رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دور الفكر الاقتصادى فى تجنب الثورة (1)

سجلت فى مقالى السابق أن مكاسب سياسية كبرى انتزعتها الأمة المصرية بفضل وحدتها- شعبا وجيشا- بثورتى 25 يناير و30 يونيو؛ إسقاط نظامى حكم خلال نحو 30 شهرا. ولا يعنى هذا إنكار الخسائر الملازمة لكل الثورات، والتى ارتبطت فى الثورة بإرهاب الإخوان بالمؤامرة الخارجية وخيبة النخبة. ولا ريب أن ما تحقق بفضل الثورتين- وما أعقبهما من عملية إعادة بناء كبرى وشاملة بقيادة السيسى- مأثرةٌ تاريخية ليست غريبة على أمة تنهض جبارة كلما بدا للبعض أنه لن تقوم لها قائمة. لكن الطريق لا يزال شاقا وطويلا حتى يتحقق كل ما تطلعت اليه، ولا تزال، الأمة المصرية حتى تشغل مكانتها المستحقة.

وبالتعلم الإيجابى من الخبرة المصرية والعالمية، أزعم أن ريادة مصر تتحقق بتسريع التقدم نحو بناء مثال دولة المواطنة؛ أى إعادة بناء الدولة المصرية لتكون متحررة من التخلف والتبعية والعوز بفضل تحقيق التقدم الصناعى التكنولوجى وتعظيم انتاجية الزراعة والاستفادة القصوى من تنوع اقتصادها والإدارة الكفء لكل ثرواتها، من جهة، ومن ثم توفير الأوضاع والموارد اللازمة لتلبية تطلعات الشعب المصرى الى تعظيم ما يستحقه من حقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية ومدنية وثقافية، كما نصت عليها الدساتير المصرية خاصة 2014 والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان. وفى سياق، أبدأ فى إيجاز تطور الفكر الاقتصادى الاجتماعى فى التاريخ الحديث، وإسهامه فى الارتقاء من اقتصاد سوق حرة تهدر العدالة والكفاءة الى اقتصاد سوق ترتكز الى كفاءة تخصيص الثروة وعدالة توزيع الدخل.

وأسجل، أولا، أن إسهاما فرنسيا فى الفكر الاقتصادى والاجتماعى جاء فى النصف الثانى من القرن الـ 18، وعبر عنه روبير جاك تيرجو، الذى رأى الخطر الوشيك لوقوع ثورة كبيرة، فسعى إلى إنقاذ النظام القائم عن طريق الإصلاح، على حين فضل أعداؤه المجازفة بالخطر الأكبر؛ فاتحد ضده أصحاب المصالح المكتسبة، من كبار ملاك الأرض والبيروقراطيين مستنزفى الإيرادات العامة والمضاربين فى الحبوب ورجال الدين والأسر الارستقراطية. لكن تيرجو وغيره من الذين أطلق عليهم الفيزيوقراطيون رأوا أن الحكمة تقضى بترك الأمور تسير دون تدخل، وأن القاعدة التى توجه التشريع والحكم ينبغى أن تكون شعار دعه يعمل، دعه يمر. لكن الثورة الفرنسية اكتسحت العالم الذى سعى الفيزيوقراطيون إلى الدفاع عنه وإنقاذه. وكما لخص المفكر الاقتصادى الاجتماعى جون كينيث جالبريث فى كتابه تاريخ الفكر الاقتصادى، فان السؤال الذى يثور، هل كان يمكن منع الثورة الفرنسية لو نفذت الإصلاحات؟ ويجيب جالبريث بأن هذا السؤال لا قيمة له ولا أساس؛ لأن الأثرياء وذوى الامتيازات- خاصة عندما يكونون فاسدين وعديمى الكفاءة- لا يقبلون الإصلاح الكفيل بإنقاذهم، يدفعهم التفضيل الزمنى والإنكار النفسى: لماذا يًستعاض عن المباهج والرفاهة وراحة البال فى الأجل القريب بالتفكير فى الأهوال والكوارث فى الأجل الأطول؟

وثانيا، أن الثورة الصناعية قد دقت أبواب إنجلترا وجنوب اسكتلندا فى الثلث الأخير من القرن الـ 18، عندما أسفرت الاختراعات، التى أثرت فى إنتاج الطاقة وصناعات النسيج والحديد والصلب والنقل، عن تغير كامل فى طابع الإنتاج ببريطانيا. واستمر لفترة طويلة جدل جاد بين المؤرخين حول العامل الذى بدأ هذا التطور: هل هى الابتكارات مثل ظهور محرك وات البخارى لتشغيل الآلات، وظهور الآلات نفسها؟ أم كانت الثورة الصناعية نتاج أصحاب الأعمال البارعين؟ والمهم أن الشخصية السائدة فى تغيير الثورة الصناعية لطابع الإنتاج، ومن ثم فى المجتمع والدولة، كانت رجل الصناعة. وفى زمن الثورة الصناعية أصبح رأس المال يستثمر فى المصانع والآلات بجانب دفع الأجور الهزيلة، التى كانت تكفى بالكاد لإبقاء العمال على قيد الحياة، وهى حياة قصيرة فى أغلب الأحوال.

وقد أثرت الثورة الصناعية بعمق على تطور الفكر الاقتصادى؛ فظهرت الشخصيتان الأكثر شهرة فى تاريخ الاقتصاد وهما آدم سميث وكارل ماركس؛ وكان الأول هو المتنبئ بمنجزات الثورة الصناعية ومنظر الاقتصاد السياسى لرأسمالية السوق الحرة، والثانى كان ناقدا للسلطة التى أعطتها الثورة الصناعية لمن يمتلكون ما أطلق عليه اسم وسائل الإنتاج، وناقدا للفقر والقهر اللذين أوقعت عمالها فى براثنهما.

وثالثا، أن بريطانيا التى قادت الثورة الصناعية الأولى وكانت القوة الاقتصادية السائدة فى العالم طوال القرن 19، كان منطقيا أن تكون أفكار اقتصادييها آدم سميث وديفيد ريكاردو وتوماس مالتوس هى التراث الكلاسيكى للاقتصاد السياسى. ومن منظور ما أركز عليه هنا؛ أى دور الفكر الاقتصادى الاجتماعى فى تجنب الثورة، وخاصة باحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أشير الى أن سميث قد اعتبر أن العمل هو المقياس الحقيقى لما لجميع السلع من قيمة قابلة للتبادل، وأن الأجور هى تكلفة إبقاء العامل على قيد الحياة!! وقد نسبت نظرية أجور الكفاف هذه إلى ريكاردو، الذى حولها فيما بعد إلى قانون الأجر الحديدى، الذى يتلخص فى أنه على الطبقات الكادحة الاكتفاء بالحد الأدنى للأجر اللازم لبقائهم، وأن الأجور إذا ما ارتفعت أعلى تؤدى حتما إلى زيادة السكان؛ فتعود الأجور إلى مستوى الكفاف!! وسعيا لإلقاء مسئولية فقر الفقراء على عاتق الفقراء أنفسهم زعم مالتس أن إفراط العمال فى الإنجاب هو سبب فقرهم!!

وقد اعتبر آدم سميث أن العائد على رأس المال هو ما يستولى عليه الرأسمالى من العامل الذى يحدد كدحه قيمة وسعر المنتجات، أو هو استيلاء على قيمة فائضة يخلقها العامل زيادة على ما يدفع له. وهذه الفكرة الهدامة- دون قصد- والتى قام ريكاردو بتطويرها، أصبحت مصدراً رئيسياً للسخط الثورى والتحريض من جانب كارل ماركس فيما بعد.

وللحديث بقية.


لمزيد من مقالات د . طه عبدالعليم

رابط دائم: