رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن أحوال القلب

هذا السر العظيم الموجود بداخلنا واسمه القلب هو مفتاح كل شىء. ومكمن كل سر وأصل كل راحة. علامته الظاهرة هو القلب الموجود بين ضلوعنا لكن القلب الحقيقي اعظم واجل واعمق. والخالق يسهل علينا الفهم فيخلق لنا طول الوقت علامات في الدنيا تشير الي جوهر الاشياء. اذ ان القلب المادي يضخ الدم لكل عضو بأجسامنا، واذا تعثر ذلك عطبت تلك الاعضاء ومرضت وربما قادت الي انتهاء عمرنا الارضي كله. اما القلب  المعنوي، فهو الذي يضح حبا ورحمة لكل الكون ولكل المخلوقات. فإذا امتلأ القلب بالسواد او البخل او الكراهية وتوقف عن منح الحب لكل المخلوقات، تمرض علاقتنا بالآخرين وقد تموت. مما يؤدي الي موت الانسان المعنوي والذي لا يقل عن الموت الجسدي وان كان اسوأ. 

وقد وردت كلمة القلب ومشتقاتها في القرآن الكريم بمعنى العقل واللب والفؤاد، حيث وردت في قوله تعالى: (ختم على قلوبهم) 14 مرة. (في قلوبهم مرض) 12 مرة. (لتطمئن قلوبكم) 7 مرات. (قست قلوبهم) 6 مرات. (سنلقي في قلوبهم الرعب) 5 مرات. ( في قلوبهم زيغ ) 4 مرات. (ألف بين قلوبهم) 4 مرات. (علم ما في قلوبهم) 4 مرات. (جعلنا على قلوبهم أكنة) 4 مرات. (وجلت قلوبهم) 3 مرات. (ليربط على قلوبكم) 3 مرات. وقد وردت كلمة (اللب) 16 مرة وكلها بمعنى يا أولى الألباب أي يا أصحاب العقول والأفهام. ووردت كلمة (الفؤاد) 16 مرة بمعنى العقل والفهم. كما احصاهم الدكتور عامر شيخوني في بحث مهم له.

تواجهنا في رحلة  الحياة امور كثيرة تنشرح لها قلوبنا واموراكثر تنغلق بسببها. ونظل نعيش هكذا في هذه الحالة المتذبذبة بين القبض والبسط، كما هو حال قلبنا العضوي تماما. و في هذا قال الرسول محمد  صلى الله عليه وسلم: (سبحان مقلب القلوب). 

وبتأمل الحياة جيدا، نجد ان الافضل لنا الا نجعل قلوبنا في مهب الريح..فصعوبات الحياة كثيرة والتحديات لا تنتهي والمنغصات مرتبطة بلعبة الدنيا. لا يمكن اذن ان نترك قلوبنا تشعر بالغصة طول الوقت. فماذا نفعل ؟ هل نمتلك القدرة علي عدم التأثر بما يضايقنا؟ نعم او ربما. لو قلنا لانفسنا لا شيء هو نهاية العالم بالنسبة لنا. اي الم ايا كان. واي فشل من اي نوع. حتي الموت  ليس نهاية العالم. فبعده حياة اخري. و الفرح كذلك ليس كل شيء. نحتاجه لكن لا نحتاج ان نعتقد ان بغيره لن نحيا. فهناك السكينة وهي غير الفرح. ربما نحتاج دوامها اكثر. الخلاصة هي الا نبالغ في اي حزن او اي فرح بقلوبنا. و ان نعي ان التقلبات هي طابع الحياة وسمته الاساسية.

مؤكد اننا نعرف ان وراء كل الم حكمة. فبدون الالم لن نعرف قيمة الفرح. وبدون الحزن لن نتعلم الحفاظ علي احبائنا  اوقيمة النعم التي منحت لنا. وعندما نحزن نتعلم البحث عن الدرس. علينا ايضا ان نتعلم الحزن بنبل بدلا من العويل أو اتهام الآخرين اوالزمن اوانفسنا. انها تصاريف الاقدار التي لابد ان نتقبلها وان نعرف ان لكل امر سرا من ورائه. وان نتعلم الصبر . فالعالم لم يخلق ليسلينا طول الوقت. ليس هذه دعوة لتقبل الالم أوتقبل الظلم مثلا. لكنها دعوة لنفهم ان العالم حولنا ملىء بالصراعات. وقد يخذلنا مئات وربما آلاف المرات. لكن الله يمنحنا في المقابل الكثير من النعم العظيمة وربما البسيطة الكفيلة باسعادنا لو ادركنا قيمتها واعطيناها حق قدرها. لذا لابد ان نفتح قلوبنا دائما و لا نغلقها ابدا بسبب الجروح والآلام اوالصدمات والاحباطات. نفتحها امام بشر جدد يمنحوننا احتمالات للسعادة  وامام تجارب جديدة تكشف لنا اشياء مختبئة في العالم وانفسنا كفيلة باسعادنا.

اذا قابلتك تجربة تحزن قلبك ولم تستطع التعامل معها. قم بتغيير حالك فورا. سافر. اترك عملك او البشر الذين يسببون لك الالم. وغامر. لان في ذلك فتحا لقلبك امام الجديد من التجارب . واذا استطعت التجاوز عن الامك افعل ذلك. واذا نجحت في التسامح لمن آلمك فذلك افضل.لكن يظل الاهم هو ان تترك قلبك لله وتسلم له تماما وكليا. انظر الي ورقة الشجر التي يحركها الله او نقطة المطر او ذرة الغبار..كلها يحركها الله بأمان وسلام وهى واثقة من ذلك. تري هل تستطيع ان تقتدي بها؟

لو تركت قلبك لله لم يخذلك ابدا. لانه لا يوجد خذلان في معية الله..حتي الألم سيهونه الله عليك ويعلمك دروسه. ويرسل لك من آياته ما يجعلك تتحمل وأنت في قلب الازمة تماما كما حمي الله نبيه ابراهيم وهو في قلب النار.


لمزيد من مقالات د. أحمد عاطف درة

رابط دائم: