رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كانط.. رسول العقل الإنسانى

اهتمت جل فلسفات التنوير بترقية الإنسان إلى موضع الكائن العاقل الحر، ومن ثم سعت إلى تحريره من قيدين أساسيين: أولهما المدركات الخرافية التى تعطل مسعاه فى طلب معرفة موضوعية عن العالم والتاريخ حيث كانت الأساطير الخرافية والتقاليد البالية والمعتقدات الموروثة قد وضعت على العقل حجبا كثيفة أعاقته مرارا عن الاشتغال المنهجي. وثانيهما قوى الهيمنة الخارجية، المنبثقة من خارج ذاته هو، حيث الوقوع فى أسر الكهانة الدينية أو الوصاية الاجتماعية أو التقاليد القبلية التى تفتك بشخصيته الحرة، واستقلاله الذاتي. وهكذا استهدف التنوير فى العموم ازدهار الإنسان بزيادة قدرته على تحصيل المعرفة (العقلانية) أو ممارسة الإرادة (الحرية). على صعيد نظرية المعرفة قدمت النزعة النقدية نموذجا للعقلانية، يتجاوز التجريبية الساذجة التى شاعت فى بداية الثورة العلمية وعوِّلت على مبدأ الاستقراء البسيط الذى يتطلب فحص كل مفردات الواقع قبل الادعاء بتعميم ما أو نظرية معينة، وهو أمر قد يتوافر عند دراسة ظاهرة جزئية ولكنه يبدو صعبا عند دراسة الظواهر الكبرى والمعقدة. كما يتجاوز المثالية الذاتية التى تشكك فى وجود حقائق خارجية مستقلة بنفسها عن الذات العارفة، وترى ظواهر العالم الخارجى مجرد انعكاس لتصوراتها وللمناخ الثقافى السائد حولها وليس لمبادئ العقل البشرى فى اتساقها وكونيتها. وفى المقابل ترتكز النزعة النقدية على (المثالية التجريبية) التى تعترف بالواقع المادى القائم اعترافا كاملا، ولكن باعتباره مصدرا لانطباعات ومدركات حسية لا يمكن فهمها أو تحويلها إلى أفكار ونظريات وحقائق إلا من خلال العقل الذى يحتوى على مبادئ قبلية للمعرفة كـالزمان والمكان والعلية، وأيضا وسائط للفهم والتأمل والتحليل تنبع من طبيعته ذاتها كالتوازن والانسجام والتناسق وعدم التناقض. يستطيع العقل المبادرة بطرح الأسئلة التى تشغله هو على الطبيعة أو الواقع الاجتماعى المحيط به، ويتلقى عنها إجابات، تصبح بدورها موضعا للفحص والمساءلة، ومن خلال تكرار تلك العملية يتقدم أكثر نحو جوهر الحقيقة، من دون اصطدام حتمى بالإله. بلغت النزعة النقدية ذروتها مع كانط الذى صار علما عليها، ومن خلالها تمكن من التمييز بين قضايا الوجود وقضايا المعرفة. تنطوى الأولى على المفاهيم الميتافيزيقية كالإلوهية والخلود والحرية. وتدور الثانية فى فلك المفاهيم الفيزيقية كالعالم والواقع والمجتمع. تخضع قضايا المعرفة للعقل التحليلي، القائم على الانتقاء والتجريب. وتخضع قضايا الوجود للعقل التركيبي، القائم على الوعى الكلى والإدراك الشامل. ومن ثم لم يعد الهم الأساسى للفلسفة النقدية إثبات وجود الله أو نفيه من خلال العقل بل فحص القضايا المعروضة على هذا العقل، والتمييز بين تلك المحصورة فى نطاق عالم الظواهر، وهى ما يصلح للنهوض بمسئوليتها، وتلك المتعالية على عالم الظواهر فلا يصلح لها لأنها تتناقض وطبيعة عمله. وبعد أن كان الإيمان يحتاج إلى تدليل على وجود الكائن المستحق له، فإذا تعذر إثبات وجوده تجريبيا كان الاتهام بالتناقض مبررا بين أن تكون مؤمنا وعقلانيا فى الوقت نفسه، والطريق مفتوحا أمام الشك معبدا بالإلحاد واللاأدرية، تمكن كانط من قلب الموقف رأسا على عقب، مطالبا الملحد نفسه بإثبات عدم وجود الله، منتصرا لفكرة أن الحقيقة الإلهية، لفرط تساميها وليس ذبولها، لا يمكن فحصها تجريبيا على منوال الظواهر الطبيعية والمجتمعية، بل يمكن بلوغها بالوعى الإنسانى الشامل بما فيه من عقل يعقل، وضمير يهجس، وحدوس تكشف، أى على أساس الاستدلال النظرى والتفضيل الأخلاقي، وهنا صار ممكنا لعالم كبير أن يعمل عقله منهجيا فى ظواهر الطبيعة مستخرجا قوانينها، مستنتجا منها وجود الله حسبما يهديه ضميره. ولعالم آخر كبير أيضا أن يعمل عقله المنهجى فى ظواهر الطبيعة مستخرجا نفس القوانين، مستنتجا إنكار وجود الله حسبما تلهمه حدوسه. وهكذا انحل التناقض الذى تصورته الفلسفة الحديثة حتميا بين الدين والعلم وتجاوز الفكر الغربى مأزقه التاريخى إلى مرحلة أكثر نضجا لا تزال تحكم التيار الأساسى فيه، من دون إنكار لوجود تيارات أخرى وإن كانت أكثر هامشية.

أما ميزة كانط الكبرى فتتمثل فى اتساق مذهبه النقدى وامتداده من العقل النظرى على نحو ما أسلفنا، إلى العقل العملى الذى يتعاطى مع القضايا السياسية والأخلاقية، انطلاقا من مفهوم الواجب كأساس للقيم المدنية ينبع من الإرادة الإنسانية الحرة ويتفق مع الروح الحديثة، وركيزة لمفهوم (المجتمع العالمي)، الذى لا يمكن أن ينشأ إلا إذا قمنا بتمديد التزامنا ودعا إلى تأسيس منظومتين قانونيتين تسيران جنبا إلى جنب، إحداهما تسيّر الشئون الداخلية للمجتمع الواحد على أساس من الحرية وصولا إلى الديمقراطية، والأخرى تنظم العلاقات بين الأمم على أساس من العدالة وصولا إلى السلام، مؤكدا أنه لا يمكن تحقيق الحرية داخل الأمم إذا لم يتحقق العدل والسلام بين هذه الأمم. وهنا اقترح إنشاء هيئة دولية تقوم على مهمة السلام العالمى فى موازاة عملية تطوير الديمقراطية الليبرالية فى المجتمعات المحلية محذرا من أن تعامل هذه الهيئة مع بعض الدول المكونة لها بغير تكافؤ أو عدالة إنما يفسد عملها وينهى السلام العالمي، مثلما يؤدى الخروج على فكرة سيادة القانون إلى تقويض الديمقراطية داخل الأمة / الدولة. هكذا جاء النسق الفلسفى الكانطى محكما يمتد من العقلانية النقدية إلى الديمقراطية الليبرالية، إلى المجتمع العالمي، على نحو أعاق محاولات تأويله فى اتجاهات خاطئة كما حدث للنسق الهيجيلى الفضفاض، ولهذا استحق كانط موقعه كخاتمة للفلسفة الحديثة وفاتحة للفلسفة المعاصرة ورمز للتنوير الأوروبى بل إنه فى ظنى الشخصى آخر الرسل الكبار للعقل الإنساني. نكمل فى الأسبوع المقبل حديثنا عن النزعة المادية والتيارات الإلحادية.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: