رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بيت العائلة

أنا ممرضة عمرى واحد وستون عاما، وتخصصت فى «النساء والتوليد»، وأصبحت رئيسة تمريض، وتبدأ حكايتى منذ صغرى، حيث إننى أكبر أخوتى بعد وفاة شقيقنا الأكبر وهو فى السنة الثانية بكلية الطب، وكنت وقتها فى الصف الرابع الابتدائى، وقد أصيبت أمى بأكثر من مرض إثر رحيله، وصرت مسئولة عن أخوتى «أربع بنات وولد»، وكنت أرفض أى عريس يتقدم لى، وكان أبى حزينا من أجلى، وقد طلبت منه أن يتزوج بأخرى فرفض، وسافرت إلى الخارج لمساعدته فى أعباء المعيشة، وبعد عام عدت إلى مصر، وجاءنى عريسان فى وقت واحد، وأصر على أن أختار بينهما، وكان أحدهما غنيا، ويعمل مهندسا، والثانى يعيش فى قريتنا، وطلبت منه يختار لى فقال: «ابن البلد أحسن، فهو إنسان طيب ونحن نعرفه»، فوافقت عليه.

وبعد عقد القران اكتشفت أنه بخيل جدا، وتزوجنى طمعا فى «مالى» لأننى أعمل بالخارج، وحتى فستان الفرح، اشتريته لنفسى، كما اشتريت له بدلة الفرح، وعندما طلبت منه أن نسكن فى القاهرة رفض، وقال إننا سنعيش فى بيته بالقرية، ووجدتنى فى بيت من الطوب اللبن، ولما سألته: لماذا تزوجتنى؟، قال: «علشان انتى مسافرة ومعاكى فلوس»، وأحسست بخنجر فى قلبى!، وتحاملت على نفسى وعشت معه على الحلوة والمرة، وحملت أكثر من مرة، ولكن لم يكتمل الحمل، وكرسّت حياتى لخدمة عائلة تضم أمه رحمة الله عليها، وشقيقيه، وأخته المتزوجة فى قرية قريبة منا، وكانت تغضب كثيرا وتأتى إلينا، ورزقنى الله بولد ثم بنت توفيت فى سن شهرين، وكلما حلّ الشتاء يسقط المطر من السقف لدرجة أننى كنت أفرش الدولاب لكى ينام فيه الولد، وكلما مرض، وأطلب منه زيارة الطبيب، يرفض بحجة أنه ليس معه نقود، وتعبت من كثرة طلباته، وفكرت فى بناء بيت مستقل لنا بعيدا عن بيت عائلته، وسافرت من جديد وتركت ابنى، وحررت لأبى توكيلا، وليس لزوجى لأن أخوته يأخذون ما بحوزته من مال، وحرصت على إرسال مبلغ شهرى لمصاريف زوجى وابنى، لكنه كان يصرفه على أخوته لدرجة أن بنات عمه حذرننى من ذلك، ولم أعر ذلك اهتماما، وفوجئت بأن أبى أعطى زوجى ما أرسلته، وتم بناء البيت، وقد كتبه باسم ابنى وهو الواصى عليه!

وبعد عودتى من الخارج، طلبتنى الجهة التى كنت أعمل بها لتجديد عقدى، ولكن أبى رفض سفرى، فاستقررت فى مصر، وحملت من جديد، فقال لى أبى: «البيت مكتوب باسم الولد الأول، وانتى حامل، ومتعرفيش الزمن مخبى إيه.. لازم العقد يتغير»، وفعلا غيّرنا العقد، واختفى زوجى، حيث كان يريد كتابة البيت باسمه، وبتدخل أبى كتبنا العقد مناصفة بينى وبينه، ولا أنسى قوله لى: «خليكى أصيلة يا بنتى»!، ورزقنى الله ببنت جميلة، وتمنيت أن تستقر حياتنا، لكن أخوته أفسدوا حياتنا، وتزوج أخوتى، وتوفى أبى الله يرحمه، ثم رحل زوج أختى الوسطى، ومعها ثلاث بنات وولد، وكلهم صغار، وأصبحت مسئولة عنهم.. أما ابنى فقد حصل على شهادته الجامعية، وخطب ابنة أختى وكانت طالبة بالجامعة، واحتفلنا بزفافهما، وبعد أقل من عام لحقت أختى بزوجها، وصرت مسئولة عن أبنائها، وكانت ابنتها الكبرى فى السنة الرابعة بكلية التجارة، والثانية زوجة ابنى بالطب، والصغيرة بالصف الأول الإعدادى، وولد بالصف الثالث الابتدائى.. وقد خيّرهم شقيقى الذى يلينى فى الترتيب بين أن يعيشوا مع أى منا، فاختارونى، وبيتى مكون من أربعة أدوار، ويسكن ابنى فى الثالث، وأنا وزوجى فى الثانى، والدور الأول خالٍ، فأحضرت أثاثهم وفرشته لهم، وأخذتهم ليعيشوا معى فى شقتى، وإذا بزوجى يطلب منهم الإقامة فى الشقة الخالية، ثم طلب منهم مبلغا كإيجار للشقة!

لم أتحمّل طلبه، وتشاجرت معه، وطلبت منه الطلاق لأنى تحملت منه الكثير، وهو أكبر منى بأربعة عشر عاما، ولم يستجب لطلبى، وأحضر العقد، وبعد تدخل الكثيرين تراجع عن طلبه، لكن الحالة العامة فى البيت ظلت مضطربة، ومازلت أجاهد حتى أكمل رسالتى معهم، وكم أتمنى أن يظل منزلى هو «بيت العائلة»، وأن أؤدى رسالتى تجاه أبناء أختى على أكمل وجه، وأرجو أن توجه رسالة إلى زوجى لكى يدرك أنه يهدم ما صنعته على مر السنين بتصرف أحمق، ولا يليق بنا.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

 

الزّواج أهم مؤسسة يبنيها الإنسان في حياته، ولذلك فإن الرجل يتحرَّى الدِّقة في اختيار شريكته بكل ما أوتى من حكمة، وكذلك الحال بالنسبة لها، وتعدُّ الكفاءة بأشكالها المتعددة من أهم أسباب نجاح هذه العلاقة، والسؤال الذى أتلقاه كثيرا عبر رسائل البريد هو: هل تشترط الكفاءة المادية بين الزوجين، أم أن المحبَّة والوفاق العقليّ والروحيّ فضائل كفيلة بتخطِّى هذا الفارق وتجاوزه؟ ومتى تقبل المرأة بالارتباط برجل أقل منها ماديا؟.. والحقيقة أن المرأة عاطفية، وإذا أحبت رجلا فلن تفكِّر أو تهتم بوضعه الماديّ، وتقف في وجه الجميع من أجله، فلقد أسسا هذه الأسرة معا، ولا يوجد فرق بينهما، ونجاحها هو نجاحه، وسيحققان كل ما يتمنيانه.

لقد كانت الفوارق المادية في الماضي لا تشكّل عائقا في ارتباط الرجل بامرأة أكثر منه مالا، وكانت العائلات قديما تبحث عن أصله ومنبته وأخلاقه، أما الآن فقد أصبح الوضع مختلفا، والأمور المادية طغت على كل هذه العادات.

إن المرأة بطبعها تتزوَج من هو أعلى منها ماديا، حيث إن واجبات الزوج تتطلَب منه أن يكون المعول ماديا، وهو من يلبِّي طلبات الزوجة والأبناء، لكن من وجهة نظرى أن المرأة ذات العلم والمكانة الوظيفية قبل الزواج اعتادت أن تكون قائدة وسيدة نفسها ماديا، لذلك تكون نظرتها لزوج المستقبل أنه رجل سيكملها عاطفيا بغض النظر عن مستواه المادى، كما أن الرجل المتفتح ثقافيا لا ينظر ولا يقيِّم العلاقة الزوجية من مبدأ مادى، ولكن لو نظرنا لأطر المجتمع الذى نعيش به، ستبقى النظرة السلبية تلاحق الرجل، وقد تصفه بالفاشل، أو بأن زوجته تصرف عليه؛ لعلم الناس أنها أعلى منه فى الراتب الوظيفى.

ويجب أن يعيش الأبناء بعيدا عن جو الحسابات المادية، وأن تُلبى متطلباتهم دون إدخالهم في تلك الأمور.

وبصفة عامة فإن الكفاءة مطلوبة فى كل ما لا يستطيع أحد الطرفين التغاضى عنه وتجاوزه، وتختلف حدود التكافؤ من شخص إلي آخر، بمعني أن هناك مثلا فتاة تستطيع أن تتحمل أى صفة فى زوجها إلا البخل، وأخرى تستطيع أن تتحمل أى شيء إلا أن تعيش في مستوى مادى دون المستوى الذى اعتادت عليه فى أسرتها، وأخرى لا تتحمل أن تتزوج بمن هو أقل منها تعليما، بينما أخرى تستطيع أن تتكيف مع اختلاف العادات والتقاليد التى تربت عليها ونشأت فى ظلها.. أيضا هناك رجل لا يستطيع أن يتقبل من هى أعلى منه ماديا أو تعليما، بينما آخر عنده من الثقة بالنفس ما يجعله يقدم على الزواج ممن هى أعلي منه شهادة، ولا يشعرها بأى اختلاف إن هى تقبلت ذلك، بل على العكس تكون زيجة ناجحة تماما.

وإذا كان التكافؤ مهما، فإن الأهم منه المرونة في تقبل سلبيات الطرف الآخر، والتغاضي عن النقائص، فنجاح الزواج لا يعتمد تماما علي التكافؤ، فكثير من الزيجات فشلت رغم وجود تكافؤ بين الزوجين، ولكن نجاح الزواج يعتمد علي قدرة الطرفين في تجاوز المشاكل الحياتية وحلها داخل الأسرة وعدم السماح لخروج هذه المشاكل عن نطاق الأسرة، والاستعداد للتضحية من أجل إسعاد الطرف الآخر، مع تقبل كل طرف للآخر بميزاته وعيوبه، ومن الخطأ أن يقدم طرف علي الزواج وفي خططه المستقبلية تغيير عادات أو صفات أو سمات الطرف الآخر، ويقول علي بن أبي طالب ناصحا النّاس:

 

دَعِ الحِرصَ عَلَى الدُّنيَا

 

وَفي العَيْشِ فَلاَ تَطْمَعْ

 

ولاَ تَجمَعْ مِنَ المَالِ

 

فلا تَدري لِمَن تَجمَعْ

 

ولاَ تَدرِيِ أفِي أَرضِكَ

 

أمْ في غَيرِها تُصرَعْ

 

فإنَّ الرِّزقَ مقسومٌ

 

وسُوءُ الظَّنِّ لا يَنفَعْ

 

فَقِيرٌ كُلُّ مَنْ يَطمَعْ

 

غَنِيٌّ كُلُّ مَن يَقنَعْ

يقول الإمام الشافعي عن البخل وأصحابه ووجوب الابتعاد عنهم وعن سؤالهم:

 

بَلَوتُ بَني الدُّنيا فَلمْ أرَ فِيهمُ

 

سِوى مَن غَدا والبُخلُ مِلءُ إهابِهِ

 

فَجَرَّدتُ مِنْ غمدِ القَناعَةِ

 

صَارِماً قطعتُ رجائي منهم بذبابه

 

فلا ذا يرَاني وَاقِفاً في طَريقهِ

 

ولا ذَا يَرَانِي قَاعِداً عِنْدَ بَابِهِ

 

غنيِّ بلا مَالٍ عَن النَّاسِ كلّهم

 

ولَيسَ الغِنَى إلا عَن الشيء لا بِهِ

 

ويقول تعالى: «وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء» (محمد 38)، فالبخل نوع من أنواع ضلالات الشك، إذ يشعر الفرد أنه سوف يحتاج إلي كل قرش يمتنع الآن عن صرفه، وأن من حوله سوف يبخلون عليه حين يكبر في السن أو يمرض أو يلازم الفراش فيقرر هو البخل عليهم قبل أن يبخلوا هم عليه في المستقبل.

إذن البخل سلوك نفسي فوضوى لا عقلاني وهو أقرب للوساوس فهناك وساوس الاستحواذ ومنها الاستحواذ على المال، وقد سمى الوسواس في بعض الدراسات حواذ (استحواذ) فيُفترض أن يكون صاحب المال غنيا ومعبرا عن غناه «فأما بنعمة ربك فحدث» ولكن في حالة الشخص البخيل فهو «الغني الفقير» إذ لا يستمتع بما يملك، والبخيل في المال بخيل في كل شيء مثل العواطف والمشاعر وغيرها من الأمور التي يحتاج الإنسان أن يصدرها لغيره من المحيطين به.

إن الإمساك لا يجدى البخيل نفعا وإنما ينعكس عليه بالفشل والإفلاس والحرمان ولما كان البخل من أخطر عيوب الشخصية ودليلا على اضطرابها وتدهورها نفسيا، فأرجو أن يعى زوجك كل هذه الأمور، وأن يحتضن أبناء أختك، ويعوضهم عن تصرفاته معهم ويشعرهم أنهم أبناؤه، وأحييك على تجربتك الثرية، وسوف يظل بيتك ملاذا للعائلة، وأدعو الله أن يكتب لك السعادة والرضا لكل ما قدمتيه للآخرين، وهو على شىء قدير.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق