رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الناس والمستريح والاستثمار

روي لي صديق كان يعمل مديرا في إحدى الهيئات التي من مهامها تنظيم ندوات ومؤتمرات، بأنه فوجئ يوما بشخصين يطلبان لقاءه. وعندما جلس معهما تبين أن إحدى عاملات البوفيه التي تعمل في الهيئة قامت بالنصب عليهما، وحصلت منهما على أموال كثيرة بزعم توظيفها في الوجبات والمشروبات التي تقدم في الندوات التي تعقدها الهيئة، ثم ما لبثت أن تغيبت عن العمل دون سبب، وفُصلت لاحقا. ضاعت أموال الشخصين، وهما بالمناسبة من المتعلمين، الأمر الذي أذهل صديقي، وتساءل في حيرة كيف يمكن لسيدة محدودة التعليم، لا تعمل في وظيفة عليا أن تخدع شخصين يُفترض فيهما الوعي والفطنة؟

هذا مجرد مثال على النصب، وهي ظاهرة بات يٌطلق على بطلها اسم المستريح، وهو الشخص الذي يودع عنده الناس أموالهم بقصد استثمارها بعوائد مرتفعة، ويستمر في السداد لهم لعدة شهور حتى يأتي إليه القاصي والداني بأموالهم في القرية أو المركز أو المدينة التي ينشط فيها، ثم ما يلبث أن يختفي أو يتوقف عن السداد، وتضيع أموال الضحايا البسطاء، ويٌلقى القبض عليه أو يظل هاربا. ويحفل الإعلام من آن لآخر بحكايات المستريح من محافظة لأخرى. في المنيا قبض على شخص حصل على مليار جنيه من الناس بقصد استثمارها، وزاد مستريح الشرقية على مبلغ المليار مائتي مليون جنيه جمعها من ضحاياه بقصد توظيفها في مجال العقارات. وهناك مستريحون في محافظات أخرى، منهم من أستولي على ملايين، ومنهم من جمع مئات الآلاف، وعادة ما تكون البدايات واحدة، تتمثل في إقبال الناس على الكسب السريع دون عناء، وتتشابه النهايات التي تسطر ضياع أموال الناس. يذكرنا ذلك بظاهرة شركات توظيف الأموال، التي استطاعت أن تجتذب أموال المصريين بإيهامهم باستثمارها بعوائد مرتفعة، واستغلت حالة المد الديني التي شهدها المجتمع في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

هناك أسباب عديدة وراء شيوع هذه الظاهرة، منها الرغبة في الحصول على عوائد من استثمار الأموال أعلى من الفوائد التي تقدمها البنوك، وثانيا الكسل والاستسهال، والروايات الكاذبة التي تقنع الناس بإمكانية تحقيق مكاسب كبيرة دون مخاطرة أو عناء، وأخيرا الثقافة السمعية، والسعي إلى تقليد الآخرين، واشتعال التطلعات الاستهلاكية في المجتمع. ورغم توالي أخبار سقوط مستريح هنا أو هناك، وتقديم هذه الظاهرة في الأعمال الفنية إلا أن الناس لا تتعلم الدرس، وتظل على غفلتها، وهو ما يتسبب في ضياع المدخرات.

التصدي لهذه الظاهرة يتطلب البحث في أسبابها. هناك شرائح من المواطنين لديها مدخرات تريد الحصول على عوائد من ورائها، وبعضهم يرى أن الفوائد التي تقدمها البنوك محدودة، وهو يريد أن يحقق مكسبا أكبر، ولاسيما أن عوائد مدخراته تشكل أساسا للإنفاق على بعض جوانب معيشتهم التي زادت في السنوات الأخيرة. الحل في رأيي أن نوجد أوعية استثمارية – سهلة وميسورة- أقل مخاطرة تستوعب أموال البسطاء في المدن والريف، بقصد استثمارها. هؤلاء لديهم أموال لا يريدون استثمارها بأنفسهم، وبالتالي، ينبغي أن توجد الدولة من يستثمرها نيابة عنهم، ويعطيهم العائد من ورائها. من الأمثلة على ذلك المشروعات الإنتاجية التي تشكل وعاء استثماريا لأموال صغار المودعين. في السنوات الأخيرة، اطلعت على تجارب مهمة في مجال إنتاج الأعلاف للماشية، أو الأثاث الاقتصادي، أو تجميع الألبان، أو تسويق المنتجات الزراعية، وغيرها، من المشروعات التي تحقق أرباحا لأصحابها، ويمكن من خلال تنسيق الحكومة لها، وتقديم التسهيلات الضرورية، وتطوير أنظمتها الإدارية، وفتح منافذ تسويق لها أن تأتي بعوائد جيدة. وإذا كان الناس يبحثون عن مستريح يستثمر أموالهم نيابة عنهم، فلا غضاضة إذن أن تنشأ مشروعات اقتصادية، واضحة، على قاعدة من الشفافية تحقق هذا الغرض. تجارب التعاونيات ليست بعيدة عن ذلك، فهي تقوم على أساس العمل والثقة، وتوزيع الأعباء والعوائد على الناس. بالطبع لا نريد أن نضفي طابعا بيروقراطيا على هذا اللون من الاستثمار الشعبي، فقط نساعده من خلال التنظيم والمتابعة والتسويق، مع إعفاء هذه المشروعات لفترة زمنية من الضرائب. من خلال هذه المبادرة، نواجه النصب والمستريحين من جهة، ونوجد فرص عمل واستثمار وكسب للناس من جهة أخرى، بحيث يتخلصون تدريجيا من عقلية الاستكانة البيروقراطية، ويكتسبون حب المبادرة، والتفكير في العمل، والبحث عن الكسب في إطار اقتصاد منتج، وليس تدويرا فاسدا للأموال، تنتهي في جيوب نصابين. وإذا كان أحد أهداف تخفيض سعر الفائدة على الودائع تنشيط الاقتصاد، فلابد من إيجاد أوعية استثمارية آمنة تستوعب أموال صغار المودعين.


لمزيد من مقالات د. سـامـح فـوزى

رابط دائم: