رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
«شمهورش» فى زمن «النانو»!

«القوى العليا..القوى السفلى..إبليس..عزاريل..الولهان وهفاف. وشمهورش وملوك الجان..وقراءة الطالع والفنجان!» أسماء لم تعد تصك الأذن بغرابتها منذ أصبح الترويج للدجل والسحر والشعوذة، فى السنوات الأخيرة، تجارة، يتبناها كثير من الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعى. وتكرس لها ـ من طرف خفى ــ الدراما العربية، لدرجة جعلت أهم مشاهد ضاربات الودع اللاتى ارتدين زى الغجر، سواء فى فيلم دعاء الكروان أو فيلم حميدو أو غيرهما. وهن يخطن الرمل ويضربن الودع على خلفية موسيقى «أندريا رايدر» ــ المنذرة بالويل والثبور وعظائم الأمور ـ أشبه بلعبة صبيانية تافهة!.

والحقيقة أن تداعيات ظاهرة إعلاء شأن الخرافة وتجاهل العلم، وتعليق مشكلاتنا على شماعة السحر، التى انتشرت فى السنوات الأخيرة، سبق أن تنبأت بها أكثر من دراسة منذ سنوات..فقد كشفت نتائج الدراسة الميدانية التى أجراها الباحث محمد عبدالعظيم بمركز البحوث الجنائية فى القاهرة، أن نصف نساء العرب يعتقدن بفعل الخرافات، ويترددن على المشعوذين سراً وعلانية. وأن العرب ينفقون حوالى5 مليارات دولار سنوياً على السحر والشعوذة، وأن 50٪ من المصريات يعتقدن بقدرة الدجالين على حل مشاكلهن. كما كشفت أكثر من دراسة أجراها المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية فى بدايات الألفية الثالثة أن المصريين ينفقون مبالغ طائلة على الدجالين والمشعوذين لعلاج الأمراض والمشاكل الصحية. وأنه يوجد دجال لكل 240 مواطنا مصريا، وأن اللجوء للدجالين ليس مقصورا على الأميين، بل يشمل مثقفين وأصحاب مناصب رفيعة! كذلك قدرت دراسة ميدانية بالمركز البحثى نفسه إجمالى الخرافات التى تسيطر على المصريين بـ 274 خرافة يؤمن بها الفنانون والرياضيون والساسة، كما أشار محمد عبد العظيم فى دراسته «تقمص الأرواح» للمعتقدات الشائعة من قبيل تحاشى ضرب القطط والكلاب ليلا لتلبسها بالعفاريت. الغريب أن الواقع يؤكد أن الهوس بالسحر والشعوذة ليس مقصوراً على منطقة بعينها فى العالم، فالإنسان المعاصر رغم التقدم العلمى والتطور الفكرى لايزال يحمل رواسب التطير والتفاؤل، وتراوده الرغبة فى قراءة الطالع ومعرفة الحظ والاطلاع على الغيب. وإن كرر الحديث الشريف «كذب المنجمون ولو صدقوا». الأكثر من ذلك أن فكرة السحر الأسود التى ارتبطت بالقارة السمراء لقرون طويلة أو التطير بأوقات بعينها أو حيوانات أو أرقام فى ثقافتنا المصرية لها ما يقابلها فى الثقافة الغربية من قبيل البيوت المسكونة بالأشباح أوعدد مواقع قراءة الطالع أو تفسير الأحلام على شبكة الإنترنت. وفى كتابهما «بحثا عن التوافق فى عصر العلم والتكنولوجيا» أشار (لينر) و(كوبى) إلى إحصائية قدرت حجم إنفاق الأمريكيين سنويا على خدمات التنجيم- فى ستينيات ق20- بثلاثمائة مليون دولار، وعدد المنجمين بـ 250 ألفا، وعدد قارئى البخت بـ 80 ألفا، و2500 جريدة ومجلة تنشر باب حظك اليوم، و20 اتحادا لمهن التنجيم! اللافت أن الهوس بالشعوذة فى الدول الصناعية المتقدمة لم يقف حجرعثرة فى طريق العلم والأخذ بأسباب المعرفة، أو يعرقل حركة نمو المجتمع كما يحدث فى البلدان النامية، وهى الظاهرة التى فسرها علم الاجتماع والأدب، فبينما ربطت نتائج الدراسات التى أجريت فى مصر ظاهرة شيوع الدجل والشعوذة بالأمية، وبزيادة المشاكل المعقدة والعجز عن معرفة أسبابها، وأوضحت الدراسات أن المدن الصناعية التى ينتشر فيها المتعلمون مثل مدينة المحلة لم تكن بيئة صالحة لتغلغل الشعوذة، وانتشارهاـ عبرت الكاتبة البريطانية (كاريل تشرشل)عن الفكرة نفسها فى مسرحية «القط توم» عندما اختارت قرية ساد فيها الجهل والفقر وتدين مزيف يضمن استمرارغيبوبة مستضعفين شعروا بأن نجاتهم رهن بمساعدة المشعوذين ومحاربتهم لشيطان تجسد أمامهم فى صورة الأضعف والقط العجوز توم!

وأخيراعزيزى القارئ: إذا كان الولع بالغيب حقيقة وشهوة تطاردنا، فإن التمسك بالعلم ضرورة كى لا نصبح أسرى لـ «شمهورش»!


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: