رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إلى هشـاشــة العلاقات؟

الخوف من الارتباط والرغبة فيه، الصراع بين التوق إلى الحرية والرغبة بالالتزام والوقوع بالحب، كيف تؤدى التكنولوجيا ومواقع التواصل إلى انعدام التواصل الحقيقي..كل تلك القضايا الإشكالية يفسرها عالم الاجتماع البارز زيجمونت باومان فى كتابه «الحب السائل». ففى عالمنا الذى تهيمن عليه سيرورة النزعة الفردية والنزعة الاستهلاكية صارت العلاقات تتأرجح بين حلم جميل وكابوس مفزع. ثقافتنا الاستهلاكية حولت «تجربة الحب» إلى ما يشبه السلع الأخري، حيث يتم التعامل مع الآخر على أنه سلعة استهلاكية يتم التنازل عنها بمجرد ظهور سلعة أخرى تغوى بفرصة أكبر، وبمستوى إشباع أعلي. بهذا الشكل لا يستقر المرء فى علاقة واحدة، بل يتنقل من علاقة لأخرى دون وجود أى التزام للآخر للبقاء.

فى الماضى؛ كان طرفا العلاقة يتحدان معا لمواجهة الرتابة والملل اللذين يصيبان علاقتهما وينجحان بإرادتهما بتخطى تلك المرحلة لأنهما يؤمنان بضرورة استمرارية علاقتهما والالتزام ببعضهما البعض لكن العلاقات الآن تختلف، فطرف العلاقة فور أن يواجه إحساسا بالرتابة والملل؛ فإنه ينهيها مباشرة، باحثا عن أخري، وهكذا يظل الأفراد فى هذه الدائرة اللانهائية بحثا عن الشغف متنقلين بين العلاقات باعتباره خيارا أفضل من وجهة نظر المجتمع الاستهلاكى وقيمه؛ لذا يعانى المجتمع الاستهلاكى هشاشة العلاقات وانتهاء كل ما ميز الحب قديما من صفات الديمومة والتلقائية والعفوية.

أضف إلى ذلك انتشار الخوف من الارتباط أو الالتزام العاطفى بسبب عدم اليقين الناتج عن العولمة، والانغماس بالتواصل التكنولوجي، وتشكيك الفرد بقدرته على العطاء والالتزام الصادق تجاه الآخر بعلاقة وفية دائمة ومستمرة، هذا التخوف أدى إلى ظهور ما يسميه باومان بـ «علاقات الجيب العلوي»، لأن الفرد يحتفظ بها فى جيبه بحيث يمكنه إخراجها بسهولة متى أراد ذلك، وكذلك الانسحاب منها بسهولة. السبب نفسه هو ما يدفع الكثيرين أيضا لإقامة علاقات عاطفية عن طريق مواقع التواصل الاجتماعى، على اعتبار أن تلك العلاقات الافتراضية يسهل إلغاؤها فى أى وقت دون التزامات.

ويلاحظ باومان أنه كلما سهلت التقنيات الحديثة الاتصالات، مال المستهلكون لاستخدامها، وفى الوقت ذاته ابتعدوا عن «التواصل الواقعى الحقيقي» لكونه يحتاج إلى مهارات شخصية صعبة، مثل مهارات «الاختلاط الاجتماعي». ويرى أن العلاقات الافتراضية تحل بشكل متزايد محل العلاقات «الواقعية» الأكثر ثباتا، وأن الاستخدام الواسع لمواقع التواصل الوسيطة يقود الأفراد للتفكير بالاتصالات العابرة أكثر من التفكير فى الشراكات مدى الحياة. ومن ثم يتم تحويل المواعدة إلى نشاط ترفيهي، حيث يُنظر إلى الأشخاص على أنهم يمكن التخلص منهم إلى حد كبير فى أى وقت عند الشعور بالضغط أو الرتابة. كما يصبح ضعف العلاقات عبر الإنترنت نموذجا متجذرا بالوعى للصورة التى يجب أن تكون عليها علاقات الحياة الحقيقية، مما يخلق نمطا حول كون بنية الحب لا تتطلب الالتزام وهو ما لا يتوافق مع الحب نفسه.

أصبحت هناك «ثورة رقمية» فيما يتعلق بالمواعدة والرومانسية الحديثة. على عكس الأجيال السابقة، فإن البالغين غير المتزوجين اليوم، لا سيما أولئك الذين يعيشون بالمدن الكبيرة، لديهم مجموعة متنوعة لا حصر لها من الشركاء الرومانسيين المحتملين المتاحين من خلال الشبكات الاجتماعية وبرمجيات هواتفهم الذكية. أصبح الإنترنت «وسيطا اجتماعيا» قويا أزاح جزئيا دور «الوكلاء» التقليديين، مثل الأسرة والأصدقاء وقادة المجتمع، حيث يسمح الإنترنت بشكل متزايد للناس بالالتقاء وتكوين علاقات مع أشخاص ليس لديهم روابط اجتماعية سابقة معهم. فانتشرت تطبيقات المواعدة عبر الهاتف المحمول. يعتبر باومان أن «المواعدة الحاسوبية» حولت الحب والرومانسية إلى نوع من الترفيه وسوق للتسوق. ويجادل بأن النزعة الفردية والتغير الاجتماعى قد «أفسدا» الصلابة والأمن اللذين توفرهما الشراكات الرومانسية والهياكل الأسرية التى تستمر مدى الحياة.

فكرة أن العلاقات أصبحت أقل ديمومة بالعصر الحديث من تلك الموجودة بالأجيال السابقة تم استكشافها أيضا من قبل عالمى الاجتماع الألمانيين أولريش بك وإليزابيث بيك غرنزهايم فى كتابهما «فوضى الحب العادية» و«الحب عن بعد: أنماط حياتية فى عصر العولمة». يجادل العالمان بأن الزواج والحياة الأسرية أصبحا أكثر «ضعفا وهشاشة» بسبب القيم الاجتماعية المتغيرة بسرعة. على عكس الأجيال السابقة، يواجه الناس اليوم سلسلة لا نهائية من الخيارات. ويقترحان أن هناك تفككا فى أواصر العلاقات الزوجية الرومانسية، لأن الناس على ما يبدو يدركون أن شراكاتهم غالبا لا تدوم وبالتالى يخشون الاستثمار كثيرا فيها. هذا «النفور من المخاطرة» يقود الناس لزيادة الاستثمار فى أنفسهم، وفى مجموعة من العلاقات الأخرى، خاصة الصداقات، واستنزاف أنفسهم فى العلاقات العابرة.

وفى «الحب عن بعد» يرصدان كيف أن تطور ثقافة الحب اقترن بالحداثة والعولمة، التى انبثق عنها الصراع بين الحرية والمساواة والحب. أدت الهيمنة الأخيرة للرأسمالية العالمية والحداثة إلى ظهور ثقافة عالمية «غربية» مشتقة ومتشابكة من مناطق مختلفة من العالم وتخلق صراعًا داخل العائلات. يرى المؤلفان أن عملية إعادة القياس الجغرافى التى تحدث بسبب الرأسمالية العالمية تؤثر فى تكوين العلاقات والألفة. فى حين يأتى الحب عن بعد مع تحديات جديدة مقارنة بالحب الوثيق، فإن المسافة والفروق الثقافية تؤدى إلى تحديد معان وصراعات جديدة فى الأسرة. ولكن على الرغم من الاتجاه المتزايد نحو التفرد، يعتقد المؤلفان أن الحب ما زال مثاليا. فطوال مسار حياة الفرد، تبدأ العلاقات، وتتلاشي، وتبدأ من جديد فى سعى لا نهاية له للحب الحقيقى والإنجاز.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق