رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
بعيد الدار وفى القلب قريب

بقدر قربها من القلب ومشاعر الحنين والشجن التى تلف البعض لمجرد النطق باسمها، بقدر ما تبدو بحكاياتها وتاريخها وأساطيرها وطقوسها نائية، لتظل النوبة حالة وجدانية خاصة، قريبة من القلب وإن لم ترها العين، بعيدة مستعصية على فهم من لا ينتمون لأرضها!.  

فما يحمله أهالينا فى النوبة فى القلوب والعقول من حكايات، نسج الواقع بعضها والخيال البعض الآخر، يبدو فى عيون الغرباء أشبه بطلسم، حل ألغازه يكمن في دوائر انتماء متداخلة، تطورت من داخله لتشكل خصوصية، تمثلت  فى لهجات وحكايات شعبية وعادات وتقاليد وزى وفنون لا تخطئها العين ولا الأذن، وفى أدب نوبي استقى مادته وروحه من حياة أهل النوبة ليجسد المعاناة وتعلق القلوب بالأرض، فى صيغ مشبعة بعواطف وانفعالات عبرت عن الاغتراب والشعور بالأنا فى مواجهة الآخر.

وفى كتابه الجديد «الأولياء والكرامات والسحر والخرافة فى بلاد النوبة» يستكمل الأديب النوبى «عبد المجيد حسن» ما بدأه فى كتبه الخمسة السابقة، التى قدم فيها رؤية مستفيضة مبسطة لتاريخ النوبة وتركيبتها السكانية والدينية وحكايات التهجير وانعكاساتها فى أعمال أدباء النوبة، فيتطرق فى عمله الأخير للطقس السحرى وفانتازيا الخرافة فى النوبة الغارقة والنوبة الجديدة  من خلال ما حفظته الذاكرة وروايات الأجداد وحكاوى الجدات.  

فى البداية يؤصل الكاتب فكرة ارتباط الذهنية النوبية بالروحانيات والأديان عبر التاريخ، مشيرا إلى أن النوبة جاء ذكرها فى الكتب المقدسة الثلاثة وانها ظلت على مر التاريخ موطنا للكهنة والرهبان والقساوسة، وأهل التصوف ومنهم العارف بالله ثوبان بن إبراهيم ــ عالم الكيمياء الذى سبق علماء الحملة الفرنسية فى حل شفرة اللغة الهيروغليفية، المُلقب بذى النون المصرى الذى يُعد من أئمة المتصوفة المعتدلين فى مصر قولا و فعلا، وغيره من أبناء النوبة الذين برعوا فى علم الحديث فى مصر وأسند إليهم الخليفة عمر بن عبد العزيز أمور الفتوى. 

وفى رصد الكاتب للحكايات الشعبية والخرافات والأساطير التى انتشرت فى النوبة وخلقت حياة وعوالم موازية للبشر ارتبطت بالنيل، تطالعنا لوحات سردية حيّة، تروى تفاصيل الحياة فى النوبة، وتعكس المخزون الثقافى وحكايات مجتمع لا يزال رمزا للحضارة المصرية القديمة بكل ما يحمله من سمات مثل كرم الضيافة والإيمان بالله وبالأولياء وبحياة موازية للحياة الدنيا التى نحياها. ويستعرض الكاتب الخرافات والأساطير التى اعتادت الجدات المسنات سردها على مسامع شباب القرى النوبية التى حفظت اللغة النوبية من الاندثار، إضافة لكونها أحد أهم مصادر توثيق تاريخ النوبة الشفاهى.

ويصف الكاتب أساليب وطقوس الاحتفال بموالد الشيوخ فى قرى النوبة، موضحا أن معظم هذه الاحتفالات تكون فى شهر شعبان، فتنتشر حلقات الذكر والمدائح النبوية حول الأضرحة. ويكشف «حسن عبد المجيد» أن أهل الدجل والشعوذة مع نزوح أهل النوبة نقلوا نشاطهم وتجارتهم المشبوهة لمناطق بعينها فى القاهرة والإسكندرية. ثم يستعرض عددا من العادات والخرافات المنتشرة بين أهل النوبة ويربطها بمعتقدات المصريين القدماء وبالأديان المختلفة، من قبيل التفاؤل بأرقام 3و7 وسبعين، والأرواح والعوالم الأخرى والكائنات التى تعيش تحت ماء النيل.

الحقيقة أن «كتاب الأولياء والكرامات والسحر والخرافة فى بلاد النوبة» إضافة تؤصل لما جاء فى أعمال كتاب النوبة عن عوالم السحر والحكايات الشعبية، إضافة لكونه مرآة كاشفة عن دور الطبيعة والنيل والموروث الشعبى فى تشكيل وذهنية أهالينا  فى النوبة، ليُقربنا مما بدا دوما عصيا على الفهم نائيا!. 


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: