رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الصراع حول التكنولوجيا والقيم

لسنوات طويلة كان الصراع بين القوى الكبرى يتمحور حول حجم ما تملكه من ترسانات الأسلحة وما تسيطر عليه من مناطق نفوذ جغرافي. اليوم يشهد العالم تحولات نوعية فى مصادر الصراع بين هذه القوي، خاصة الولايات المتحدة والصين، وستكون التكنولوجيا والقيم هى جوهر الصراع بينهما.

العلاقة الامريكية الصينية اتسمت بقدر كبير من التوافق خلال العقود الماضية، ومنذ زيارة الرئيس الأمريكى نيكسون للصين فى أوائل السبعينيات، وتبنت الولايات المتحدة فى البداية إستراتيجية إبعاد الصين عن الفلك السوفيتي، ثم تطورت هذه الإستراتيجية تدريجيا لتضمن دمج الصين فى النظام الدولى وفى منظومة النظام الاقتصادى الرأسمالي، والتى كان أهم ملامحها الموافقة على انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية فى عهد الرئيس الامريكى السابق كلينتون، وكانت إحدى الأفكار التى تم ترويجها فى ذلك الوقت هى أن دخول الصين فى المنظمة سوف يجعلها تلتزم بالقواعد الدولية المنظمة لحرية التجارة، كما ان النمو الاقتصادى الصينى الناجم عن زيادة تجارتها مع العالم، سوف يؤدى إلى المزيد من الانفتاح السياسى داخل الصين نتيجة لنمو طبقة متوسطة سوف تطالب بحقوقها السياسية بعد ان تتحسن أوضاعها الاقتصادية، كما أن قوى العولمة والانترنت سوف تساعد على نشر الأفكار الغربية والليبرالية فى الصين.

هذه الأفكار الحاكمة للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين بدأت تتغير بشكل كبير فى السنوات الأخيرة، وبدأت الإدارات الأمريكية، خاصة فى عهد الرئيس ترامب، تتحدث عن الصين كمنافس استراتيجى للولايات المتحدة، وشنت على الصين حربا تجارية استهدفت تخفيض العجز فى الميزان التجارى بين البلدين، والذى يميل بشكل كبير لمصلحة الصين.

حقيقة الأمر هى أن جوهر التنافس بين البلدين ليس قضايا التجارة بل قضايا التكنولوجيا، خاصة عندما أعلنت الصين فى عام 2015 خطة صنع فى الصين 2025، والتى تستهدف تحقيق تفوق عالمى فى مجال الصناعات العالية التقنية، وإعلانها كذلك فى عام 2017 نيتها لأن تصبح رائدة عالمية فى مجال الذكاء الاصطناعى بحلول عام 2030

العديد من التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية تشير إلى تزايد المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، لاسيما فى قطاعات مثل تكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات المتقدمة.

الرئيس التنفيذى لشركة جوجل إريك شميدت، أعلن فى جلسة استماع أمام الكونجرس الامريكى أن الحكومة الصينية لديها طموحات وخطط محددة، مع تمويل بمليارات الدولارات لتتفوق على الولايات المتحدة فى مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الاتصالات، والحوسبة الفائقة، والفضاء، والدفع عبر الهاتف المحمول، ومركبات الطاقة الجديدة، والسكك الحديدية العالية السرعة، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي. وذكر انه بالرغم من أن مؤشر الذكاء الاصطناعى العالمى يضع الولايات المتحدة فى المرتبة الأولى فى تطوير الذكاء الاصطناعي. فإنه يتوقع المحللون أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة فى غضون خمس إلى عشر سنوات فقط. وأضاف أن لدى الصين ما يقرب من ضعف عدد أجهزة الكمبيوتر العملاقة مقارنة بالولايات المتحدة، ولديها ما يقرب من 15 ضعف عدد محطات الفايف جى المنتشرة بالولايات المتحدة. وبحلول عام 2025، من المتوقع أن يتفوق الباحثون الصينيون على الباحثين الأمريكيين فى نسبة الأوراق العلمية الأكثر استشهادا بها فى الذكاء الاصطناعي. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن تنفق الصين أكثر من الولايات المتحدة على مجالات البحث والتطوير والابتكار.

الرئيس الأمريكى المنتخب جو بايدن تحدث هو الآخر عن أهمية توجيه المزيد من الاستثمارات فى البحث والتطوير والبنية التحتية والتعليم لمنافسة الصين بشكل أفضل.

الجانب الآخر للصراع الامريكى الصينى القادم سيتعلق بالقيم، والرئيس القادم للبيت الأبيض يؤمن بأن القيم يجب أن تكون عنصراً أساسياً لبناء العلاقات مع الدول الأخرى بجانب المصالح. وسوف يتبنى عددا من المبادرات التى تعكس ذلك، منها إعلانه تنظيم ما يسمى قمة الديمقراطية، فى الأشهر الأولى لولايته، بهدف الاتفاق على مشاريع للتعاون المشترك بين من سيتم دعوته للمشاركة فى هذه القمة.

الفكرة بالتأكيد محل جدل كبير فى الولايات المتحدة والغرب، ليس فقط لصعوبة تعريف ما هى الديمقراطية، وبالتالى من سيتم دعوته ومن سيتم استبعاده، ولكن أيضا لأن قدرة الولايات المتحدة على القيادة وتبنى مبادرات على مستوى العالم قد أصابها ضعف كبير.

ولكن يمكن فهم عودة القيم فى إطار السياسة الخارجية التى سوف يتبناها بايدن، فى إطار عدة أسباب، منها أنه يريد أن يبدو مختلفاً من خلال الاهتمام بالقيم والمبادئ الأخلاقية وإذا كان ترامب، قد اهتم بالأبعاد التجارية لهذا التنافس، بالإضافة الى ان بايدن، يريد أن يدخل البعد السياسى والايديولوجى وأن تصبح القيم خاصة ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان إحدى القضايا التى يتم استخدامها فى الهجوم على نموذج الصين، وإضعاف مكانتها الدولية.

باختصار الصراع القادم بين الولايات المتحدة والصين سيكون محوره التكنولوجيا والقيم.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: