاتب نفسه، لذلك من الصعب اعتبارها رواية تاريخية أو رواية سيكولوجية». وسوف تجمع مصادفة أخرى بهاء طاهر بهذه الرواية، إذ فوجئت بما نشرته ماجدة الجندى فى صحيفة «الأهرام»، 12 مارس 2008، بوجود «أول النهار» فى القائمة الطويلة للدورة الأولى للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر 2008»، ضمن ستّ روايات مصرية، وهى القائمة الوحيدة فى تاريخ الجائزة التى لم يعلن عنها إلا فى حفل منح بهاء طاهر الجائزة عن «واحة الغروب».

رشح رجاء النقاش لجائزة مبارك، لا أتذكر بالضبط فى 2006 أو 2007، ولم يكن متفائلا بالفوز. وطمأنته بأن أغلب أعضاء المجلس الأعلى للثقافة أصدقاؤه، ويعرفون إنجازه، وضربت مثلا ببهاء، فقال لى النقاش بأسي: «بهاء طاهر مخلص لمؤسسة واحدة اسمها بهاء طاهر». ثم رشح رجاء للجائزة، وكان بهاء أيضا مرشحا فى السنة نفسها للجائزة، وبسلوكه الحسن وجّه الجائزة إلى اسم رجاء النقاش الذى توفى فى فبراير 2008، إذ أعلن بهاء يوم التصويت على الجائزة، فى يونيو 2008، تنازله عن الترشح للجائزة، وكرّس بذلك لأحقية رجاء النقاش بها، وكانت تلك فرصة رجاء الأخيرة؛ فقد رشح للجائزة وتوفى قبل التصويت، ولا يرشح للجائزة إلا من هم على قيد الحياة، ولو ضاعت الفرصة فلن يقترن اسم رجاء بالجائزة. وفى العام التالى، 2009، لم تكن مفاجأة أن يفوز بهاء بجائزة مبارك، للاستحقاق الأدبى، وردّا على سلوكه النبيل إزاء اسم رجاء النقاش فى العام السابق. وخلال ثورة 25 يناير عادت الجائزة إلى صدارة الاهتمام، وفى كتابى «الثورة الآن» فصل عن موقعة الجمل، 2 فبراير 2011، عنوانه «الأربعاء الدامى.. الثورة تختبر، وبعضهم سقط»، ذكرت فيه اتصالى ببهاء طاهر، وأننى اقترحت عليه أن أكتب باسمه بيانا يرفض جائزة مبارك. ضحك وسألنى: ومن أين أعيد قيمتها المادية؟ قلت إن الرفض الرمزى أقوى، ونحن بحاجة إلى إحراج نظام مبارك وزلزلته.

قلت إننى سأصوغ بيانا يفيد بأنه قبلها، باعتبارها جائزة مصرية، «والآن، وقد أهدر نظام مبارك دماء المصريين الطاهرة، فإننى أرد هذه الجائزة بكل راحة ضمير». بثّت رويترز البيان، وبعد يومين اتصل بى بهاء، وأنا أوشك أن أدخل ميدان التحرير، وقال إنه كان ضيف برنامج تليفزيونى قبل قليل، وأثنى عليّ. شكرته، وأتبع موضحا: «لم أذكرك بالاسم، ولكنى قلت إن كاتبا شابا هو صاحب اقتراح رفض الجائزة». هناك صنف من الناس لهم حضور خاص، لا تخطئهم العين ولو من غير معرفة سابقة، من هؤلاء بهاء الذى بحثت عنه الأضواء بحثا فى الثورة، من دون قصد أو تخطيط. وأكاد أعذر معظم أبناء جيله، وهم يحقدون على هذا الذى غاب طويلا عن مصر، ثم عاد كعصا موسى، وفى مارس 2010، كنت فى أبوظبى وشهدتُ بعضا من هذا الحسد. كنا، الدكتور فيصل دراج وأحد كتاب الستينيات وأنا، نتمشّى ليلا فى حديقة الفندق، وتكلم الكاتب عن كاتبيْن مصرييْن بضيق مستحق، فقلت له: «اللى حضّر العفريت يصرفه»، وضحك فيصل دراج، فأكملت: «أنت أسهمت فى صنعهما». ثم ذكر اسم بهاء طاهر، وكنت أظنه صديقه بحق، وقال بدهشة: «سى بهاء يتصرف باستعلاء، هم يعدّونه ليكون خليفة نجيب محفوظ». لم أسأله من يكون «هم»، وقدّرت ما يمكن أن يذهب إليه الضعف البشرى. وتخيلتُ بهاء أمامى، وقلت: منك لله أيها الساحر.



كتابة الظل لا الضوء

سيد محمود



لا أعرف بالضبط متى تعلقت بكتابات بهاء طاهر ولا أعرف متى كانت المرة الأولى التى التقى فيها معه لتنمو بيننا بعدها مساحات الألفة التى افتقدها الآن بعدما حجبته ظروف العزلة. كل ما أتذكره أنه ذات مساء قبل نحو 30 عاما وقعت فى يدى روايته البهية «قالت ضحى» فى طبعتها الأولى وما أن انتهيت منها، حتى شعرت برغبة عارمة فى البكاء، وفى الليلة التالية أعدت قراءة الرواية ودونت حول سطورها بعض التعليقات بشأن»ضحى» التى كانت «المرأة الاستثناء» لكنى أحببت بطلها «سيد» ودافعت عنه وأنا أقرأ وصف أحد النقاد له بأنه «شخصية كاذبة» لأن صدقه الإنسانى كان ساطعا فى روحى. ومن بين تلك التعليقات التى كتبتها، عبارة وصفت فيها الرواية بأنها «مصنع كبير للحزن» ولا أزال متمسكا بهذا الوصف بعد أكثر من عشرين قراءة،وعقب نقاشات كثيرة حولها مع مؤلفها ومع الأصدقاء الذين رافقوا خبرة القراءة الأولى. رأيت «بهاء» للمرة الأولى فى اتيليه القاهرة وكنت أقف بين عشرات الشباب الذين شغلوا حديقة المكان وهم يستمعون إليه يتحدث عن مجموعته الفاتنة: «أنا الملك جئت» كان أنيقا وهادئا وفى نبرته السمو الذى تأكد لى بعدها بسنوات. وكانت تلك الليلة ساطعة عنده أيضا فقد قال لى ذات حوار: «إن ندوة الأتيليه منحته الكثير من الثقة بأن لديه جمهورا يتابع كتاباته،على الرغم من وجوده فى الغربة».

ومن أغرب المفارقات أن اول مادة صحفية طلبت منى لتنشر بشكل احترافى كانت حول الطبعة الاولى من أعماله الكاملة، فقد رشحنى صديقى الكاتب ياسر عبداللطيف للناقد الراحل إبراهيم منصور لأكتب عنها فى باب كان منصور يحرره بمجلة الهلال.

وعلى الرغم من أن الرجل غادر موقعه قبل نشر المقال إلا أنه وبكرم معتاد منحنى رقم بيت بهاء وقال لي: «اتصل به، أنا حكيت له عن مقالك واتبسط».

كانت المودة التى تسربت من حديث الأستاذ خلال أول لقاء كفيلة بأن تمنحنى ثقة فيما أفعل، بساطة لم تبدد الهالة التى رسمتها لشخصيته قبل التواصل معه، لكنها كانت تؤكدها وتمنحنى الجرأة التى كنت أحتاجها لأتجاوز ترددى، كلما كنت بحاجة لاستطلاع رأيه والاستئناس به واقتنعت تماما أنه رجل «طاهر» يعيش بيننا بـ «بهاء» نادر. تدريجيا صار البحث عن كتاباته،وما ينشر حولها هاجسا شخصيا،وكان السفر داخل وخارج مصر يهيئ لنا فرصا دائمة للنقاش المتبادل. ولا أزال أعتقد أن اللغة هى سره الأكبر،فهو بوصف يوسف إدريس الذى قدم مجموعته الأولى «الخطوبة» كاتب العناية المركزة «لا يقلد أحدا ولا يستعير أصابع أحد». وفى تلك الجملة إشارة ذكية لأصالة عالمه الفنى على نحو يفسر شعبيته الجارفة بين الاجيال الجديدة بما يعزز فكرة أن الكاتب الأصيل ينتمى لكل الأجيال.

لا يجد قارئ كتاباته كلمة زائدة أو سطرا فى غير موضعه، لأنه خبير فى فن الحذف وتشعر مع نصوصه بأنها محاطة بالكثير من الحنين وفيها صقل للحزن الكامن ولا يمكن التعرف فيها على مصادرها، فهى كتابة للشجو والشجن، وموضوعها الظل لا الضوء،ينحاز كاتبها إلى اللحظات الخريفية ويمجدها ويعمل على تثبيتها.

فى الكتابات الكثيرة حول أدب صاحب «الحب فى المنفى» هناك إلحاح على مجموعة من العلامات التى تحيط بعالمه الفنى وتخصب رؤيته للعالم، و العلامة الاولى تتعلق بانشغاله بفكرة البحث عن العدل، فقد تعلم بهاء درس العدل من طه حسين الذى عده المعلم الاول،كما يشير الى ذلك فى كتابه «أبناء رفاعة»، ولما قرأ «الأيام» تعلم منها أن الفقر جرح دائم لا يجوز إخفاؤه، وظل يلح على مسألة العدل الاجتماعى فى معظم أعماله وأراده مفتاحا من مفاتيح الدخول إلى عالمه الرحب.

لم يأخذ هذا الانحياز كتاباته فى سياق الالتزام الأدبى بالمعنى الصارم الذى أرادته الواقعية الاشتراكية لتجعل منها كتابات تبشيرية،فقد جاء ضمن جيل يبشر بالحساسية الجديدة،غير بعيد عن تأثيرات تيار الوعى أوالنزعة الكافكاوية ولذلك تطور مفهومه عن الالتزام ليأخذ مسارا انسانيا لتصبح الخطابات المضمرة فى أدبه تنتصر للمقهورين الذين خذلتهم الدنيا وقهرتهم الأيام وكسرت أحلامهم، فالحياة صفعة ممتدة من لحظة الميلاد إلى القبر كما أن كل انسان مرتهن بضروراته، لذلك لا غرابة أن تجد أغلب أبطاله ينشغلون بالموت وربمأ يصل هذا الانشغال الى درجة الاحتفال وانظر مثلا فى ابطاله «حشمت/ بالأمس حلمت بك» أو الدكتور فريد فى «أنا الملك جئت» وصفية «خالتى صفية والدير»، أو «محمود»/ واحة الغروب البطل ممزق الذى يبحث عن هويته فلا يجدها إلا وهو يموت، وكل هؤلاء يتأملون الموت ويدفعون ثمنا له ويمجدون فكرة الفداء كما فى «شرق النخيل» وهناك من يدفعون الأثمان القاسية لحب غامر لا يكتمل أبدا، ف«قالت ضحى » رواية عن خريف الثورة وبريجيت بطلة «الحب فى المنفي» اشارة لزوال معنى التضامن الإنسانى وفكرة الالتفات إلى ألم الآخرين. ولكن هذا الزوال يزيد دائما من إلحاح الكاتب على مسألة التواصل الانسانى فيجمع بين أبطال من ديانات أو جنسيات مختلفة ليعكس صورا مختلفة من أنماط الاغتراب أو تحديات الهوية للتدليل على مأزق «المصير المشترك».

وفى أحيان أخرى تقذف التجربة بأبطاله المؤرقين بالعدل إلى العزلة أو الانكسار ويكفى هنا أن نتأمل مصائر بطل «واحة الغروب» أوبطل، «أنا الملك جئت» وكما كان الخلاء لدى نجيب محفوظ يمثل حلا للقفز فوق تناقضات الواقع وحسمها فإن الصحراء تهب أبطال بهاء طاهر دائما هذه الفرصة بسخاء للتحرر واعادة صياغة الذات وتضفى على نصوصه مسحة صوفية لا يمكن تفاديها،.

أحب بهاء طاهر التاريخ ودرسه أكاديميا واستعمله كفضاء سردى يتسع لصياغة أسئلة الحاضر وآمن بأن التاريخ لا يموت، بل تتجدد دوراته وهو فهم مستنير امتد من التخييل للكتابة التى تفيض بالتأملات الفكرية والتاريخية، كما فى «أبناء رفاعة» الذى هو كتاب عن انقطاع خيط الاستنارة وعبر انشغاله بالتاريخ أخلص الكاتب لدروس نالها من عالمين كبيرين، الاول: المؤرخ الأكاديمى الدكتور محمد أنيس، والثاني: هوالكاتب الراحل محمد عودة اللذين كانا أول من دله على الضابط محمد عبيد بطل ثورة عرابى المغدورة وفى اعتقادى أنه الملهم الاول لـ «واحة الغروب» التى لا يمكن إلا أن تقرا بوصفها رواية عن خريف لا يرحل أبدا وأمل لا شفاء منه.

 

وإنى سميتها «ضحى»

اشرف عبدالشافى


ضحى.. أى فتاة تلك يارب العالمين التى تلهث خلفها أنفاسى ويلاحقها البطل فى الرواية حبا وغراما واحتراما وتقديرا وعشقا!، ضحى التى تعلمتْ العزف على البيانو وقرأت الروايات والقصص وحفظت معالم مصر وتاريخ قصورها وجمالها المعمارى قبل أن تأتى ثورة يوليو لتهدم الكثير منها.

ضحى التى امتلكت ناصية الكلام والثقافة وجاءت للعمل موظفة فى إحدى إدارات الترجمة المملوكة لدولة عبدالناصر، وهنا فى هذا المكتب المتواضع بعد أيام العز والثروة والجاه ستجلس فى مواجهة البطل: «تأتى المكتب دوما وهى تحمل كتبا وروايات فرنسية، أشعارا صينية مترجمة ومسرحيات يونانية قديمة وكتبا عن النحت، عن النبات، عن التاريخ.. تقرأ بنهم وترفع رأسها بين وقت وآخر لتقرأ لى بيتا من شعر أو جملة من حوار»، وكلّما مرّ يوم ازداد حضورها فى قلب صاحبنا الذى يعرف أنها متزوجة وأن موقفه غاية فى الصعوبة أمام شخصية بهذا الشكل من الاحترام والوعى، فوقع فى حيرة كبرى: «فكرت أن أطلب نقلى من المكتب.. ربما كان ابتعادى عن ضحى وسيلة لنسيان ذلك الحب الميئوس منه.. أظل معها فى المكتب بمفردنا ولا استطيع أن أصارحها ولا أن أعترف لأحد بهذا الحب غير المشروع.. وفى قرارة نفسى كنت أعرف أننى لن أطلب نقلى،كنت أستحث النهار أن يطلع كى أراها ولكى أعيش تلك الساعات من الحيرة.. جربت كل شىء، الانهماك فى العمل.. صرت أخلق أعمالا غير مطلوبة أنظم الملفات المركونة وأعيد رسم خرائط تنظيم الإدارة.. جربت أن أشرب أحيانا بالليل ثم كففت.. أن أمشى فى الطرقات.. وظل الخلاص من غرامها صعبا، كيف يقاوم فتاة تصنع الحياة من العدم وتعيد ترتيب الوجود كلما مشى بجوارها: «وكانت ضحى تقول ليست الشجرة خُضرة وظلاً فقط.. الشجرة تناديك أن تصعد معها إلى أعلى،لا بعينيك وحدهما، ولكن لتكون أنت السر الذى يصعد فى جوفها فتورق أغصانها وتحلق أنت بأجنحة خضراء للسماء.. رأيت بالطبع من هن أجمل من ضحى، ولكن عندما تتكلم لم أكن أعرف من يشبهها،أحملق فيها وأخفى دهشتى وأخفى حبى».

وضحى التى جاءت المكتب حاملة همومها على ظهرها تتوجس من الرجال وتخشى الثقة فى أحدهم، خرجت من قفص والدها الذى أراد لها أن تكون بديلا عن إنجابه الولد أرادها دمية يُحركها ليرضى غروره ويتباهى بها بين أقرانه، فهربت منه إلى قفص الزواج من شاب وسيم مدلل من النساء،كان يريدها الزوجة الذكية الجميلة التى تقيم الحفلات والولائم وتنجب له الأولاد بينما يعيش حياته الخفية اللذيذة بعيدا عنها!، وتكفلت «ضحى» وسط كل هذا بحماية كبريائها واحترام ذاتها.

ضحى هى أيقونة جيلى التى أهداها إلينا بهاء طاهر فى قالت: «ضحى» وخرج اسمها من بين الصفحات حيا نابضا يراود خيالنا ويوافق أمزجتنا ويرضى غرورنا ويعالج أمراضنا تجاه الأنثى، منحها بهاء طاهر القوة وألبسها ثوب الطفولة والجمال والبراءة والثقافة والوعى والثقة.. والقوة أيضا: «جميلة ضحى.. طويلة القامة.. وجهها متناسق الملامح.. لكن عينيها كانتا هما حيرتى، يعلوهما حاجبان طويلان، وكثيفان إلى حد ما، بامتداد العينين الواسعتين، لم أرها يوما تهتم بتزجيجهما أو تسويتهما، وكانا مع أهدابها الطويلة يعطيان إيحاءً بأن هاتين العينين مكحولتان باستمرار».. ومع ذلك فنادرا ما كانت ضحى تستعمل المساحيق والأصباغ فوق «بشرتها الشفافة».

على المقاهى المحدودة والمعروفة فى وسط القاهرة منتصف التسعينات ومع الصدى الواسع لـ «قالت ضحى» كان من الصعب أن تجد صديقا لم يقرأ الرواية، فكل ما فيها بسيط وجمال وآخاذ، ووسط حماسى الزائد دائما لكل ما هو جميل قلت لصديقى الشاعر «سيد محمود»: نفسى أخلف بنتا واسميها ضحى.. وقال هو: وأنا كمان يخرب عقلك، وخرب عقلى بالفعل وتزوجتُ قبله بعامين تقريبا وسبقته فى إنجاب البنت « ضحى».

لم يكن مسموحا لعقلى الباطن التفكير فى اسم لطفلتى غير «فريدة»، هكذا يقول وجدانى أيضا، هى أمى وتخليد اسمها فرض قلب، لكن ماذا فعلت بالأسماء يا ضحى؟، من أين جاء بريق عينيك وتسرب إلى قلبى؟!، قالت أمى رحمها الله «الضحى ده بتاع ربنا»، اعتبرت ذلك إذنا وتصريحا يريح ضميرى وأنا أكتب الضاد المضمومة مع الحاء الواضحة الحادة لتسحبهما الياء رافعة رأسها لأعلى.. هكذا.

وبالأمس وأنا أطلب منها الرواية التى تحتفظ بها فى مكتبة غرفتها وسط كتب السينما والمونتاج، نظرتُ إليها طويلاً، وتعجبتْ هى بعينين قويتين ضاحكتين: مالك يا بابا!، ولم يكن مالى، وإنما ثروة حياتى كلها، لم اهتم سوى بذكريات صغيرتى التى تجسدت فى لحظة أمامى حتى إن ثاء طفولتها الزائدة التى كانت تشبه السكر خرجت من بين فتحات أسنانها التى كانت صغيرة جدا ومحندقة جدا ومتكسرة جدا، فى ليلة من تلك الليالى البعيدة حملتها بين ذراعى إلى أتيليه القاهرة لأقول لبهاء طاهر «هذه ضحى يا عم بهاء»، وضحك الرجل الجميل خجلا وتواضعا وقبلّ جبينها الوضاح،ربع قرن مضى تقريبا،قلتُ لنفسى لقد كبرنا،وأخذتُ الرواية ومضيت متباطئ الخطوة لأستمتع بمرور عينى ضحى على ظهرى الذى انحنى قليلا. ومازال يستمع لتساؤلاتها عما اعترى والدها.


ملامح من عالم بهاء طاهر

د. حسين حمودة


على تنوع كتابات بهاء طاهر، وعلى امتداد الرحلة التى قطعتها، منذ الستينيات وحتى سنوات قريبة، فإنها جميعا تنهض على سمات متقاربة وملامح متجانسة، كلها تشير إلى نوع من «وحدة العالم». منذ قصته الأولى «الخطوبة»، وحتى آخر ما كتب، نستطيع أن نلاحظ اهتماما واحدا بقضايا بعينها، وأن نشهد حرصا ممتدا على صياغات فنيّة خاصة، كما نستطيع أن نجد أنفسنا، عقب الانتهاء من قراءة كل عمل من هذه الكتابات، فى حالة متعة مشرعة على تأملات فى تجربة إبداعية مسكونة بجمال هادئ، حافلة فى أحايين كثيرة بالأسئلة والتساؤلات.

................

فى هذه الإطلالة الخاطفة، على عالم بهاء طاهر الذى يستحق ما هو أكثر تأنيّا وتفصيلا من مجرد إطلالة خاطفة، يمكن الإشارة إلى بعض هذه السمات والملامح التى تبدو علامات راسخة على كل ما كتب.

من هذه السمات والملامح ما يبدأ من الاهتمام بالأوضاع العربية التى تدفع الإنسان الفرد إلى ما تدفعه إليه، وبما يستدعيه ذلك من حضور لوقائع محددة التواريخ أحيانا، ثم بما يقود إليه ذلك من إقامة نوع من التفاعل والتجاوب بين هذه الوقائع العامة، من جهة، وحياة الإنسان الفرد، الخاصة والشخصية، من جهة أخري. والاهتمام بالأوضاع العربية الراهنة، فى زمن الكتابة، حاضر حتى فى أعمال بهاء طاهر التى التمست عوالمها فى أزمنة قديمة، بعيدة أو قريبة، ومنها «محاكمة الكاهن نن»، و«خالتى صفية والدير»، و«واحة الغروب».

ومن هذه السمات والملامح ما يتصل بالحرية الفنية التى انطلق دائما منها بهاء طاهر، والتى قادت إلى أشكال لمغامرة متجددة، تسعى دائما إلى تأسيس «كتابة مميزة»، تبلور إجابة عملية، إبداعية، عن أسئلة مشرعة ومشروعة، حول «هوية» الكتابة القصصية والروائية؛ وحول طابعها المحلى والإنسانى، وحول قدرتها على تجاوز الحدود والتقعيدات المتصوّرة التى تمايز اعتسافا بين الجماليات الفردية والجمعية، أو التى تقيم قسرا جدرانا فاصلة بين «الديالوج» و«المونولوج»، أو بين «الحوارى» و«البوحى»، أو التى تفارق، ابتداء، بين الأنواع الأدبية. وفى هذه الوجهة الأخيرة، مثلا، نجد ما يشير إلى اجتياز التخوم أو الحدود المتعارفة، المكرّسة، فيما بين نوع القصة ونوع الرواية. ففى قصص كثيرة بمجموعاته «الخطوبة» و«ذهبت إلى شلال» و»لم أعرف أن الطواويس تطير» يمكن أن نلمح نزوعا روائيا، وفى بعض رواياته، خصوصا «قالت ضحى» و«شرق النخيل»، يمكن أن نلحظ نزوعا قصصيا قصيرا، ثم فى بعض نصوصه، مثل «محاكمة الكاهن نن» و«فى حديقة غير عادية»، يمكن أن نشهد مزاوجة بين تقنيات وتقنيات الرواية.

ومن هذه السمات والملامح تلك القدرة الهائلة على التقاط نبرة جميلة خفيّة تشيع وتسرى فى ثنايا الكتابة، هى أشبه بنقطة تتلاقى عندها مسارات متنوعة: السخرية الخفيفة الشفيفة، والحنوّ الحادب على شخصيات تكابد ما تكابده فى عالم ضاغط طارد، والتعبير عن الضعف البشرى من منظور يراه تعبيرا عن الوجه الآخر للإنسان؛ قوته المتمثلة فى عدم رضوخه لعالم قائم، يصعب التكيف مع ما ينطوى عليه من وطأة وقهر.

ومن هذه السمات والملامح ما يشير إلى «تيمة» مهيمنة متكررة، حاضرة بتنويعات شتى، يمكن اختصارها فى «مراوحة الالتئام والانفراط».

تتصل هذه المراوحة بوقفات إبداعية متنوعة عند تجارب بعينها، تتراءى فى القلب منها شخصيات تعاني، وتواجه، ألوانا من التبعثر والانقسام والاغتراب والانفصام، وتسعى أحيانا دون جدوى لمواجهة هذا كله. فى رواية بهاء طاهر «الحب فى المنفى»، مثلا، تقدم الشخصيات، خصوصا الراوى المتكلم، تمثيلا للعلاقة الأسرية التى تناءت أطرافها وتباعدت عبر الأماكن، وتوزّعت بين الرؤى والاختيارات، وانتهت إلى انقسامات داخل الفرد الواحد، جعلته نهبا للعزلة، غير قادر على التحقق فيما ينبغى للإنسان أن يتحقق فيه: علاقة الحب الذى بات مقيّدا بشروط مناوئة، داخل الراوى وخارجه. ويتصل بهذا السياق، أيضا، تناول قضية انفصال الفرد عن الجماعة، أو على الأقل توتّر صلته بها، وهو تناول ماثل بوضوح، ولكن بتنويعات عدة، فى روايات بهاء طاهر: «شرق النخيل» و«خالتى صفية والدير» وفى قصته الطويلة «فى حديقة غير عادية».

ويقترن بدائرة الالتئام والانفراط، كذلك، اتساع حدود العالم القصصى والروائى فى كتابات بهاء طاهر، وغياب كل مركز موحّد عنه. قد تلوح «القاهرة»، فى بعض هذه الكتابات، على المستوى الظاهرى، ساحة مكانية مركزية لاختبار تغاير الوعى وتنافر العلاقات الإنسانية، وتفاوت الروابط بين الذات والآخرين، أو قد تلوح هذه المدينة مجالا نموذجيا للتعبير عن السعى إلى التحرر أو الاحتجاج والرفض، كما هو الحال فى رواية «شرق النخيل».. لكن هناك، فى أعمال بهاء طاهر عموما، مسارات مغايرة كثيرة، مفتوحة على «مراكز» أخري، تترامى فى صحراء مصر وفى جنوبها، وأيضا فى بعض مدن العالم المسمّاة وغير المسماة.. ويقترن هذا، بالطبع، بتنوع وأحيانا بتباين انتماءات شخصيات هذه الأعمال ومراكزها، جغرفيا وسياسيا وثقافيا.

 

ما تيسر من الحوار.. فى واحــة البهاء..
30 جملة يلخص بها عمره الفائت وغده المرتقب


ســمر الـجمــل

الزمن مر من هنا.. وكثيرا! لا يمكن تجاهل الطرق الغائرة على وجه بهاء طاهر وجسده النحيل. لكن عينيه انتصرتا على السنوات التى مرت. واسعتان وبريق مشرق. ابتسامة سريعا ما تتحول إلى ضحكة مجلجلة. سؤال لا يحبه كثيرا لتملله من إجاباته. لكن لابد منه.

كيف حالك؟

أنا؟ كويس.. كويس.

بم تفكر؟

يتعجب من السؤال: هل لابد أن أكون منشغلا بشيء، يضحك ويستطرد: لا يوجد ما يقلقنى.

تتحرك شاشة الهاتف فتخفى نصف وجهه. تعيد ابنته تعديله. كان اللقاء سريعا على فيستايم وجلست ابنته الصغرى بقربه. تلك هى الوسيلة الوحيدة التى انتهينا إليها للقائه.

الدخول إلى عالم بهاء طاهر يحتاج إلى قدر من المناورة والكثير من الصبر. الكاتب الكبير تجاوز عامه السادس والثمانين وتراجعت معه طلاته الخارجية واستقبالاته المنزلية وزادت كورونا من حالة الإغلاق.

فى البداية تحفظت أسرته على اللقاء. فكان أن نلتقيه عبر حكايات الزوجة وذكريات الابنة الصغرى. كيف أن تكونى زوجة لبهاء طاهر وماذا أن تكونى ابنته؟ مزيد من إلالحاح للحديث معه. لاحقا توافق الزوجة وتشجع الابنة لكن لا أحد يريد أن يدفعه لتلك المنطقة على غير رغبة منه. أخيرا قال نعم. لكن ابنته سألته مجددا:

هل هذا ما تريد حقا؟ تردد وسأل: اذا رفضت هل أسبب زعلا؟

لا ضرورة إلى كسر سكينة يومه إذن. فكانت تلك الصيغة، لقاء لدقائق عبر الشاشة. على ذلك كان شديد الود وإنسانيا إلى حد بعيد.

تراجع بهاء الكاتب وطغت على الشاشة صورة رجل تقدم فى العمر يعيش يوما عاديا وسط أسرته. بشوش بقدر من الخجل. قيل لى إنك مهذب إلى حد كبير وتخجل من قول لا، وأريد أن أستغل الأمر وأسألك أسئلة سريعة. تتدخل الابنة: يقول لا لى أنا فقط. يضحك ويميل باتجاهها.. يوقف السعال ضحكات تريد أن تمتد.

قلت أن التخلى عن الحلم انتحار؟

صحيح.

بم تحلم؟

أحلم. وبدا كطفل مشاغب يستمتع بما سيفعله بمحدثه- أحلم بأشياء كثيرة. يصمت قليلا. ربما بالبيتزا القادمة. يضحك الجميع. كان موعد الغداء اقترب فى يوم الجمعة هذا.

مرحا، ساخرا أحيانا، كلمات قليلة، بسيطة لا تخفى أبدا عمق التجربة.

فى 30 جملة يلخص بهاء طاهرعمره الفائت وغده المرتقب.

أنا متمرد. غير منسجم مع الواقع وهذا إحساس لازمنى طوال الوقت.

كنت طفلا مدللا كونى آخر العنقود. ولدت فى بيتنا فى الجيزة فى شارع سعد زغلول. كنا أسرة كبيرة وكنت أتشارك غرفتى مع أخى أسعد، الذى كان يكبرنى بعشرة أعوام.

حصلت على قدر كبير من التدليل من أخوتى ووالدتى وكان إخوتى يقولون لى إننى الطفل المفضل. لكن كطفل حينها لم أكن أصدق ذلك.

علاقتى بوالدى كانت محدودة نظرا لفارق السن الكبير. لكن علاقتى بوالدتى كانت قوية جدا.

أمى كانت تتسم بالحساسية الشديدة وكانت موهوبة فى سرد الحكايات.

أمى كانت تخشى علىِّ جدا من الحسد وكانت تعتقد أننى أكثر ذكاء من الأطفال فى مثل عمرى. كان تدعو لى وترقينى وأخوتى. كانت الواحة. كل أم بالنسبة لأولادها هى واحة. مكان الراحة من كل تعب.

أيام المدرسة كانت عندنا حصة للقراءة الحرة، تعرفت من خلالها على الأدباء وقرأت روايات ومسرحيات مترجمة للعربية. هذه الحصة هى التى عرفتنى على الأدب العالمى وكنا نمتحن فيها.

كنت فى المدرسة رئيس شعبة التاريخ وكنت أشعر أن هذا ما سيكون عليه مستقبلى. دخلت الجامعة سنة 1952 مع ثورة يوليو والتحقت بكلية الآداب قسم التاريخ وكنت أسكن بجوار الجامعة مباشرة وأذهب إليها مشيا. كنت متفوقا ولكن لست من الأوائل كما كنت فى المدرسة.

فى فترة الجامعة كنا نذهب إلى مكتبة الفن فى شارع قصر النيل نستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ونقرأ وتعلمت اللغة الإنجليزية بنفسى عن طريق القراءة. فى شبابى كان الكٌتَاب مثلاً أعلى مثل طه حسين ويحيى حقى وهذا ما دفعنى للكتابة. حكايات أمى جعلتنى أشعر أنى صعيدى من الأقصر وهذا أمر غريب أن أشعر بالانتماء لمكان لم أعش فيه مطلقا.

استمررت فى العمل فى الأمم المتحدة رغم الكتابة لأنه كان أكل عيش ولم تكن لدىّ النية فى أى وقت أن أعيش فى مكان آخر غير مصر.

أقول لبناتى دائما: إن المبالغة فى أى شىء غير مستحبة.

الضحكة من القلب تطلع لأى عمل لعادل إمام.

طول ما فى حياة فى حلم. أحلم بحياة أفضل لأهل بلدى.


زوجته ستيفكا: إنه رجلى.. وأنا هنا لحمايته
يكتب بالقلم الرصاص ويقرأ ما يكتبه لبنتيه.. يحب «أم كلثوم» و«فايزة» ويضحكه «عادل إمام»



على مدار الأعوام الماضية كشف بهاء طاهر فى بضعة مواضع تفاصيل من حياته واختار- ربما عمدا - حجب مقاطع أخرى منها، ولم يخط الرجل بنفسه سيرته الذاتية. هذه محاولة لحكى حكاية بهاء طاهر المحجوبة عبر حوارات مع زوجته ستيفكا وابنته الصغرى يُسر. من هو بهاء طاهر الزوج والأب؟.

«كنت أقسمت على نفسى ألا أتزوج مبدعا فنانا أبدًا. كان والدى كاتبًا وصحفيًا وكنت أعرف ما يعنيه ذلك وكيف يكون الحال فى المنزل. لكن ينتهى بنا الأمر دائما إلى جذب ما نقاومه». تضحك ستيفكا وهى تستعيد تلك اللحظة فى جنيف قبل أكثر من 30 عاما «كنا نعمل فى نفس الطابق، الطابق الرابع. لا أتذكر كيف بدأت القصة بدقة. صباح الخير، صباح النور. هكذا لشهور. تدريجيا تعرفنا على بعضنا البعض. شيء من هذا القبيل. هكذا هى البدايات مثل كل قصص الحب»، قصة بسيطة أو هكذا أرادتها أن تكون. «مر زمن طويل»، تقول. «أصبحت فى الرابعة والسبعين من العمر واحتفل هو قبل أيام بعيد ميلاده السادس والثمانين».

يخفت صوتها قليلا ثم تكمل بلغة فرنسية «يمكننا التحدث ولكن ليس لوقت طويل لأننى بمفردى مع زوجى». والزوج هو الأديب بهاء طاهر. محمّد بهاء الدّين طّاهر ابن مدرس اللغة العربية الأزهرى المرتحل مع زوجته إلى القاهرة قادما من الكرنك.

جاءت هى من روسيا وكان الأدب الروسى مفتاح اللقاء. لقاء يضيف بهاء طاهر إلى تفاصيله فى حوارات معه تم تجميعها فى كتاب «السيرة فى المنهى». «كنت مطلقًا، وعرفت أنها مطلقة مثل حالى، لعلى كنت أخشى من الدخول فى أرض غير مأمونة، أخشى من التدابير والتصاريف القدرية، اكتفيت بتدابيرى الاحترازية متوخيًا الأمان قدر ما يمكننى. أزعم أنى كثيرًا ما وددت أن أعثر على مدخل للقرب، دون جدوى، فأنا لا أعرف مثلًا كيف يتقرب الأشخاص من بعضهم البعض. بأى وسيلة؟ لا أعرف».

واليوم يبدو التقرب من بهاء طاهر مهمة عسيرة. منذ سنوات، احتضنت شقته الواقعة فى الطابق الثانى عشر فى إحدى بنايات الزمالك يومياته. تمنعه ساقه من الخروج والتحرك بأريحية. خضع لثلاث عمليات جراحية لتوسعة الشرايين والسماح بتدفق الدم بشكل طبيعى. «لم يكن معتادا على المشى بشكل عام. خاصة أن مهنته كمترجم وكاتب ليس بها الكثير من الحركة. ومنذ تقاعده أصبحت أقل. ثم بصراحة كيف له أن يمشى فى شوارع القاهرة؟». زادت جائحة كورونا من ارتباط طقوسه اليومية بالمنزل. يستيقظ على قراءة الجرائد، الأهرام ثم الشروق. يجلس أحيانا فى الشرفة ليلتقى بشمس الظهيرة. يقلب كثيرا قنوات التليفزيون. يشاهد فيلماً ويتابع بعضا من الأخبار. القنوات الفرنسية بعد الظهر والقنوات المصرية فى المساء. ويقرأ كثيرا. المنزل تغمره الكتب. «نتحدث. ينام مدة أطول مثل أى شخص فى ذلك العمر. ويمر اليوم سريعا».

فى العاشرة مساء قد يشاهد حفلا لأم كلثوم على روتانا. أم كلثوم حاضرة وبقوة فى حياته. فى الماضى كان يستمع إلى صوتها عبر الإذاعة. يجلس مع ابنتيه ويتنافس معهما. كيف يمكنه وفى الثوانى الأولى فقط من الحفل أن يحدد أى أغنية ستشدو الست، من مؤلفها وملحنها. يعشق أم كلثوم وفايزة أحمد. «لم أعرف أحدا غيره يحب فايزة»، تضحك ابنته. لاحقا سيحب جورج وسوف وشيرين عبدالوهاب.

لا تخفى أسرة الكاتب الكبير خوفها عليه خاصة مع ازدياد أعداد المصابين بكورونا من معارفهم. ولم تجد ستيفكا صعوبة فى فرض نظام صارم لحمايته. وكل المحاولات للدخول إلى عرينه فى هذه اللحظة لم تنهر أمامها حصون زوجته وبنتيه الاثنتين والحوار معه كان لابد وأن يمر عبر ابنته الصغرى يُسر.

«إنه رجلى وأحب أن أعتنى به. أنا دائماً هنا لحمايته»، تقول ستيفكا بفخر. فبهاء الزوج «لا تلمس أقدامه الأرض، يعيش فى عالم مواز. عالم الابداع، لطالما كان كذلك». المسائل العملية، الأكل، المال، على شخص آخر أن يهتم بمثل تلك التفاصيل. واعتاد بهاء هذا النوع من الرعاية. حتى فى الطعام وإن كان قليله. لابد أن يكون طازجا مطهيا فى المنزل بقليل من الدهون. الكثير من الخضراوات والأسماك ولا مانع من انقطاع اللحوم.

استثناء وحيد قد يعيده مؤقتا إلى أرض الواقع، عندما يتعلق الأمر بابنتيه من زوجته الأولى، دينا ويُسر. «كان دائم القلق بشأنهما. الدراسة، العمل، الملابس، الصحة»، تقول ستيفكا. كان قلقاً من كل شىء. «أتذكر فى مرة كنت أستعد للسفر لبيروت كان يشاهد الأخبار فى التليفزيون وفجأة اتصل بى وقال قلبى مقبوض وغير مستريح وأصر ألا أسافر. كان يمنعنا من رحلات المدرسة خوفا علينا من حوادث الطرق»، تروى يسر الابنة الصغرى.

ربما زاده بُعد المسافة ما بين القاهرة وجنيف ولم تروه زيارات الصيف أو نهاية العام. سجلت ذاكرة يُسر الكثير من التفاصيل «نشاهد أفلاما، نذهب إلى المسارح، نزور متاحف، نتعشى ونسافر إلى مدن أوروبية. باريس يحبها. وفى المساء يقرأ لى ألف ليلة وليلة بصوته بعد أن يخضعها لمقص رقابته». سوف تكتشف الابنة ذلك لاحقا عندما تكبر وتقرأ النص الأصلى. تتردد يُسر كثيرا فى الحديث عن نفسها أو أختها للكشف عن البعد الآخر لوالدها. درستا الاقتصاد. دينا تعمل بالتدريس وهى أيضا عازفة للبيانو ويُسر قطعت خطوات فى كتابة السيناريو، ولكنها لا تريد الزج بها فى الحوار.

ستسقل البنتان وتتزوجان وتنجبان أحفاده الأربعة، نديم، أدهم، طه ومراد ويتراجع قليلا قلق بهاء. الحفيد الأكبر نديم فنان تشكيلى بلغ من العمرالـ 27. أما أدهم فقد أنهى لتوه دراسته الجامعية وكان ذلك الذى كتب عنه بهاء فى «لم أعرف أن الطواويس تطير». «حفيدى أحمد، البالغ من العمر سنتين، يعشق الأدب الروسى. لا يهمه الأدب العربى أو الإنجليزى أو المكتوب بأى لغة أخرى، ولكنه منذ أن تعلم تسلق المقعد المجاور لمكتبتى والوصول إلى أرففها، ركز كل اهتمامه على الروايات الروسية. يختار رواية منها ثم ينهمك بسعادة بالغة فى تمزيق غلافها إلى قصاصات صغيرة، وحيرت هذه المسألة أمه كما حيرتنى، فأغلفة هذه الروايات لا تلفت ألوانها النظر، ليست حمراء ولا صفراء، بل هى مجرد ورق أبيض مصقول عليه اسم الرواية والمؤلف ويحيط الغلاف بالكتاب السميك. ولكن أحمد لسبب لا نعرفه أحب هذه الأغلفة دون غيرها، وعندما يختفى عن الأنظار دقيقة واحدة كنا نجده جالسا على الأرض وبين رجليه الكتاب الضحية وبقايا الغلاف الممزق». طه ومراد هما الأصغر. «أحد الأشياء التى جذبتنى إليه أيضاً هو جانبه الأبوى. قضت دينا ويسر جميع العطلات معنا. وأنا لدى ابن من زواجى الأول وأعتقد أننا بنينا عائلة مختلطة ناجحة، فيما بيننا ومع أطفالنا أيضا».

القلق رفيقه وربما عبر عنه إفراطه فى التدخين. لم ينقطع عنه إلا أياما معدودات. وتراجع إلى علبة سجائر واحدة بدلا من ثلاث فى اليوم. «هكذا هو. ليس غضوبا. يغضب فقط فيما يعتبره اساءة أدب أو ظلما»، تقول ستيفكا. وتضيف يُسر «هو هادئ فى المجمل. لكن وقت الكتابة، تحديدا الرواية، يكون عصبيا جدا. نعرف انه يكتب عندما يفتعل الخناقات بلا داعى ولا مبرر، ونضحك ونقول هناك رواية فى الطريق».

غير ذلك ليس لديه طقوس للكتابة. الكتابة وحى وإلهام وليست اجتهادا، يقول. لا مكان محددا ولا ساعات يومية. فقط قلم رصاص وكراريس مرسوم عليها تفاحة ومعهما حالة دائمة من القلق. «حتى عندما كان يعمل بالأمم المتحدة، كان يريد أن يترك العمل ولكنه لا يستطيع العودة لمصر. وليس من الممتع أن تكون موظفاً وكاتباً فى نفس الوقت. ينشد الكمال»، تعتقد الزوجة. حتى فى الكتابة. صحيح انه لا يخطط لها ولكن ما أن آن أوانها إلا ويذهب إلى المكتبات يجمع المعلومات، يسأل ويستفسر، يدقق حتى لا تكون هناك أخطاء فى التفاصيل. عندما كتب «واحة الغروب» ذهب قبلها للعيش فى سيوة ليرى الناس ويشتم تفاصيلهم. «عاش هناك لفترات طويلة». كيف للزوجة أن تعيش هذا الغياب؟ «لا أستطيع أن أقول إننى كنت غير سعيدة. إذا كان يحتاج إلى ذلك، فليكن. لقد كان الجو مشابها إلى حد ما فى طفولتى. عندما يكتب بهاء يبدو مثل الناسك. يقرأ الكثير ثم ينقطع عن العالم. يعزل نفسه تماما، وفى تلك اللحظة يجب أن يعم الصمت التام المنزل». ينهى جزءا من الرواية. «خالتى صفية والدير». يقرأه بصوته لدينا، الابنة الكبرى ويستمع إلى رأيها قبل أن يعاود الكتابة. سنوات وتنضم إليهما يسر. «يقرأ لنا فصلا نسأل ونتناقش فى أسماء الشخصيات. اخترت اسم سالم ولبنى فى «نقطة النور» لكنه لم يبال لرفضى اسم مليكة فى «واحة الغروب». أريده أن يكمل الأحداث. ماذا بعد؟ تثير القصة فضول يسر. «قل لى، أنت من تصنع الأحداث». لكن بهاء لا يجيب. عليها الانتظار أياما حتى ينتهى من فصل آخر. ينعزل مجددا.

لا يبدو أن الرجل يتملل كثيرا من هذه العزلة الاختيارية فقد اختارها فى الماضى وإن كانت حينها أعظم ألما. سماها المنفى. لم يكن شيوعيا ولكن وصفوه بذلك وأخرجوه من وظيفته فى الإذاعة فرحل يجوب الأرض يعمل مترجما حتى أستقر مطلع الثمانينات فى جنيف. «أعتقد أنها كانت تجربة صعبة. فى رأيى لم يعتد بهاء أبدا العيش بعيدا عن مصر. إنه رجل وطنى للغاية، وكان منشغلا بالأحداث السياسية فى مصر. آخر مرة تحدثنا فى الأمر قال لي: لقد تورطت كثيرا فى الحياة السياسية وقلت كل ما يمكننى قوله. لكن مفيش فايدة». أضاف الأمر سببا آخر للعزلة. «أنا متمرد. غير منسجم مع الواقع وهذا إحساس لازمنى طوال الوقت»، يقول عن نفسه ردا على اسئلة الأهرام.

الحنين يؤلمه. وهكذا اتفق معها أنه بمجرد تقاعده سيعود إلى القاهرة. وقد كان. فى منتصف التسعينات. «انتقلنا إلى هنا. سبقنى هو ثم لحقت به. اشترينا منزلا وكانت هذه رغبتى. كنت أريد لنا أن نستقر ونتوقف عن العيش فى مسكن بالإيجار وكان الأمر فى البداية سببا للمشاجرات بيننا. ولكن بهاء بذكائه قدم تنازلات من جانبه، وكذلك أنا. أليست هذه هى الحياة الزوجية!». إيجابيات وسلبيات، تقول. «وبهاء لديه من الإيجابيات الكثير. شخص كريم جدا. كريم فى كل شيء. من المستحيل عدم حبه. مثل جميع أرواح الفنانين، هو حساس جدا». حساسية تدفعه للبكاء. رأته يبكى مرتين على الأقل. والسبب؟ القضية الفلسطينية، صبرا وشاتيلا.

«كان الضابط فى المدرسة يقول: إن الرجل ينبغى له ألا يبكى. لكنى قلت لنفسى بعد أعوام: بل على الرجل أن يبكى، وعلى الحياة أن تستجيب، كيف يمكن لرجل ألا يبكى! لعل البكاء من شِيم الرجال!». لقد رأى أباه «القوى» يبكى وهو يحكى عن بلدته التى تركها وراءه.

«ولكنه لديه أيضا حس عالى جدا للمرح والفكاهة. «يضحك طوال الوقت مع أصدقائه. كنت اراه يضحك وان كنت لا أستطيع أن أفهم دائما ما يقول». يضحكه عادل إمام كثيرا، يقول هو. واليوم؟ يحوم مراد حول مقعده، ويختفى. يلاعبه الاستغماية. فقد الأصدقاء. غيب الموت معظمهم. جميل عطية إبراهيم، كان أقربهم. «كانوا مثل التوائم. يتحدثون يوميا فى التليفون. فاروق شوشة ومحمد البساطى. لم يبق له غير عبدالله السناوى، هو صديق عزيز جدا». مزيد من العزلة. «86 سنة ليست قليلة. وهو يبحث الآن عن السكينة والهدوء»، تقول ستيفكا. من وقت لآخر يفكر فى السفر. مجرد رحلة. «يخبرنى أننا سنذهب إلى إيطاليا، فينيسيا تحديدا». وربما يستأنف الكتابة يوما ما.


لماذا خســرته السـينما؟


علا الشافعى


«أسأل نفسى إن كان ما يزال هناك طفل يحمل الكعك إلى الدير فى علبة بيضاء من الكرتون، وأسأل نفسى إن كانوا لا يزالون يهدون إلى جيرانهم ذلك البلح المسكر صغير النوي؟ أسأل نفسى.. أسألها كثيراً».. تلك الجمل التى ختم بها الراوى قصته فى « خالتى صفية والدير» هى ما تحمل الإجابة عن لماذا الأدب، ولماذا هناك روايات بعينها تصلح للدراما وأخرى لا؟ هى أسئلة نعيد طرحها عند تحويل أى عمل أدبى إلى سينما أو دراما فهناك الكثير من الروايات التى تحمل تلك المقومات.

................

بهاء طاهر واحد من الكتاب والأدباء الذين لم تقترب السينما أو الدراما من أعمالهم إلا فى نطاق محدود رغم أن أدب بهاء طاهر يصلح لتحويله إلى مختلف أنواع الفنون، فهو يملك هذا الحس السينمائى والفنى فى رسم الصور، والشخصيات والحوار الذكى والمكثف بين أبطال أعماله، وقد يعود ذلك لعمله فترة فى الصياغة الدرامية، والإخراج الإذاعى، فهل يكون السبب أن الأديب الكبير نفسه كان متشددا ويضع شروطا لمن كانوا يفكرون فى تحويل أعماله الادبية إلى نصوص درامية أو سينمائية أو مسرحية مثلما حدث مع الكاتب والمبدع الراحل وحيد حامد عندما حاول شراء حقوق «خالتى صفية والدير» لتحويلها إلى عمل سينمائى ولكن بهاء طاهر اشترط الموافقة على كامل السيناريو وهو ما أدى لتراجع حامد عن المشروع بأكمله؟. فهل بهاء طاهر ينتمى لمدرسة يوسف إدريس والذى كان كثيرا ما يدخل فى معارك قضائية مع صناع السينما الذين عملوا على نصوصه، على عكس الأديب نجيب محفوظ، أم أن الأمر يعود لعوالمه الخاصة والأجواء التى تطلبها بعض أعماله وهو ما يترجم إلى كلفة إنتاجية عالية، تلك العوالم المتفردة هى ما جعلت الأديب الكبير يوسف إدريس ويصفه بأنه كاتب «لا يستعير أصابع أحد»، عندما احتفى بقصته الأولى فى مجلة الكاتب؟.

سواء كان السبب بهاء طاهر نفسه أو الكلفة الإنتاجية العالية التى تتطلبها بعض أعماله إلا أنه هناك خسارة حقيقية من عدم العمل على باقى نصوصه فى السينما أو الدراما، خصوصا أنه بالنظر إلى قائمة أفضل مئة عمل فى تاريخ السينما المصرية نجد أن ثلثها مأخوذ عن أعمال أدبية لكُتّاب كبار، فى مقدمتهم نجيب محفوظ ويحيى حقى وتوفيق الحكيم ويوسف السباعى ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وطه حسين وغيرهم، وكلما تراجع مستوى الأعمال التى تنتج فى السينما أو الدراما نجد أنفسنا نردد جملا باتت فى نظر البعض استهلاكية ومنها لماذا هذا الانفصال بين الأدب والفنون، لماذا لا يلجأ كتاب السيناريو وشركات الإنتاج للاعمال الادبية بهدف تقديم أعمال فنية راقية.

على مدى سنوات رحلة بهاء طاهر فى الكتابة التى بدأها عام 1964، حيث ظل سائراً على الطريق منذ بدأ خطواته الأولى فأسس بكتابته عالماً متفرداً لذلك عندما تم تحويل نص «خالتى صفية والدير» إلى عمل تليفزيونى حقق الكثير من الشعبية والجماهيرية، وقام ببطولته النجم المبدع الراحل ممدوح عبدالعليم والنجمة بوسى وهو ما حول شخصيات الرواية والعمل التليفزيونى «حربى» و«صفية»، و«المقدس بشاى» إلى أيقونات محفورة فى الوجدان الشعبى.

خالتى صفية والدير تلك الرواية والتى تبلورت فيها مهارة بهاء طاهر السردية التى يرويها صبى، على طريقة الراوى العليم، ونستطيع من خلالها أن نتعرف الى أدق التفاصيل فى عالم الصعيد بين طبقاته وشرائحه المختلفة، خاصة بين الأقباط والمسلمين، ودور الدير فى حماية بطل العمل، «حربى»، من بطش صفية زوجة الباشا.. هى رواية ونص بديع عن الحب والكره والموت عن تناقضات الحياة والمجتمع، وجميعنا لا نتذكر «حربى».. ممدوح عبدالعليم والذى «قفل» الشخصية بقوة ادائه وإحساسه العالى لكل مفردات الشخصية ويصعب أن نتخيل ممثلا آخر فى نفس الدور مسلسل «خالتى صفية والدير»، الذى أنتجه قطاع الأخبار واستمر إنتاجه من 1993وحتى 1994 وصور أيضا بالأماكن الحقيقية ومنها دير «مار جرجس» بقرية المحروسة أو قرية «البلاليص»، كما أطلق عليها سابقا لاشتهاره بصناعة الفخار.

النص الروائى نفسه تم تحويله أيضا إلى عمل مسرحى متميز مثل مصر فى العديد من المهرجانات.

وكان آخر عمل قد تم تقديمه من أدب بهاء طاهر إلى الدراما نص «واحة الغروب»، وتدور أحداثه فى واحة سيوة، إحدى واحات صحراء مصر الغربية، لتكون مسرح أحداثه، حيث يغوص بهاء فى تاريخ الواحة حتى السنوات الأخيرة من القرن الــ 19، ويفتح لنا نافذة نطل منها على مجتمع شديد التعقّد بحدوده وعاداته وطبقاته، يمثّل مادّة خاماً شديدة لثراء لهذه الرواية، وعبر فصول الرواية، نرى مجتمعاً أنهكته الحدود والأسوار. والصراعات الحدود العشائرية.

يتخذ بهاء طاهر من هذه الأرض خلفية لروايته، ثم ينسج أحداثها حول خيطين يستمدهما أيضاً من تاريخ الواحة. أول الخيطين هو حادث انهيار معبدأم عبيدة بالواحة عام 1897، والخيط الآخر هو سؤال يؤرق علماء الآثار عن مكان وجود مدفن «الإسكندر الأكبر»، والنظرية التى لم تثبت صحتها بعد عن وجود هذه المقبرة فى واحة سيوة، يتناول الكاتب هذين الخيطين، بسلاسة وحرفية عالية، ويعقدهما معاً، بربطهما بشخصيتى الرواية الرئيسيتين. الضابط محمود عبدالظاهر، والذى حضر إلى الواحة منفيا وزوجته الإنجليزية كاثرين الشغوفة بالحضارة المصرية.

واحة الغروب هى رواية بديعة وساحرة حقا يأخذها المسلسل ويحلق فى فضاء أوسع وأكثر رحابة وهو.. ما ظهر فى الحلقات الأولى للمسلسل بدءا من التفاصيل الفتية والصورة المبهرة والثراء البصرى والأزياء والديكور والموسيقى والأداء التمثيلى الساحر لخالد النبوى بطل العمل ومنة شلبى وكان السيناريو والحوار لمريم نعوم وهالة الزغندى والاخراج لكاملة أبو ذكرى.


قصر ثقافة بهاء.. «نقطة نور» فى قلب الصعيد

حسين القباحى


لم أعد أستطيع أن أحدد بالضبط ذلك اليوم الذى قرأت فيه لأول مرة قصة قصيرة أو رواية, لبهاء طاهر,كان ذلك فى منتصف الثمانينيات تقريبًا من القرن الماضى عندما وقعت تحت يدى «بالأمس حلمت بك» وكان لقراءتها وقع السحر فى نفسى فهاهو واحد آخر من أبناء مدينة الأقصر يبهرنى ويبدولى فرحة جديدة بعد يحيى الطاهر عبدالله الذى كنا ولا زلنا نعتبره واحدًا من الرموز الإبداعية التى نفخر ونعتز بها نحن أبناء الأقصر الصاعدين إلى منصات الإبداع حملت القصة وقرأتها على شبابنا الحاضرين فى الجلسة الأسبوعية لنادى الأدب الذى كان وليدًا ناقشناها وتنبهنا إلى أهمية وقيمة هذا المبدع الأقصرى الذى لم نره أو نتابعه من قبل, استمرت علاقتى وابناء الأقصر ببهاء طاهر تتمثل فى متابعته فى إذاعة البرنامج الثانى أو قراءة ما يتيسر لنا من عمل له منشور هنا أو هناك, وكنا قد بدأنا منذ العام 1989 بعمل مهرجان طيبة الثقافى الدولى بالتعاون ما بين وزارة الثقافة ومدينة الأقصر.

................

فى عام 2008 فاز بهاء طاهر بالجائزة العالمية للرواية «البوكر فى نسختها العربية» وفاجأنى بعدها بعدة أيام باتصال تليفونى يخبرنى فيه بعزمه على تخصيص مبلغ من قيمة هذه الجائزة ليدر دخلا سنويًا يكون جائزة مخصصة لواحد من أدباء الأقصر ويستعجلنى فى أن يكون المبلغ فى حوزتى وجادلته فى ذلك رافضًا أن يكون شخص هو المسئول عن ذلك و بين إصرار منه ورفض منى، اتفقت معه أن يضع المبلغ المخصص وقيمته ستون ألف جنيه كوديعة فى اتحاد كتاب ويكون الاتحاد مسئولًا عن التنظيم والإشراف على الجائزة وفى نوفمبر 2009 كنا ننفذ الدورة الثالثة لمهرجان طيبة الثقافى الدولى برئاسة الأديب بهاء طائر الذى أعلن فى الجلسة الافتتاحية للمهرجان تبرعه بقطعة أرض ورثها عن والدته لبناء قصر ثقافة عليها ووعد الدكتور سمير فرج محافظ الأقصر الأسبق بتحمل تكاليف بناء هذا القصر وإنجازه ليكون جاهزًا للافتتاح فى الدورة القادمة للمهرجان, وبعد انتهاء المهرجان استدعانى الدكتور سمير فرج فى مكتبه وكلفنى شخصيًا مع المهندسين المختصين لمعاينة الأرض ومتابعة التنفيذ وقد استغرقت الإجراءات الإدارية عدة أشهر وفى العام التالى 2010 تم وضع حجر الأساس فى المكان الجديد بحضور الدكتور سمير فرج محافظ الأقصر والأستاذ محمد سلماوى والعشرات من الأدباء والشعراء والشخصيات العامة وتولت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة عملية التنفيذ وأثناء التنفيذ وفى إحدى المرات التى كنت ألتقى فيها الدكتور سمير فرج للمتابعة وعرض ما يمكن أن يسهم فى سرعة إنجاز القصر حيث كان حريصًا جدًا على أن يفى بوعده اقترحت عليه أن نقتطع جزءًا من القصر ليكون مقرًا لفرع جديد لاتحاد كتاب مصر ولكنه قال لابد من أخذ موافقة بهاء طاهر لأنه صاحب التبرع وبالفعل قمت بزيارة الأستاذ بهاء طاهر فى شقته بالزمالك وعرضت عليه الفكرة فأعلن موافقته ومن عنده طلبنا الدكتور سمير فرج هاتفيًا وأبلغه بهاء طاهر بموافقته وبعد عودتى إلى الأقصر التقيت ومعى الشاعر محمد جاد المولى بالرائد المهندس خالد المشرف على التنفيذ لبحث تنفيذ المقترح وبعد الدراسة والبحث والتشاور تم الاتفاق على استغلال انخفاض مستوى الأرض عن الشارع العمومى الذى يبلغ ثلاثة أمتارتقريبًا على أن يتم بناء كامل المساحة وعدم ردمها واستغلال ذلك ليكون مقر فرع اتحاد كتاب مصر فى الطابق الأرضى بمدخل خاص به وتكون الأدوار العليا لقصر ثقافة بهاء طاهر وبدأ التنفيذ ليكتمل البناء قبل عقد الدورة الأخيرة لمهرجان طيبة الثقافى الدولى الذى عقد بين يومى 18 و21 يناير 2011 وكان الموضوع الرئيس له «النيل فى ثقافة الشعوب الإفريقية» وماهى إلا أيام قليلة و تندلع ثورة 25 يناير وما تلاها من فراغ أمنى وتعديات وهنا يقوم مالك الأرض المجاورة ببناء حائط ملاصق تماما لأبواب ومخارج فرع اتحاد الكتاب فى الطابق الأرضى ليقتطع مساحة من الأرض كان قد تم تركها كشارع يؤدى إلى اتحاد الكتاب وكانت الأجهزة التنفيذية والأمنية التى لجأنا إليها فى ذلك الوقت عاجزة عن إزالة هذه التعديات ومرة أخرى استغرقت عدة أشهر لتمارس الجهود العائلية والعلاقات الأجتماعية دورا جديدا فى إنهاء هذه المشكلة وبالفعل نجحنا بالترغيب والعلاقات الإنسانية إنهاء هذه المشكلة وتبقت عملية تأثيث القصر وفرع اتحاد الكتاب وبعرض الأمر على الدكتور سمير فرج اقترح أن يتدخل سلماوى مع وزارة الثقافة للحصول على المبلغ المطلوب ولكنه لم يوفق فى ذلك وبعرض الأمر مرة أخرى منحنى الدكتور سمير فرج خطابا لوزير الثقافة فى ذلك الوقت الدكتور عماد أبو غازى يطلب مبلغ 700 ألف جنيه لتأثيث القصر وكلفنى أن أقوم بذلك بشكل شخصى مع الدكتور عماد أبو غازى وبالفعل اتصلت من الأقصر بالدكتور عماد ليحدد لى موعدًا فأخبرنى أنه فى مدينة السويس وسيعود إلى القاهرة فى اليوم التالى لنتفق أن نلتقى فى أتيليه القاهرة ونشرب القهوة معا وبالفعل التقيته فى الموعد وجلسنا فى الأتيليه ليوافق على الخطاب واعتماد 500 ألف جنيه ويتصل ساعتها برئيس صندوق التنمية الثقافية لتسهيل صرف المبلغ ونتصل على الفور بالدكتور سمير فرج ليرسل موظفا من الشئون المالية للمحافظة لاستلام الشيك بالمبلغ وتسليمه للهيئة العامة لقصور الثقافة التى كان يرأسها فى ذلك الوقت الصديق الشاعر سعد عبدالرحمن وتتولى المصلحة العامة للسجون بعمل وتنفيذ الأثاث المطلوب وإرساله تباعا إلى الأقصر.. ويتم افتتاح القصر ويشهد من يومها العديد من الفاعليات الثقافية المهمة و يصبح بقعة ضوء ساطعة وعلامة مضيئة للأقصر يراها كل الزائرين الداخلين إلى قلب المدين من طريق المطار.

 

اسرار تكشف عن حياته مخرجا وممثلا
أول من لفت الأنظار إلى مسرح صلاح عبدالصبور وثلاثية نجيب محفوظ


‎أحمد السماحى


‎هل تاريخ «بهاء طاهر» هو الأعمال الأدبية فقط؟! ولماذا اهتمت الدراسات التى نشرت عنه بالجانب الأدبى فقط، ومرت مرور الكرام على جانب آخر هو الجانب الفنى و الإذاعى؟، ولعل هذا الخلل يدفعنا للقول إن أى دراسة قدمت عنه دون تقديم الجانب الفنى والإذاعى من تاريخ هذا المبدع ــ تعد من وجهة نظرنا ــ دراسة ناقصة، لأن الجانب الإذاعى عنده ملىء بالثراء والتجارب المتنوعة التى تكشف عن ذائقته الخاصة إضافة لكشفها ولو نسبيا عن الثقافة الفنية والذوق العام للوجدان المصرى فى نهاية الخمسينات والستينات، وعن عواطف الناس وعن طريقة إحساسهم بالحياة فى تلك الفترة.

................

‎وقد أشار بعض الزملاء إشارات سريعة إلى عمله الإذاعى، ولكنها إشارات محدودة لا تتعدى بضعة كلمات حيث يكتبون أنه عمل فى الإذاعة، واشتغل فى إذاعة «البرنامج الثانى» فقط دون أن يذكروا أى معلومات عن الأعمال الفنية المهمة التى ساهم بها فى المكتبة الإذاعية، والتى يتجلى فيها هذا العشق النادر الحميم فى حب العمل واحترامه، والحرص على أخلاقياته، وذلك الإصرار العنيد على تقديم تجارب فنية ثقافية مختلفة، ومحاولة اكتشاف نجوم فى مجال التمثيل والكتابة والشعر.

‎بدأ عشق «بهاء طاهر» للإذاعة المصرية من خلال صوت وأحاديث «طه حسين» الذى كان سببا رئيسيا فى وقوع «طاهر» فى أسر تلك الوسيلة الإعلامية التى يمكن أن تنقل المتعة والفكر إلى كل شبر فى أرض الوطن، لهذا قرر فور تخرجه فى الجامعة التقدم لاختبارات الإذاعة حيث نجح فيها عام 1957 وهو لم يكمل عامه الـ 22، ولهدوئه الشديد اختار أن يعمل فى البرامج الثقافية لبعدها على حد تعبيره عن الأضواء وعن المهرجانات السياسية، وأثناء ذلك كان الرائد الإذاعى «سعد لبيب» ينشئ البرنامج الثانى فانضم إلى مجموعة الإذاعيين المثقفين الذين شاركوا فى صنع هذه التجربة الرائعة، وقد كون صداقات رائعة استمرت معه العمر كله مع «فاروق خورشيد، فاروق شوشة، إدوارد الخياط، وصبرى حافظ».

‎المسرح العالمى

‎فور عمله فى إذاعة «البرنامج الثاني» قدم مبدعنا الكبير مجموعة من البرامج منها «مع المستمعين»، «المسرح والسينما»، ومن خلال هذه البرامج شجع كثيرا من المواهب الشابة وبعث فيهم الأمل، فضلا عن إخراجه لمجموعة كبيرة جدا من روائع المسرح العالمى والمصرى والعربى، فقدم كمخرج «فى إنتظار جودو» تأليف الكاتب الأيرلندى» صمويل بيكيت» ترجمة فايز إسكندر، بطولة «سعيد أبو بكر، شفيق نور الدين، سعد أردش»، كما قدم مسرحية «أوديب ملكاً»، بطولة «حمدى غيث، عبدالرحيم الزرقانى، زوزو نبيل، حسن البارودى والطفلة صفاء أبو السعود، وشقيقتها وسام».

‎و قدم طاهر أيضا لـ «سوفوكليس» رائعته « أنتيجونا» من ترجمة الدكتور «طه حسين» وبطولة «محسنة توفيق، عواطف الحملاوى، سعد أردش، عزيزة حلمى، عبدالمنعم أبو الفتوح».

‎إضافة لما سبق قدم «بهاء طاهر» كمخرج مجموعة أخرى متنوعة من عيون المسرح العالمى نذكر منها «إيولف الصغير» تأليف الكاتب النرويجى «هنرك إبسن»، ترجمة محمود سامى أحمد، وبطولة «سميحة أيوب، كريمة مختار، نبيل الألفى، ملك الجمل»،، و للمؤلف نفسه قدم طاهر «سيدة من البحر» ترجمة «نعيم جاب الله»، بطولة «نوال الجمل، لطفى عبدالحميد، سعد أردش، محمود عزمي»، إضافة إلى مسرحية «جون جابريل بوركمان 1896»، بطولة «زوزو نبيل، أمينة رزق، إحسان القلعاوى، وعبدالرحيم الزرقانى». ‎وبعيدا عن إبسن قدم طاهر «تحت أسوار أثينا» للكاتب الفرنسى بول كلوديل، كما عاش جيل الستينات متعة ما بعدها متعة وهو يستمع إلى «جرائم وجرائم» تأليف الكاتب السويدى «أوجست سترندبرج»، ومسرحية «محاورة الشجرة» تأليف الشاعر الفرنسى «بول فاليرى».

‎كما قدم من تأليف الكاتب الأمريكى «يوجين أونيل»، وترجمة: «إدوار الخراط»، «الولد الحالم» بطولة «نجمة إبراهيم، نعيمة وصفى، عايدة عبدالعزيز، جلال الشرقاوى».

‎وأخرج للكاتب الفرنسى «آرتور أدامف»، مسرحية «كما كنا»، وللكاتب الأمريكى «ويليام سارويان»، «أنتم يا من هناك» بطولة «عمر الحريرى، عايدة عبدالجواد، إبراهيم فتيحة».

‎كما استقطب «بهاء طاهر» الكاتب المسرحى الكبير «ميخائيل رومان» وجعله يترجم مسرحية «ذكرى يومى اثنين» تأليف الكاتب الأمريكى «أرثر ميلر»، وقدمها فى أمسية رائعة وقام بالبطولة «كمال ياسين، عبدالغنى قمر، عبدالرحمن أبو زهرة، سناء شافع.. وغيرهم».

‎مأساة الحلاج

‎لكن اهتمام بهاء بالمسرح العالمى لم يصرفه عن تقديم الكتاب والشعراء المصريين، الذين قدمهم للمستمع المصرى فى أعمال فنية مهمة وعميقة، فها هو العملاق «محمود مرسى» يبدع ويصول ويجول فى شخصية «الحلاج» فى مسرحية «مأساة الحلاج» التى أخرجها «بهاء طاهر» لإذاعة البرنامج الثانى، وعمل معه فيها عدد من النجوم الكبار أساتذة التمثيل مثل «عبدالرحيم الزرقانى، عزت العلايلى، عبدالحفيظ التطاوى، أنور إسماعيل، سعد أردش.. وغيرهم».

‎وكان «بهاء طاهر» أول من لفت الأنظار إلى روعة هذه المسرحية الشعرية، ذات الأبعاد السياسية للشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، واللافت فى هذه المسرحية الفهم العميق من «بهاء طاهر» للقصائد الشعرية فى هذه المسرحية وإحساسه بشخصية الشاعر الذى كتب القصيدة وبما وراء القصائد من انفعالات ومشاعر، والذى انعكس بوضوح فى أداء محمود مرسى شديد العبقرية والتفرد.

‎و «بهاء طاهر» هو أيضا أول من قدم ثلاثية نجيب محفوظ كعمل درامى من خلال إذاعة صوت العرب، حيث أعدها أحمد عباس صالح، وقام ببطولتها «يوسف وهبى، امينة رزق، حسن يوسف، ابو بكر عزت، سناء جميل، سميحة ايوب.. وغيرهم من النجوم الكبار».

‎اكتشاف نجيب سرور

‎ولا يمكن أن ينسى عشاق المسرح العالمى رائعة بهاء طاهر الإخراجية «الليلة نرتجل التمثيل» تأليف الكاتب الإيطالى «لويجى بيراندللو»، ترجمة «سعد أردش»، وفيها قدم الشاعر «نجيب سرور» كممثل لأول مرة، وشاركه بطولة المسرحية مجموعة كبيرة من أساتذة التمثيل منهم «سعد أردش، حسن البارودى، ملك الجمل، عصمت محمود، أنعام سالوسة، رجاء حسين»، ‎ثم عاد بهاء طاهر وقدم «نجيب سرور» كممثل مرة أخرى من خلال البرنامج الرائع الذى يحكى سيرة الشاعر «بشار بن برد» منذ كان غلاما صغيرا إلى أن مات، والذى كتبه «محمد زكى العشماوى» الذى لعب دور الراوى، وقام بدور «بشار بن برد» الفنان الكبير «محمد الطوخى»، وشارك فى البطولة «عبدالرحيم الزرقانى، جلال الشرقاوى، عبدالرحمن أبو زهرة». ‎ومن المعروف أن سرور شارك بالتمثيل لاحقا فى بعض الأعمال المسرحية، كما شارك أمام هند رستم وشكرى سرحان فى فيلم «الحلوة عزيزة – 1969» من إخراج حسن الإمام.

‎بهاء طاهر ممثلا

‎فى رحلة الكفاح والتجريب قام «بهاء طاهر» بالعمل كممثل أو كمؤدى من خلال رائعته الإخراجية «حفل الكوكتيل» للشاعر الإنجليزى الأمريكى الأصل «ت. س. اليوت»

‎ وهذه المسرحية متعة فنية كبيرة حقا، خاصة أن شعر «ت. س. اليوت» يعتبر فنا صعبا مليئا بالتعقيدات، وذلك لأن «اليوت» يلجأ كثيرا إلى الرموز ويشير فى شعره إلى أساطير قديمة متنوعة ويحتاج فهم شعره إلى مجهود فكرى كبير، قد يؤدى أحيانا إلى إفساد المتعة الفنية فى شعره.

‎لكن ذكاء «بهاء طاهر» الممثل والمخرج مع مجموعة كبيرة من عمالقة التمثيل الذين قاموا ببطولة المسرحية وهم «محمد الدفراوى، نعيمة وصفى، عمر الحريرى، سناء جميل، محمود كامل» جعلونا لا نشعر بصعوبة «اليوت» بالعكس أحببنا إلقاءهم لشعره ولفكره.
 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق