رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية

من أحمس إلى السيسي، حلقات متصلة من تاريخ مصر، أقدم دولة فى العالم، صاحبة الحضارات المتعددة التى يندر أن توجد فى دولة واحدة منذ سبعة آلاف عام قبل الميلاد، من المصرية القديمة إلى العصر اليونانى ثم الرومانى فالقبطى وصولا إلى الإسلامي، الذى مر أيضا بمراحل مختلفة من الأموى إلى العباسى وصولا إلى الجمهورية الأولى التى أسستها الثورة الأم فى 23 يوليو 1952 لتبدأ أهم الفترات فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر. هذه الحلقات المتعددة من التاريخ خلقت فى بعض الأحيان معارك فكرية حول هوية مصر، ظهرت على صفحات الجرائد فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وعالجتها الدراما فى بعض الأعمال المتميزة وخاصة للكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة مثل مسلسل أرابيسك، الذى تساءل بطله حسن النعمانى (احنا إيه.. عرب ولا فراعنة ولا متوسطيين.. ولا إيه بالظبط؟)، وكانت الإجابة فى اسم المسلسل، فمصر نجحت عبر أكثر من سبعة آلاف عام فى أن تستوعب كل العصور التى مرت بها لتشكل فى النهاية قطعة أرابيسك نادرة تعبر عن هوية مصر، وعبر هذا التاريخ كان الشعب المصرى وجيشه العظيم دائما ما ينتفضان ضد أى محاولة للعبث بهذه الهوية، ولذلك وصف الرئيس عبد الفتاح السيسى ثورة 30 يونيو ـ التى اطاحت بالجماعة الإرهابية ـ بأنها حافظت على هوية مصر الأصيلة من الاختطاف. لكن محاولات العبث بهوية مصر تأتى أحيانا من بعض الذين يتعمدون ـ عن جهل أو عمد ـ تحريف بعض مراحل التاريخ المصرى وتشويه رموز بعينها ارتبطت بحركة النضال الوطني، وخاصة من جانب هؤلاء الذين تركوا مهنهم الأصلية وتحولوا إلى رواية بعض الحواديت عن وقائع التاريخ ظنا منهم بأنهم قد اصبحوا بذلك مؤرخين، دون أى دراية بمناهج البحث التاريخى واستخدام التحليل العلمى أوالتحلى بالموضوعية بعيدا عن أى ميول ذاتية أو أهواء أو أهداف شخصية.إن عملية كتابة التاريخ فى مصر تعانى صعوبات كثيرة، أو كما يقول المؤرخ الكبير الدكتور رءوف عباس إنه برغم التجربة التاريخية الغنية واستمرارية التاريخ المصرى منذ كان هناك تاريخ مكتوب، فإن كتابة تاريخ مصر تعانى أزمة منهجية ماثلة للمعنيين بالحركة الثقافية فى مصر خاصة، والحركة الثقافية العربية عامة، فما تعانيه كتابة تاريخ مصر تشكو منه كتابة التاريخ العربى عامة غير أن مصر تنفرد بظروف بيئية خاصة تميزها على البلاد العربية فى المشرق والمغرب على السواء، هذه الأزمة المنهجية ترجع فى تقديرنا إلى غياب الوعى بوظيفة التاريخ، كما ترجع إلى النقص فى ثقافة المؤرخ ، واختلاط المفاهيم عنده، وسوء التقدير لأدوات الكتابة التاريخية. فإذا كان هذا هو حال المتخصصين فى كتابة التاريخ، فما بالنا عندما يتصدى الهواة لهذه المهمة الجسيمة، لبث السم فى العسل وتشويه تاريخ مصر ورموز الحركة الوطنية، وتمجيد عصور القهر والاحتلال، والتشكيك فى الدور الوطنى الممتد عبر التاريخ لجيش مصر العظيم. ولذلك جاء تحرك عدد كبير من المثقفين من كتاب وفنانين واساتذة بالجامعات وأعضاء بمجلسى النواب والشيوخ لإطلاق مبادرة شعبية للدفاع عن تاريخ مصر وجيشها العظيم الذى انحاز دوما إلى إرادة الشعب منذ ثورة البطل أحمد عرابى قائد الجيش الذى رفع شعارمصر للمصريين الى ثورة 30 يونيو مرورا بالثورة الأم فى 23 يوليو، ومواجهة محاولات تبيض عصر الاحتلال البريطانى وماسبقها من محاولات أخرى بالهدف نفسه مع الاحتلال العثماني، وكأن تلك الحملات ـ حسب البيان الصادر عن هذه المبادرة ـ تستكثر على شعبنا أن يحكم نفسه بنفسه وأن ينعم بثرواته وأن يعيش كأغلب شعوب العالم بكرامته على أرضه، وتشكك فى نظامنا الجمهوري، وقدرة شعبنا وجيشنا على إحداث أى نهضة أو تقدم فى بلادنا.

إن مثل هذا الجهد الشعبى المهم بدأ بدعوة من الكاتب الصحفى أحمد رفعت استجاب لها عدد كبير من المثقفين، ودعمته بقوة النائبة فريدة الشوباشي، التى وصفت الهدف من محاولات تشويه تاريخ مصر والعبث بالذاكرة الوطنية بأنه مخطط خبيث لزرع الشك فى الجهد الكبير الذى تشهده مصر الآن فى البناء والتعمير، عبر من يمجدون زمن الاحتلال والإقطاع ومجتمع الأسياد والعبيد الذى انتشلنا منه جيشنا العظيم المنحاز دائما للشعب.إن إعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية يحصن شبابنا ضد محاولات أهل الشر فى الداخل والخارج للتشكيك فى الهوية المصرية، وهو أمر يستلزم مشاركة قوية من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وأجهزة الثقافة والإعلام والتعليم، إلى جانب الجهد الشعبى عبر تلك المبادرات، وعدم السماح لغير المتخصصين بالظهورفى وسائل الإعلام لمناقشة وقائع التاريخ المختلفة، مع تأكيد الالتزام بالثوابت الوطنية وعدم التشكيك فى الرموز التاريخية، وأن يتصدى المجلس الأعلى للإعلام وكل الأجهزة المعنية لأى تناول غير موضوعى لتاريخ مصر فى الفضائيات أو الصحف، خاصة إذا كانت له أهداف خبيثة تستهدف التأثير على الهوية المصرية والتشويش عليها.كما اننا بحاجة إلى إعادة النظر فى مناهج التاريخ بالمراحل الدراسية المختلفة، للتأكد من مناسبتها مع الفئات المستهدفة عمريا، ومدى تأثيرها على وجدان المتلقى ومساهمتها فى رفع درجة الوعى الوطنى لديه، مع إلزام جميع أنواع المدارس الدولية والخاصة الموجودة على الأراضى المصرية بتدريس مناهج التاريخ التى تقرها وزارة التربية والتعليم، حتى لا نفاجأ بأجيال جديدة لا تعلم شيئا عن تاريخ بلدها، أو درست معلومات مشوهة عنه.لقد شهدت الفترة الأخيرة عبر السوشيال ميديا محاولات مهمة من شباب مصرى واع للتعريف بتاريخ مصر والآثار التى تنتمى لحقب مختلفة، وهى محاولات لاقت استجابة كبيرة من الشباب، ولكنها فى النهاية جهود فردية تحتاج إلى رعاية من مؤسسات كبرى لتتمكن من تحقيق هدفها بالحفاظ على الهوية المصرية.


لمزيد من مقالات فتحى محمود

رابط دائم: