رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رجاء إدريس نصف الأسطورة الجميل

محسن عبد العزيز;

كانت رجاء الرفاعى طفلة جميلة، وقرر والدها أن يلحقها بمدرسة الراهبات الفرنسية «الفرير» لتتعلم الانضباط.

تقول السيدة رجاء إدريس: تعلمت من مدرسة الراهبات النظام الشديد والثقة بالنفس، وكيف يصبح الإنسان جريئا وصريحا. أصبحت منضبطة لدرجة أحيانا أكون «مخنوقة» من نفسى لشدة هذا الانضباط، يطلقون عليَّ ساعة بيج بن.

ظللت فى هذه المدرسة حتى 18 سنة أى المرحلة الأولى من الثانوية، عندما قابلت يوسف إدريس وتزوجنا رغم اننى كنت مخطوبة لدكتور شاب أغنى، فسخت الخطبة وتزوجنا.

أما كيف التقت أسطورتها بأسطورة يوسف إدريس فهى حكاية لا تحدث إلا مع الأساطير أيضا.

كانت الفتاة الجميلة رجاء الرفاعى مخطوبة لدكتور شاب حتى ترضى أمها التى انزعجت من كثرة الخطاب، وحتى يعجل هذا الخطيب بالزواج فإنه أحضر عريسا آخر لشقيقة رجاء الكبرى، فالصغيرة لا تتزوج قبل الكبيرة!

لكن القدر كان يرتب شيئا آخر، فأسطورة يوسف إدريس الباحثة عن «الكنز» قادته أن يلتقى بأسطورة رجاء الجميلة على السلم عندما كان فى زيارة إلى صديقه الذى يسكن فى شقة أمام شقة أختها. عندما رآها خطفه جمالها وسحرها، فسأل عليها وعرف أنها مخطوبة، وعرف أن زوج أختها هو الصحفى الراحل إسماعيل الحبروك فقال له: أريد أن أتزوج من هذه الفتاة فرد الحبروك: لكنها مخطوبة.

فقال يوسف إدريس بثقة قادمة من قلب الأسطورة التى تقود حياته: طيب.. قل لها!

ولابد أن الحبروك ابتسم مندهشا من صديقه، وفقط، لكن أسطورة يوسف إدريس كانت تعمل بجد، فقد جاءت الفتاة لأختها مرة أخرى، وقابلها يوسف إدريس فى نفس المكان على السلم، وهذه المرة قال لها: أزيك..

تقول السيدة رجاء إدريس: أحسست أنه الإنسان الذى أبحث عنه، وفور أن عدت إلى المنزل خلعت دبلة الخطوبة دون أن أعرف إن كان يوسف إدريس سيخطبنى أم لا. وبعد ثلاثة أيام فوجئت به يطرق باب بيتنا، ويطلب يدى من والدتى فوافقت على الفور وكانت الشبكة غويشة ذهب.

لم تكن الحياة وردية منذ البداية بين أسطورتين مختلفتين تماما رجاء منضبطة ويوسف فنان متقلب حياته قمة الفوضى، ويكبرها بـ 14 سنة، وبالفعل كانت الحياة بينهما جحيما لا يطاق، وبعد 6 شهور من الزواج وصل الخلاف بينهما إلى الطلاق، وطلقها بالفعل، وبعد 6 ساعات فوجئت به يطرق باب منزل أهلها ويعودان إلى المأذون مرة أخرى يقولان له: نريد أن نتزوج ويضحك المأذون من أسطورتهما قائلا: أنتما أكبر مجانين.

وبدأت أسطورة رجاء تصحو وتدرك رسالتها وأنها خلقت من أجل هذا الموهوب الكبير، فراحت تقرأ الأدب، وواصلت دراستها حتى حصلت على ليسانس الآداب ودرست النقد الأدبى، لترتفع بعقلها حتى تصل إليه، ومنذ هذه اللحظة وهبت حياتها وعقلها وقلبها لصاحب الأسطورة تحتمل نزواته ونزقه فى الكتابة وفى الحياة.. فطقوسه فى الكتابة كانت غريبة. كأن يقوم بفك راديو قديم مثلا.

كانت رجاء تجهز له الراديو القديم، وتعمل القهوة، وتجلس أمامه، حتى يبدأ الكتابة ثم يقرأ عليها ما كتب.

كان لا يكتب إلا بالليل، ومهما كانت متعبة فى النهار، فلابد أن تستيقظ ليلا معه إلى الثالثة أو الرابعة صباحا حتى يقرأ لها ما كتب. وفى النهاية نقل المكتب إلى حجرة النوم.

وبعد أن بدأت تحتوى عقله وتقلبات موهبته «أصبح لا يكتب إلا أمامى، طوال 35 عاما عشناها معا، وأحيانا كنا ندخل فى حوار من التاسعة مساء حتى التاسعة صباحا».

كنت أعرف أن له معجبات وأغفر له ذلك، لأنه لن يبدع دون أن تكون هناك معجبات.

كانت مهمة ترويض مبدع نزق مثل يوسف إدريس على حياة البشر مهمة ثقيلة، نجحت فيها رجاء حينا وفشلت أحيانا أخرى.

تقول: طوال الوقت كنت أحاول أن أضبط حياته حتى تكون قريبة من الحياة الطبيعية، كيف يكون أبا ويذهب إلى مدرسة الأولاد مثلا! بينما هو فوضوى كأى فنان لا يحب دور الأب.

لقد كان مثل الطفل حتى يقوم بهذا الدور لابد من منحه الكثير من الحب والاهتمام فكثيرا ما كنت أحس أنه ابنى، وأنه يحتاج إلى أم أكثر من زوجة.

وأصعب فترات الحياة عندما كان يصاب بالاكتئاب، وكان الاكتئاب بالنسبة له موسميا فى الربيع مثلا أو فى عيد ميلاده.

وكان يستمر معه لمدة شهرين أو ثلاثة كانت من أصعب أيام حياتنا. رغم أننى كنت أحاول أن أظهر أننا غير متأثرين، حتى لا أوجع ضميره لأنه كان حساسا رقيقا، ومشاعره فى منتهى الرهافة. حتى وإن بدا للآخرين أنه عكس ذلك.

وهو كان شخصية غريبة فرغم أنه كان غير واثق من نفسه وإبداعه كأى موهوب، إلا أنه كان لا يهتز لأى موقف، وعندما فوجئنا بالرئيسين حسنى مبارك وحافظ الأسد يطرقان علينا الباب فى مارينا، وفتح لهما يوسف إدريس الباب وهو بالفانلة والشورت، فإنه ظل طوال المقابلة التى استمرت أكثر من ساعة حافى القدمين، ولم يفكر فى ارتداء ملابسه.

وكانت أصعب لحظات حياتها عندما تعب فجأة ولم تجد أمامها إلا الاتصال بالرئيس مبارك تقول له: يوسف إدريس تعبان وفى حالة خطرة فأرسل مبارك طائرة خاصة أخذته إلى انجلترا. ورغم أنه كان فى غيبوبة فإن الطبيب الانجليزى اكتشف أن لهذا المبدع كنزه أو اسطورته الخاصة ولذلك طلب من مدام رجاء أن تسمعه الأشياء التى كان يحبها، فراحت تسمعه أغانى محمد عبدالوهاب وأم كلثوم والقرآن بصوت محمد رفعت وكأن هذه الأشياء تنادى على أسطورته أن تعود للحياة. وبالفعل عادت له الذاكرة واسترد وعيه تماما، وذهب إلى قرية فى الريف الإنجليزى للاستشفاء، وبينما كان يتحرك ويتكلم بشكل طبيعى، فجأة.. مثل نهاية قصصه.. مات.

حضرت الأسطورة لتضع لحظة النهاية بإبداع، كما كان طوال حياته بالضبط.. فالرجل الذى عاش حياته يبدع قصصا وروايات ومسرحا كان لابد أن يموت بإبداع أيضا والسيدة التى كانت نموذجا للانضباط كان عليها أن تشهد حضور الأسطورة وغيابها بنفس الأنضباط.

والرجل الذى دخل حياتها مصادفة منذ رآها على درجات السلم أمام شقة شقيقتها، وأخذها من حياة الرتابة والملل إلى حياة الإبداع واللهب، ها هو يتركها مرة أخرى فى البلاد الباردة. فهو كان الوهج والدفء وبعده الحياة ستكون بلادا باردة.

وحتى تواجه رجاء إدريس هذه البرودة راحت تستدعى أسطورة الفنان وتقوم بعمل حلى جميلة مع حالات تأمل طويلة «ميدتيشن» لم تنقطع منذ وفاته إلى الآن.

فالتأمل والفن مع ابنيهما سامح ونسمة هما ما يمنحانها الدفء بعد رحيل صاحب الأسطورة الكنز يوسف إدريس.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق