رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العالم بين عصا ترامب وجزرة بايدن

أفرط ترامب فى استخدام العصا ليحقق شعار «أمريكا أولا»، واستعادة مكانة الولايات المتحدة فى تحقيق هيمنة شاملة، تخرج بها من أزمتها الاقتصادية المزمنة التى تزداد صعوبة، ولم يجد المنافسة الاقتصادية الحرة مجدية أمام الاقتصاديات الناشئة، فالسلع الأمريكية الأعلى سعرا لا تستطيع منافسة السلع الصينية الأرخص والتى تزداد جودة، فلجأ إلى عصا العقوبات الإقتصادية والضغوط العسكرية والسياسية وسلاح الدولار المهيمن على التعاملات التجارية، لكن سياسات ترامب فشلت فى تحقيق أهدافها، فلم تجبر كوريا الشمالية على نزع سلاحها النووي، بل زادت تطوير قدراتها، ولم تجبر إيران على إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، والحد من تطوير صواريخها، أو تعديل سياساتها، والأهم أنها واصلت الخسارة فى السباق مع التنين الصيني، بل إن العقوبات على الصين دفعت بكين إلى تعزيز قدراتها العسكرية، والخروج من قوقعتها السياسية، واستيقظ التنين الصينى ليشرع قدراته المتنامية، مستفيدا من تحقيق معدلات نمو عالية، بينما يلتهم الركود اقتصاديات الولايات المتحدة وأوروبا، وتجلى الفشل الأمريكى فى العجز عن الإطاحة بالرئيس الفنزويلى مادورو، وتكرر الفشل فى بوليفيا وكوبا، لكن أخطر ما ارتكبه ترامب كان استخدامه العصا فى العلاقة مع حلفاء الولايات المتحدة فى أوروبا وكندا وغيرها من الدول الحليفة، بل امتدت العصا إلى الداخل الأمريكى ليتسع الشقاق والإنقسام، وتطفو العنصرية وكادت التصدعات تصل إلى الحرب الأهلية، وظهرت المسيرات المسلحة لليمين العنصري، ولم تكن السياسات الترامبية قابلة للاستمرار فى ظل كل تلك الأزمات التى فاقم منها تفشى وباء كورونا، الذى تجاوزت وفياته 400 ألف وإصاباته 25 مليونا. ويسعى الرئيس الأمريكى الجديد بايدن لرتق سياسات ترامب، وتضميد الجراح الداخلية العميقة بشعار الوحدة والأمل، وأصدر 15 قرارا تنفيذيا فى اليوم الأول، 6 منها تخص المهاجرين، ووقف الجدار العازل مع المكسيك، والعودة إلى اتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية، فى إشارة واضحة إلى أنه سيمحو الآثار الترامبية التى هزت مكانة الولايات المتحدة فى الخارج وعمقت من شروخها فى الداخل، لكن قرارات بايدن لم تمس القضايا الأصعب المتعلقة بسبل تحسين الاقتصاد الأمريكي، ولا خلافاتها العميقة مع الصين وروسيا وإيران، والتى كادت تصل إلى إشعال حروب واسعة، لكن بايدن أطلق إشارات تهدئة مع الدول الثلاث، بإعلان سعيه لتمديد اتفاقية ستارت للحد من الأسلحة النووية مع روسيا، ووقف الحرب التجارية مع الصين، والاستعداد للعودة إلى الاتفاق النووى مع إيران، إلى جانب رسائل أكثر دفئا مع أوروبا، بالدعوة إلى تعزيز التحالف، لكن الرسائل وحدها لا يمكن أن تحل تلك الأزمات الصعبة، والتهدئة لا يمكن أن تطول، فإيران بدأت التخفف من التزاماتها إلى درجة خطيرة تجعل إنتاجها لسلاح نووى مسألة وقت قصير، وقد أعلنت إيران أنها ماضية فى زيادة معدلات التخصيب وتطوير أجهزة الطرد المركزي، وإنشاء المزيد من المفاعلات، وترفض أى تعديل أو حتى التفاوض على تطوير قدراتها العسكرية وسياساتها، وهنا على بايدن إما المواجهة المباشرة والعنيفة مع إيران أو الامتثال والعودة للاتفاق النووى دون شروط، لكن غضب نيتانياهو سيكون عقبة إضافية، مع إعلانه أن العودة للاتفاق النووى طعنة لإسرائيل. أما إعلان بايدن نياته بالتوقف عن الحرب التجارية مع الصين فسيعنى مضى الصين بخطوات أسرع نحو التربع على عرش العالم اقتصاديا، فهى الدولة الصناعية الوحيدة التى حققت نموا إيجابيا خلال تفشى وباء كورونا، بينما باقى الدول الكبرى انكمش اقتصادها بمعدلات تجاوزت 10%، أما روسيا فتهدد التفوق العسكرى الأمريكي، وتوسع من دائرة نفوذها، وتمثل أكبر التحديات العسكرية أمام الولايات المتحدة، ولم تتأثر كثيرا بالعقوبات الأمريكية بفضل تربعها على عرش تصدير النفط والغاز والنمو الصناعى والزراعي، والأهم التطور العسكرى الذى فاق فى تقنياته الأسلحة الأمريكية، والتحالف مع الصين وتحقق روسيا فائضا تجاريا محدودا ، بينما العجز فى الميزان التجارى الأمريكى والديون الداخلية والخارجية بلغت حد الخطر الشديد، ولهذا سيضطر بايدن للتركيز على الحد من تفشى وباء كورونا، ثم احتواء النتائج الاقتصادية الناجمة عن فاتورة الوباء، والتى ستمتد لسنوات، أى أنه سيغرق فى أزماته الداخلية طويلا، والجزرة التى يمكن أن يمنحها للحلفاء يحتاجها الداخل بشدة، وهكذا لم تحقق عصا ترامب ما كان يتوقعه، ولا تكفى جزرة بايدن رتق الثوب الأمريكى الممزق.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: