رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفيل فى البيت الأبيض.. من يخرجه؟

ترامب، فيروس أصاب نظام التشغيل الديمقراطى فى الولايات المتحدة الأمريكية. أمريكا الدولة تواجه تحديات ثلاثة كبيرة جاءت قبل ترامب وتفاقمت فى عهده ولن تذهب معه.

التحدى الأول هو تحد عرقى، حيث الشعور الطاغى لدى اليمين المحافظ دينيا وسياسيا من البيض البروتستانت بأن أمريكا تسرق منهم» بسبب الازدياد فى عدد المهاجرين غير البيض. وهى مؤامرة يرى المحافظون أن الحزب الديمقراطى يقودها لحرمان الحزب الجمهورى من الفوز فى أى انتخابات قادمة. وتقوم الرواية المحافظة على أن الحزب الديمقراطى إن وصل إلى السلطة (وهو ما قد حدث بفوز بايدن وبفوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد المجلسين التشريعيين على المستوى الفيدرالي) سيعمل على تغيير قانون الهجرة بما يمنح الجنسية لملايين المهاجرين الأجانب (الرقم قد يصل إلى نحو عشرة ملايين مهاجر غير شرعي). البيض المتطرفون على يقين من أن الحزب الديمقراطى يخون أمريكا كما يعرفونها, وأنه يعمل على تدمير أمريكا التى صنعها الآباء المؤسسون لأمريكا والذين كانوا جميعا غير ملونين ولم يعطوا الحق لغير البيض للمشاركة فى الحياة السياسية أو الاقتصادية.

التحدى الثانى هو تحد طبقي: أمريكا دولة واحدة من 193 عضوا فى الأمم المتحدة وتنتج وحدها سنويا قرابة ربع ما ينتجه العالم ولكن فيها من التفاوت الطبقى ما يجعلها كذلك تعرف نسبة كبيرة من الفقراء والمحتاجين.

فى الخمسينيات والستينيات، كان أفراد الطبقة الوسطى يجدون عملا بسهولة نسبيا وأن يعيشوا حياة مستقرة لهم ولأبنائهم وكان هذا يمثل فكرة الحلم الأمريكي. لكن معظم هذا الحلم أصبح من الماضى مع الضغوط الاقتصادية التى يعيشها الأمريكيون حاليا. وفى تقرير حديث عن مؤسسة تغذية أمريكا التى تتشكل من أكثر من 200 بنك طعام فإن 50 مليون أمريكى (15% من الأمريكان) يواجهون مشكلة الجوع، بينهم 17 مليون طفل، وهو ارتفاع بنسبة النصف عما كان عليه الأمر سنة 2019. وهل من المنتطر أن ينخفض هذا الرقم أم يزيد؟ أفضل مؤشر متاح لدينا هو مؤشر البطالة الذى يرتفع كذلك على نحو يجعل فرص الفقراء تقل بوضوح فى أن تتحسن ظروفهم فهناك أكثر من 11 مليون عاطل عن العمل بنسبة تصل إلى 7% من القوى العاملة. وهو رقم مرتفع فى ظل نظام رأسمالى يفترض أنه الأقوى والأكبر فى العالم. ومع ارتفاع البطالة، يفقد الملايين مدخراتهم ويتحملون أعباء القروض وإيجارات المنازل وربما الطرد من منازلهم.

بل جعلت أزمة كورونا هذه الأزمة الطبقية أكثر شراسة فى ظل نظام صحى غير ديمقراطى صنعه الأغنياء لعلاج الأغنياء دون شبكة أمان اجتماعى للضعفاء، وكبار السن، والمعاقين، وعدم وجود مساواة حقيقية بين المواطنين فى إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية عند الضرورة. وأنه، كان للطبقة الوسطى التى تشكلت فى بدايات التأسيس وتعززت مكانتها فى النصف الأول من القرن الماضى ، الدور الأهم فى صناعة « التفوق الأمريكى «، لكن، هذه الطبقة الفاعلة والمؤثرة ، تم تدميرها فى النصف الثانى من القرن الماضى وفى بداية القرن الحالى ، لمصلحة فئات معينة من الأفراد والعائلات الأثرياء، والمؤسسات مثل ؛ البنوك، والأسواق المالية الوهمية . فى أمريكا ، يمتلك 1% من الأمريكيين 30 تريليون دولار ، بينما البقية غارقة فى الديون، وديونها أكبر من ممتلكاتها.

التحدى الثالث هو تحد عسكري: أمريكا تنفق قرابة 750 مليار دولار على التسليح وهو قرابة ثلث ما ينفق العالم كله على التسلح، وهو ما يعادل الدول الخمس اللاحقة عليها فى الانفاق العسكري. ولكنه انفاق يغرى بالإهدار كما نفهم من كلام المؤرخ الأمريكى بول كينيدى الذى كتب فى عام 1987 أن الدول والإمبراطوريات تتمدد عسكريا (overstretch) أكثر من اللازم إلى أن تصل إلى نقطة أن يتحول التمدد العسكرى إلى واحد من أسباب انهيارها اقتصاديا، لاسيما إن كانت هناك دول منافسة تتمتع بالنضج الاقتصادى والعسكرى وكما يقول ديفيس: فالقرن الخامس عشر كان برتغاليا، والسادس عشر كان اسبانيا، والسابع عشر ألمانيا، والثامن عشر فرنسيا ، والتاسع عشر بريطانيا بامتياز ، وقد وصل توسع الإمبراطورية البريطانية إلى أقصى حدوده فى عام 1935. بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت أمريكا كقوة اقتصادية، وعسكرية وسياسية، وعلمية، وتكنولوجية، أطاحت بالإمبراطورية البريطانية واحتلت مكانها. ويكفى الإشارة إلى أن الأمريكيين كانوا بعد الحرب العالمية الثانية يشكلون 6% من سكان العالم، وكانوا يستحوذون على نصف الاقتصاد العالمي. الآن هم 5% من سكان العالم وينتجون ربع الاقتصاد العالمى فقط. وبناء عليه فإن الولايات المتحدة دخلت بالفعل فى عصر الأفول التاريخى الحتمى كما يقول البعض وليس أدل من ذلك أن موت ألفى مواطن أمريكى فى يوم واحد بسبب كورونا، يعطى انطباعا بأن أمريكا أصبحت دولة فاشلة تنفق على التسلح أكثر مما ينبغى وتنفق على صحة مواطنيها أقل مما ينبغي. وهذا ما حذر منه الرئيس ايزنهاور حين أشار إلى وجود لوبى داخل النخبة الأمريكية سماه ايزنهاور «المركب الصناعى العسكرى» يعمل على تحقيق مصالحه الجزئية على حساب الصالح العام الأمريكي. وكما يقول الأمريكيون فإنه إذا كان معك «شاكوش» قوى فإنك ستفترض كل المشكلات مسامير. وهو ما جعل البعض يعتبر أن المغامرات الأمريكية العسكرية المتعددة وغير الضرورية جعلت منها أكبر دولة مدينة فى العالم برقم يزيد على 100 بالمائة من ناتجها المحلى الاجمالى (أى 27.5 ترليون دولار). مع هذه التحديات الثلاثة يكون اخراج ترامب من البيت الأبيض مقدمة لسلسلة طويلة من المشكلات والأزمات التى لن يكون من السهل التعامل معها.


لمزيد من مقالات د. معتز بالله عبد الفتاح

رابط دائم: