رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«لا محالة»

غلبنى الشوق كما تغنت ست الستات (أم كلثوم) فى إحدى أغانيها المعبرة عن الوجدان، لشعب وجد فى زمنها من يعبر عنه بأبسط الكلمات لأعمق الأفكار.. فقد غلبنى الشوق لأحبائى الذين رحلوا عن دنيانا، ووجدت تعزية للنفس فى زيارة أضرحتهم تيمنا بالمعانى التى زرعوها فى نفسي، وتمثلا لوجودهم الحى فى القلب والعقل، وإن غاب وجودهم المادي، وأتعشم فى الله أن يحسوا بوجودى كما أحس بوجودهم حتى ألقاهم.

فى هذه الرحلة الوجدانية إلى الريف تغيرت معالم الطرق وشاهدت الثورة الإنشائية التى تتأجج فى صمت على أرض الواقع، من طرق وكبارى حديثة، غيرت المسارات فضللنا الطريق وتوغلنا فى قرى الشرقية على غير هدي، ولكن رب صدفة خير من كل ترتيب، فكانت فرصة لأشاهد قاع الريف وناسه، وكيف يتعاملون مع شظف العيش وقلة الموارد ورقة الحال كما تبدو لى كواقع صلب، إلا إننى لم أشاهد فيهم إلا التسامى والوداعة كأن ذلك ليس واقعهم، ولكن واقعهم فى داخلهم! بتجاوز التدنى المادى إلى الرقى الروحي، والاستمتاع بجوهر الوجود، بالسماحة التى توحى أنهم وصلوا لمرتبة الإحسان الصوفي، فتجدهم بشوشين على أهبة الاستعداد لمساعدة الغير، لاسيما عابرى السبيل مثلنا، يعيشون على فطرة الخير مصدر كل سعادة! فلا ينقصهم شيء ولا يطلبون إلا الستر، ولسان حالهم ربك رب العطا.. يدى البرد على قد الغطا!. هؤلاء البسطاء بعفويتهم الطيبة هم القادرون على إحياء الأمل، بأن الضمير الوطنى بخير، طالما يوجد أهل الخير، الذين يتمسكون بالأعراف الأخلاقية التى تصون ترابطهم العاطفي، مصدر سعادتهم الرئيسي، بعدما جفت مصادر الرزق المادي، لما تمر به بلادنا من تداعيات الربيع المخرب الذى أطاح بالثمار القليلة لفترة من الاستقرار، تمت المقامرة بها لتسقط البلاد فى حكم التخلف المتطرف!. شتان بين قاع الريف الراقي، وقاع المدينة السوقى البذيء، كما تراه على منصات التواصل الاجتماعى مثل تيك توك، بل إن هذا التسامى الريفى البسيط عن الواقع المادى يمثل روح العقل المنضبط الذى يعى الواقع، ويكتشف حدود القوة فى التعامل معه بالرضا، ويخترع علاقات عاطفية من اللياقة الاجتماعية المهذبة تعوض الفقر المادي، ويتخطى الإحساس السوقى البذيء المنتشر فى قاع المدينة والذى يشمل متعلمين بل وأساتذة بالجامعة تملكتهم شهوة البربرية والقباحة على منصات التواصل. ما بدا لى من الوجوه السمحة الراضية، أنها قد أمسكت بجوهر الفكرة الدينية النابعة من فطرة الحس الأخلاقى الخيري، وليس العكس، فيعرف المتدين من قوة أخلاقه، ولا يعرف الخلوق من قوة تدينه! فهناك من يدعى التدين ويأتى من الأفعال ما يصدم الفطرة الأخلاقية البسيطة، وهو ما أتى بالعجب فى فترة تمكين التيار المتأسلم، بفعل مصالح القوى الكبري، التى رأت أنهم حصان طروادة الذى يأتيهم بكل أطماعهم ومكاسبهم بلا جهد استعماري، ولا حروب مكلفة، فكان ما سموه «صحوة إسلامية» ليس إلا نكبة على المسلمين لا الإسلام، فالإسلام سيبقى دين العقل والعلم والأخلاق مادام هناك تيار أساسى من المسلمين يؤمن بذلك، بكل بساطة أهل الريف البسطاء!.

وكنت أتمنى أن أؤكد هذه الفكرة باليقين وأدعى أن «لا محالة» أن بيضة الإسلام بخير مادام النسيج الوطنى يملك الوعى بالواقع وتوليد الأفكار المثالية المناسبة، إلا أن «لا محالة » أى لا ريب فيه، توكيد لا يليق بالحكم العقلانى على الأمور الذى لابد أن يستند إلى معلومات مرصودة وتحليل منهجى علمى لها ، لكن دليلى المادى على فاعلية هذا النسيج الطيب أنه هو الذى احتضن الأشقاء العرب الذين خربت ديارهم بسبب كلمة «لا محالة» التوكيدية الوثوقية الوهمية، هذه بأن النصر قادم «لا محالة» والخير قادم «لا محالة» والثورة قادمة «لا محالة»... إلخ المحالات التى يغرق فيها العقل العربى بلا تمييز لا عقلى ولا علمى!

آخر لا محالة ساذجة هى التهليل لتولى الرئيس الأمريكى (جو بايدن) كأنه طبعة جديدة من الأوبامية التى ستعطى قبلة الحياة للإسلام السياسى لا محالة لتسترد عافيتها لتكون قوة فاعلة فى المنطقة بعد أن اعتبرها (ترامب) – المقابل الموضوعى لهم - قوة راديكالية متطرفة وخطرا على المصالح الأمريكية، وكأنه لم تجر تحت الجسور مياه كثيرة! فالتجربة التاريخية هى من فضحت هذا التيار المتاجر بالدين من أجل السلطة وكشفت فشلهم فى إدارة الدولة أو قدرتهم على إقرار الحكم الديمقراطي، وإدراك السياق العالمى لمدى خطورة التلاعب بالمقولات الدينية التى تؤدى بالضرورة إلى الإرهاب أوقف التلاعب بقضايا حقوق الإنسان بعد أن تم توظيفها لحقوق الإرهاب! كما أنهم لم يعودوا صالحين للاستعمال بعد الوعى الشعبى الذى تشكل من خبرة الربيع المشئوم ولم يعد يستسيغ التألى على الله سبحانه وتعالى من انتهازيين صدموا العواطف الدينية الأخلاقية بما فيه الكفاية، فالكيان الوطنى الذى يجرى تشييده بسواعد أبنائه لا يحميه إلا النسيج الوطنى الذى اكتسب وعيا جوهريا يسرى فى أعماق الريف بأن ما يجرى لمصلحته من بناء يفتح الآفاق لأبنية جديدة مؤسسية فى المستقبل المشرق بإذن الله! لا محالة!.


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: