رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محفوظ وماركيز وجويس.. أحلام هؤلاء المبدعين

محمد جبريل;

الأحلام الكبيرة فى مجال الإبداع ـ قد تتحقق بنضج الموهبة، والوعي، والدأب. وقد تتضاءل بالممارسة فلا تفصح عن المعنى الذى تصوره الكاتب. أما الأحلام الصغيرة فتظل فى دوائرها المحدودة، وقد لا تتحقق.

ولعل المعنى الذى يربط بين كتابات هؤلاء المبدعين هو المغايرة، الكتابة على نحو لم تألفه الرواية فى العالم، إطلاق الخيال دون ضوابط ولا كوابح تقيد الواقعية، ولا تتيح لها حرية الحركة، واتخاذ المواقف، والإفادة من الخيال فى صياغة رؤى وذكريات وتصورات، وما تتيحه الموهبة من القدرة على الاستعادة والتشكيل. كانت «دون كيخوته» من البدايات الروائية المهمة التى ظلت حلماً لسرفانتس فى انشغاله بإبداعات أخري، قبل أن تلح فى طلب النور. وكان فلوبير يحلم بأن يؤلف كتابًا عن لا شيء، وإن جاء كتابه عن كل شيء. ولعلى أشير إلى «أوليس» جيمس جويس. إنها تبدو استثناءً وتفردًا بين أعمال جويس، ليس لحجمها فحسب، وإنما لقيمتها الفنية الاستثنائية .




وتخيل الأوروجوانى خوان كارلوس أونيتى (1909 - 1994 ) مدينة يتحرك فيها العديد من الشخصيات والأحداث الروائية. وثمة المدينة المتخيلة «دكوما» التى تمنى كتابتها خوان رولفو. وطالما اعتزم همنجواى أن يكتب قصة عن كل شيء يعرفه. وعندما رفعت المدرسة الحديثة فى 1917 شعار «لا للتقليد والمحاكاة.. نعم للأصالة والمعاصرة» كانت تعنى الخروج من شرنقة القديم إلى براح الجدة والحداثة. بل إن نجيب محفوظ قدم لنا - قبل أن يودع الحياة - » أحلام فترة النقاهة«، وهى الأحلام التى شغلت باله - خيالًا أو واقعًا - عقب محاولة اغتياله فى أواسط التسعينيات.

وللكاتب التركى إسماعيل قدرى قصة بعنوان« الكتاب العظيم »، لخص صديق الراوى ما يشغله بأنه مشروع أضخم من اللازم، ويحتاج إلى جهد معرفى وإبداعى فوق الطاقة، يتخيل فناء الكرة الأرضية لسبب ما، يختفى كل البشر، لا يبقى سوى شخص واحد، يرى أن عليه أن يتحدث عما كان، عن صورة الحياة على الكرة الأرضية قبل أن تدين للفناء، يروى الحكاية من بداياتها، ميلاد الخليقة، وتوالى الأنبياء والزعماء والقادة والمفكرين والمبدعين والعلماء والأقوام والأديان والحروب والاختلافات السياسية والأمراض والأوبئة والفنون والمخترعات.

كان الصديق يثق فى إمكان تأليف كتابه الشامل ــ كما سماه ــ يحفزه إلى تأليفه أن البشرية فى حاجة إليه. ولأن الصديق ــ فيما يبدو ــ أدرك طول الفترة منذ بدء الخليقة، فقد قرر أن يقصر جهده على فترات التاريخ المكتوب. لكن طموح الرجل دفعه إلى مجاوزة ما كان قد اعتزمه باختزال الفترة الزمنية للكتاب الشامل، بدأ منذ إنسان «النانيدرنال» إلى الزمن الحالي، جعل لكل مائة ألف سنة مائتى صفحة، ولكل ألفية صفحتين، وبذلك صار التاريخ المعروف للبشرية فى ثمانى صفحات، وحصل تاريخ القرن العشرين على خمسة أسطر.

مع أن كمال عبد الجواد فى ثلاثية نجيب محفوظ [أذكرك بقول الفنان: أنا كمال عبدالجواد]، حاول الحصول على موافقة أبيه بالالتحاق بمدرسة المعلمين، فإن مهنة المعلم ـ فى الحقيقة ـ لم تكن تجذبه. كان يحلم ـ والتعبير للفنان ـ أن يؤلف كتابًا، يهز الأرض، لم يخمن مادته، وإن تصوره فى حجم القرآن الكريم، تحدق بصفحاته هوامش الشرح والتفسير مثلما كانت عليه الكتب التراثية التى شكلت بعدًا مهمًا فى قراءات كمال هذه هى الحقيقة. أى كتاب؟، لن يكون شعرًا؛ إذا كانت كراسة أسراره تحوى شعرًا، فمرجع ذلك إلى أن عايدة ـ محبوبته ـ تحيل النثر شعرًا، لا إلى شاعرية أصيلة فيه. فالكتاب سيكون نثرًا، وسيكون مجلدًا ضخمًا فى حجم القرآن الكريم وشكله، وستحدق بصفحاته هوامش الشرح والتفسير كذلك. ولكن عم يكتب؟ ألم يحو القرآن كل شيء؟. لا ينبغى أن ييأس، ليجد موضوعه يومًا ما، حسبه الآن أنه عرف حجم الكتاب وشكله وهوامشه، أليس كتاب يهز الأرض خيراً من وظيفة، وإن هزت الأرض؟. كل المتعلمين يعرفون سقراطـ ولكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه».

تصور نجيب محفوظ تلك البداية فى سلسلة الروايات التى حاول فيها أن يعرض للتاريخ المصرى عبر العصور أشبه بما فعله السير ولتر سكوت فى تناوله التاريخ البريطاني. ثم تصوره ـ ربما ـ فى روايات مرحلة الواقعية الطبيعية محاكاة لرواد تلك المدرسة: بلزاك وزولا وديكنز وستندال وفلوبير وغيرهم، ولعله وجد المعنى فى «أولاد حارتنا» التى عرضت رحلة الإنسان على الأرض بحثًا عن اليقين الديني. وإذا كان الجبلاوى قد قتل فى نهاية الرواية، فإن الذات الإلهية لا تجسد، لكنه اليقين الدينى الذى يتصور الإنسان أنه قد استغنى عنه، لكن الرحلة تظل قائمة، وممتدة، حتى يأتى الصوت فى قلب الخلاء: إن كنت تريدينى حقًا فلم هجرتني؟، وتبين الرحلة أبعاد أخرى مهمة فى رواية «رحلة ابن فطومة». وكما أشرت فى كتابى نجيب محفوظ.. صداقة جيلين «فإن» ملحمة «الحرافيش» إعادة أشد فنية من أولاد حارتنا. عابت آراء على الفنان أنه أعاد فى «أولاد حارتنا» كتابة تاريخ الإنسانية من خلال سير الأنبياء. عرض للحكايات المعروفة بما يشبه الحافر على الحافر ـ على حد التعبير اللغوى واستبدل بأسماء الأنبياء ما يقاربها فى شخصيات الرواية. فحاولت «الحرافيش» أن تجاوز ـ بفنيتها ولغتها ـ ما تخلل «أولاد حارتنا» من شبهة التقريرية.

وبالطبع، فقد ذوى حلم الكتاب الكبير الذى شغل كمال عبد الجواد، صار الشاب الصغير، المتحير بين الفلسفة والإبداع السردي، أهم روائيى العربية، حقق فى مجموع أعماله ما جاوز فكرة الكتاب الكبير، الذى لم يكن قد استقر على مضمونه ولا شكله.

تعددت مؤلفات نجيب محفوظ، جاوز بعضها ـ مثل الثلاثية ـ مئات الصفحات، وتضخم عدد صفحات روايات مثل »أولاد حارتنا« و« ملحمة الحرافيش«، واقتصر العديد من الروايات على القليل ـ نسبيًا ـ من الصفحات. ظنى أن مجموع الروايات الذى يقارب الخمسين يمثل ذلك الكتاب الكبير الذى حلم كمال عبد الجواد بتأليفه.

فى مايو 1967 صدرت الطبعة الأولي، الإسبانية، من رواية جابرييل جارثيا ماركيث «مائة عام من العزلة». نفدت بعد أسبوع واحد، وبيع منها ـ فى مدى العقود الثلاثة التالية ـ نحو ثلاثين مليون نسخة.

تشير الباحثة والمترجمة الجادة د. عبير عبد الحافظ إلى ولع ماركيث الصغير بالقراءة وتأمل الواقع من حوله، والاكتشاف، فضلًا ـ وأنا أنقل عن الدكتورة عبير ـ عن القراءات المتعددة للكلاسيكيات الإسبانية، وعلى رأسها الكتاب المقدس، ورائعة سرفانتس «دون كيخوتة»، وألف ليلة وليلة وهو الكتاب الذى أكد ماركيث ـ فى أكثر من مناسبة ـ أنه لعب دورًا بارزًا فى تشكيل خياله الروائى [أذكر ـ شخصيًا قول ماركيث: قرأت ألف ليلة وليلة، فصرت أديبًا] وهو ما أكده زميله ماريو بارجاس يوسا فى رسالته للدكتوراه التى نوقشت بمدريد فى سبعينيات القرن الماضي.

كانت ألف ليلة وليلة انطلاقة ماركيث إلى قراءات تتصل بها، وتوسع من دوائرها. قرأ فى الفنون الحديثة مثل التعبيرية والماورائية والدادية والتكعيبية والسوريالية، وانغمس فى الإبداعات المغايرة لما يبدعه أدباء أمريكا اللاتينية وأوروبا. وامتدت قراءاته ـ من خلال نشاطه الصحفى إلى الآداب الأوروبية والأمريكية. شكل ذلك كله خلفية، ونسيجًا متداخلًا فى مشروعه الخاص، إلى جانب إفادته من الإنثروبولوجى الأمريكى اللاتيني. ثم بدأ ـ فى منتصف الخمسينيات ـ برواية «ليس لدى الكولونيل من يخاطبه»، والعديد من الروايات والقصص القصيرة.

ثم كانت «مائة عام من العزلة» تحولاً حقيقيًا فى إبداع ماركيث، وفى الرواية العالمية جميعًا، وأكسبها النقاد تسمية «الواقعية السحرية» نتاجاً للمستحدثات الإبداعية والفلسفية، بل إنه اخترع مدينة تخصه باسم ماكوندو، المدينة التى تحركت فى مدن تشابهها روايات مثل «مملكة هذا العالم» للكوبى أليخو كارينتيير، و«بدرو بارامو» للمكسيكى خوان رولفو.

بدأ ماركيث حياته ـ كالعادة ـ مقلدًا، لكن رواياته الأولى واجهت نقدًا عنيفًا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق