رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الافتقاد

الشعور الشعبي بالافتقاد، او بفراغ ما بعد الرحيل، ليس مبعثه مجرد عامل الإجادة او التجويد او الانفراد بموهبة ما خاصة عندما نتكلم عن كاتب او فنان.. الوشائج التي يغزلها تارك الفراغ مع الناس علي مدي من الزمن، تعود في اغلب الاحيان، الي امرين، اولهما انه جاء من بين الناس، وتشكل من سبيكتهم الانسانية ، فكانت أشواقهم هي أشواقه وأوجاعهم أوجاعه، مؤرقاتهم ومخاوفهم.

ولما كان الله قد ميزه بقدرة أو مهارة أو موهبة ، فإن هذه الموهبة تتحول إلي رادار حساس في الاستقبال والإرسال ، من وإلي المعين الذي قدم منه ، ومع الزمن تتحول كل امكانية يتزود بها، الي عنصر مضاف ، او بطارية تزيد من قدرة هذا الرادار، علي الالتقاط والبث.. فلا تفصله ثقافة عن الناس ولا تباعد بينهم وبينه مكانة اجتماعية... تستطيع ان تفهم رد فعل الناس مؤخرا مع رحيل الكاتب وحيد حامد ، وما انتابهم من شعور بخطر الخواء..

وفي نفس الوقت استحضارهم اسم اسامة انور عكاشة في سياق التخوف من فراغ فكري ، وخلو الساحة، حتي مع وجود صنايعية آخرين، لكن العبرة كما قلت في البداية ليس مجرد إتقان صنعة، بقدر ماهي عبقرية يحسها الناس في اتساق الكاتب ما بين فكره وموقفه واحتفاظه بمساحة كافية فاصلة تكفل له الرؤية التي لا يمكن ان تتحول الي عمل فني مرئي أو منطوق أو مكتوب بغير قدر من التنفس . المتخصص يتكلم عن الفراغ الفكري، الذي هو عند الناس, يعني الا يجدوا من ينفذ بصدق الي ما يعانونه ، ويحلمون به.. من يحس الاسئلة ويفرش دوائر الوعي ..الخشية من التيه الا يكون لهم من يمثلهم.. من يعبر عنهم .. يطرح دواخلهم ويدافع عن احلامهم ويكشف الحواة والقناصين سارقي الحق في الحياة.

اغتنينا وجدانيا وإنسانيا برؤي وكتابات واشعار ندين لها ونلوذ بها حتي الآن .. كأنها تذود ، تدفع عنا الشعور بهجمات غربة تباغتنا .. كنا محظوظين بأسماء كانت بمثابة البوصلة لحظة واجهنا خطر اقتلاع الهوية.. تري من سيقوم بالدور نفسه ويحمي اجيال الابناء والاحفاد من اقتلاع الجذور من المؤكد ان مياها اخري سوف تجري في النهر، لكن السؤال لمن سوف يلجأ اجيال الابناء والاحفاد ، وبأي رؤي سوي تزود وجدانهم ؟.

مرق في خاطري، وانا اكتب، نوبات الحنين التي لم تعد تعرف حدودا في التعبير ولا تخل منها اي محاولة للتواصل حتي صارت تظلل الكتابات علي وسائط التواصل ومكالمات التليفون، بعدما عز اللقاء .. يأخذنا الحنين الي افلام والحان ومشاهد وحتي اعلانات.. يبدو لي هذا الحنين، متجاوزا فكرة الاسترجاع لما فات، او الرغبة في العيش فيما مضي، الارجح انه حنين لذواتنا .. كأننا نؤكد في كل ما نري ونسمع وأن الذين أبدعوا، بالمشهد واللحن والكلمة، انما عبروا عنا...

كان لنا وجدان، قوام اغلب مساحته متجانس، كنت تستطيع ان تتكلم عن لون تتعدد درجاته حتي وان تباينت حدوده الاقتصادية، اليوم الانشطار الاقتصادي، اقر بوجود اكثر من مزاج اجتماعي واقتصادي ، وبدلا من اللون المتعدد الدرجات، تستطيع ان تري ألوانا قد تتنافر ولا تنسجم ويصعب عليها الاشتراك في مساحات واحدة..

تتغير انماط المعيشة بصورة غير مسبوقة ، التقسيمة الاجتماعية تبدلت.. مجتمعات مسورة ومجتمعات خارج الاسوار ..خلطة اخري اكثر تعقيدا ، تستلزم وعيا وثقافة وغوصا بحيوات الناس وإمساكا بالادوات وقبل كل ذلك إخلاصا للابداع والناس .

ويبقي الامل، والايمان بعبقرية الفن الصادق، في بلد لا ينضب، هو ما نعول عليه.


لمزيد من مقالات ماجدة الجندى

رابط دائم: