رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشرق الأوسط فى 2021: أزمات ممتدة دون حروب جديدة

> فى سوريا، يبدو أن مسارات الصراع سوف تظل على حالة الجمود
> فى العراق، الأزمة ما زالت قائمة على جميع المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية
> ما ميز الأزمة الليبية أنها شهدت عملية «احتواء سريعة» لاحتمالات التصعيد العسكرى الإقليمي

 

 

عندما يتم الحديث عن الشرق الأوسط، تُثار على الفور عناوين رئيسية مثل «الأزمة» و»الحرب» و»العقوبات» و»الإرهاب». ذلك لا ينفى أن قوة إقليمية رئيسية داعمة للاستقرار، مثل مصر، ما زالت تتقدم الصف فى محاربة مجمل تلك المفردات، لكنه يعنى فى الوقت نفسه أن هناك أطرافا أخرى، مثل تركيا وإيران وقطر، ما زالت حريصة على التدخل والإمعان فى تغذية تلك العناوين، لدرجة تعثرت معها جهود تسوية الأزمات الإقليمية المختلفة، وتصاعدت حدة التوتر حتى وصلت إلى مرحلة المواجهات المباشرة، كما تفاقمت تداعيات الأزمات الطارئة وعلى رأسها أزمة «كوفيد-19».
وكما يقال، فإنه إذا لم تأت إلى الشرق الأوسط فإنه كفيل بالذهاب إليك، بات حضور الفواعل الدولية متغيرا أصيلا، لدرجة تحولت معه إلى أطراف شرق أوسطية بامتياز، وهو ما يبدو جليا فى حضور قوى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والدول الأوروبية. المسألة لا تتعلق بالمصالح المباشرة فقط لهذه القوى، مثل الاستثمارات والصفقات العسكرية، رغم أهميتها، وإنما تتصل أيضا بـ»درء المخاطر»، وهى مصلحة لا تقل أهمية فرضها عن تصاعد تهديدات التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، التى تجاوزت حدود المنطقة ووصلت إلى عواصم غربية عديدة. وإذا كانت معالم هذا المشهد قد ترسخت فى عام 2020، فإنها تبدو مرشحة للاستمرار فى عام 2021.
استمرار الاستعصاء على الحل
تدخل دول الأزمات العربية عاما جديدا دون حدوث اختراقات يُعتد بها فى مسارات أزماتها التى باتت فى حالة «استعصاء» على الحل؛ فبخلاف ما فرضته تطورات تلك الأزمات من إشكاليات، بأبعادها الصراعية الداخلية والخارجية، التى تراكمت على مدى سنوات عدة، تأتى جائحة فيروس «كوفيد-19» لتزيد من حدتها، سواء على الجانب الإنسانى، جراء تراجع بنيتها الصحية، أو على الجانب السياسى، لاسيما فيما يتعلق بتعثر جهود تسويتها.
فى سوريا، يبدو أن مسارات الصراع سوف تظل على حالة الجمود بعد أن هدأت وتيرة المواجهات الميدانية بين النظام السورى والمعارضة فى العديد من المناطق، وإن ظلت بعض المدن شاهدة على حد أدنى من تلك المواجهات المرتبطة بمصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فى الأزمة السورية؛ كمحافظة إدلب (آخر معاقل المعارضة المسلحة والتنظيمات الإرهابية التى تواصل تركيا دعمها).
ويعود الاستعصاء هنا إلى نجاح النظام فى البقاء كفاعل مهم على خريطة الصراع طوال السنوات العشر الماضية، حيث عاد إلى حلقة الحسم عبر داعميه الدوليين (روسيا) والإقليميين (إيران)، وباتت لديه فرص حقيقية لاستعادة زمام الأمور، استغلها طوال عامى 2019 و2020 فى كسب الوقت رغم العقوبات التى طالته، وأبرزها العقوبات الأمريكية التى عرفت بـ»قانون قيصر».
ومن هنا، اعتبر النظام أنه ليس مرغما على الدخول فى مفاوضات تدفعه إلى تقديم تنازلات على أرض الصراع التى استطاع استعادة السيطرة على معظمها. هذا بخلاف أن التشابك والتعارض فى مصالح الدول المنخرطة فى الأزمة فرض حالة من «توازن المصالح» أدت إلى إبقاء الصراع المسلح فى حالة هدوء، والمسار السياسى فى حالة جمود.
فى العراق، الأزمة ما زالت قائمة على جميع المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، رغم الجهود المضنية التى تبذلها الحكومة. وكان عام 2020 أكثر الأعوام صعوبة، نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وما فرضته من تداعيات مالية فى ظل تراجع حاد فى أسعار النفط، ما نتج عنه زيادة مباشرة فى معدلات الفقر والبطالة. إلى جانب جائحة كورونا، التى أسهمت فى زيادة الضغوط على الحكومة.
ويعود استمرار التأزم فى العراق على المستويات السياسية والأمنية إلى تراجع دور الدولة لمصلحة فصائل وميليشيات عسكرية مسلحة كهيئة الحشد الشعبى، التى باتت تهدد الاستقرار السياسى لتوظيفها السلاح فى الداخل بخلاف سيطرتها على الشارع. كما تهدد كذلك استقلالية القرار السياسى نتيجة ارتهانها للخارج وتحديدا لإيران، وهو ما يحافظ على استمرار العراق كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية والإقليمية المتنافسة، على نحو ما يكشف عنه التصعيد الحالى بين الولايات المتحدة الأمريكية والميليشيات الموالية لإيران مع حلول الذكرى الأولى لمقتل قاسم سليمانى.
فى ليبيا، ورغم بروز التدخلات الإقليمية المسلحة فى عام 2020، لاسيما التدخل التركى، على خلاف أزمات العراق وسوريا واليمن المتفجرة عسكريا منذ سنوات، فإن ما ميز الأزمة الليبية أنها شهدت عملية «احتواء سريعة» لاحتمالات التصعيد العسكرى الإقليمى، أو التوقف به عند محطة محددة، من خلال الموقف المصرى القاطع بشأن محور «سرت- الجفرة». لكن ذلك لا يعنى أن مشهد التصعيد العسكرى (التركى تحديدا) فى الأزمة سوف ينتهى كليا فى عام 2021، لكنه يعنى أن توازنات القوى المتدخلة سوف تمارس أقصى مستويات الضغط الدبلوماسى من أجل تغليب الحل السياسى، وهو ما يتوقع أن يستغرق كل عام 2021.
ولا تبدو الأزمة فى اليمن قريبة من الحل فى العام الجديد. بل إن الهجمات التى تعرض لها مطار عدن، فى 30 ديسمبر الماضى، بالتوازى مع وصول الحكومة اليمنية الجديدة إلى المدينة، تكشف أن الصراع العسكرى قد يتصاعد فى الفترة المقبلة، خاصة فى ظل ارتباطه بملفات أخرى، على غرار التصعيد المتواصل، على مستويات مختلفة، بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا يبدو الوضع مختلفا فى لبنان، الذى يبدو أنه سيواجه تصاعدا فى الأزمات التى تواجهه، نتيجة لتردى الأوضاع السياسية والاقتصادية، فضلا عن تراجع دور الدولة أمام الانخراطات الخارجية لحزب الله من ناحية، وأمام سياساته الداخلية من ناحية ثانية، وهو ما تُرجِم فعليا فى فشل القوى السياسية فى التوصل لحالة توافق على تشكيل حكومة جديدة ليفقد لبنان بمقتضى تلك الأزمات حالة التميز السياسى والاقتصادى التى كان يتمتع بها على مدى عقود من الزمن.
وحتى دول مثل تونس، لا تزال تواجه أزمات سياسية داخلية يتوقع أن تتواصل فى العام الجديد، نتيجة عدم قدرة القوى السياسية الرئيسية على التوصل لصيغة حاكمة للعملية السياسية منذ نتائج الانتخابات البرلمانية فى أكتوبر 2019، وتمخض عنها توالى ثلاث حكومات على مدى عام 2020 نالت اثنتان منها فقط ثقة البرلمان، وهو ما يضع الدولة فى مأزق كبير، لاسيما فى ظل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن جائحة «كورونا».
لا حروب إقليمية جديدة
وعلى ضوء استمرار استعصاء تلك الأزمات على الحل، يبدو أن الاضطراب سوف يكون عنوانا رئيسيا للتفاعلات والتطورات التى سوف يشهدها الشرق الأوسط فى عام 2021، وهو ما يعود إلى اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فى استمرار التدخلات الإقليمية، لاسيما التركية والإيرانية.
ويرجح أن تتواصل تلك التدخلات فى عام 2021، من دون أن تؤدى إلى حروب إقليمية، خاصة مع التوجهات المعلنة للإدارة الأمريكية المقبلة، ومع ترسخ توازنات داخلية وإقليمية تحول دون وقوع حروب كبرى، إلا بفعل أخطاء غير مقصودة. وفى العموم لا تدفع المواقف المعلنة سلفا للرئيس الأمريكى الجديد جو بايدن بالقوى الإقليمية إلى تغيير سلوكياتها كليا، بل قد تتجه إلى توافقات مع الإدارة الأمريكية فى ضوء القراءات المتحولة للمصالح.
ومن دون شك، فإن ما يزيد من حدة هذا الاضطراب التشابك المكثف للملفات الإقليمية المختلفة؛ إذ لا يمكن فصل التعثر الواضح لبعض الأزمات الإقليمية، لاسيما فى العراق ولبنان واليمن، عن التصعيد المستمر بين إيران والولايات المتحدة، الذى يبدو مفتوحا على أكثر من مسار خلال المرحلة المقبلة، لاسيما مع بداية عهد الرئيس بايدن، الذى قد يتجه مبكرا إلى اختبار مقاربة «العودة مقابل العودة» التى تقضى بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووى مقابل عودة إيران إلى الالتزام ببنوده.
ولا ينفصل ذلك عن استمرار التدخلات التى تقوم بها تركيا فى معظم تلك الأزمات، التى من شأنها تصعيد حدة هذا الاضطراب، على غرار ما يحدث فى أزمات مثل ليبيا وسوريا وشرق المتوسط وإقليم ناجورنى قره باغ.
نمو اقتصادى دون العودة إلى مستويات 2019
توازى ذلك فى مجمله مع تصاعد تداعيات جائحة «كوفيد- 19»، التى تسببت مع إجراءات الإغلاق العالمى التى صاحبتها، فى أزمة اقتصادية عالمية هى الأسوأ منذ عقود طويلة. وكانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أكثر مناطق العالم تضررا من الأزمة، بانكماش اقتصادى بلغ -5% فى عام 2020 وفقا لأحدث تقديرات صندوق النقد الدولى، جراء تأثير الأزمة على الطلب على القطاعات الريعية التى يعتمد عليها أغلب دول المنطقة، وفى مقدمتها قطاعات الطاقة من نفط وغاز، والسياحة، بالإضافة إلى التأثير على تحويلات العاملين من الخارج كذلك.
وكانت الدول المُصدِّرة للنفط فى المنطقة قد تلقت الصدمة الأكبر بانكماش بلغ -4.4%، فى حين انكمشت الدول المستوردة للنفط بـ-1.2% فقط. وبالتالى، مع بداية العام الجديد 2021، سترتبط كذلك آفاق تحسن اقتصادات المنطقة، بالطلب العالمى على النفط بالأساس، والسياحة بدرجة أقل، وهو الطلب الذى سيعتمد بدوره على مدى تخفيف إجراءات الإغلاق والقيود على حركة الأفراد والبضائع فى العالم، سواء بسبب انحسار الجائحة بصورة طبيعية، أو إذا نجحت اللقاحات المُجازة فى السيطرة على انتشارها.
وتشير أحدث توقعات منظمة أوبك إلى تحسن الطلب العالمى على النفط فى العام الجديد، إلى 95.89 مليون برميل يوميا، مقارنة بـ89.99 مليون برميل يوميا فى عام 2020 خلال الأزمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الطلب المتوقع يظل أقل من الطلب العالمى قبل الأزمة فى عام 2019، الذى بلغ 99.76 مليون برميل يوميا. وبالإضافة إلى هذا التعافى الجزئى للطلب على النفط، فمن غير المتوقع أيضا أن تستعيد أسعاره مستويات ما قبل الجائحة خلال العام الجديد، ففى حين انخفض متوسط سعر برميل النفط، سلة أوبك، من 63.82 دولار خلال عام 2019، إلى 40.75 دولار فقط فى عام 2020، فإن التوقعات تشير إلى ارتفاعه فى عام 2021 ببضعة دولارات فقط للبرميل. وبالتالى، فإن التحسن البطيء للطلب على النفط وأسعاره سيحد من آفاق تعافى الاقتصادات المُصدِّرة للنفط فى المنطقة، ومن ثم تحويلات العاملين بها، وحركة السياحة منها، إلى الدول المستوردة للنفط فى المنطقة.
ومن غير المُتوقع كذلك أن يتعافى الطلب العالمى على السياحة إلى مستويات عام 2019 ما قبل الأزمة، خلال العام الجديد، بل إن التعافى سيبدأ تدريجيا فى النصف الثانى من العام، ويصل إلى مستويات عام 2019 بحلول عام 2023، وفقا لاستطلاعات منظمة السياحة العالمية، وهو ما سيُبطِئ كذلك من التعافى فى الاقتصادات الأكثر اعتمادا على السياحة فى المنطقة، وأبرزها لبنان والأردن والمغرب وتونس.
وبذلك، ففى المجمل، من المُتوقع أن تنمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2021 بمعدل 3.2% فقط، وفقا لصندوق النقدالدولى، وهو ما يعنى أن أغلب الاقتصادات فى المنطقة ستحقق ناتجا إجماليا فى عام 2021، يفوق بطبيعة الحال الناتج فى عام 2020، ولكن أقل من ناتجها الإجمالى فى عام 2019.
تمدد «داعشي» وتراجع «قاعدي»
بقياس المعطيات التكتيكية والعملياتية لنشاط تنظيم «داعش» خلال 2020، يمكن استنتاج بعض تحركاته المتوقعة خلال عام 2021، التى ستتركز على ثلاثة مسارات محتملة: أولها، الاتجاه غربا، فمن المحتمل أن يركز التنظيم على إفريقيا بشكل متزايد من خلال أفرعه الثلاثة (غرب ووسط وشرق إفريقيا)، سواء من حيث التصعيد العملياتى أو محاولة بسط النفوذ الديموغرافى على مساحات جديدة فى القارة. ثانيها، التركيز على دولة المقر، إذ من الواضح خلال تقييم عمليات التنظيم خلال النصف الثانى من عام 2020، تركيزه المتنامى على الساحة العراقية، وهو ما يجعل هذا المسار قائما ومحتملا فى العام الجديد بهدف استغلال حالة التراجع فى أداء التحالف الدولى لمكافحة الإرهاب، التى حدثت نتيجة تخفيض عدد القوات الأمريكية الفاعلة بالعراق، على نحو وفر مساحة للتنظيم للسعى نحو إعادة فرض السيطرة على بعض المناطق الجغرافية التى افتقدها عقب هزيمة الموصل فى يونيو 2017 بجانب محاولة اكتساب بعض المناطق الجديدة كنوع من إعلان القوة وإثبات النفوذ، وهى تحركات تبذل الحكومة العراقية جهودا حثيثة لإفشالها.
ثالثها، التركيز على مفهوم «العدو البعيد»، من خلال تكثيف استهداف المصالح الغربية، سواء داخل بعض دول الإقليم أو فى بعض العواصم الأوروبية، حيث تحتل إفريقيا المرتبة الأولى المحتملة كبيئة لاستهداف المصالح الغربية، لكونها إحدى أهم مناطق النفوذ الفرنسى فى العالم، بجانب تعدد المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة.
ويتوازى ذلك مع تراجع نفوذ تنظيم «القاعدة»، الذى يضم سبعة فروع رئيسية موجودة على المستوى الإقليمى، هى تنظيم «القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي»، وتنظيم «القاعدة فى شبه الجزيرة العربية» ويتمركز بصورة رئيسية فى اليمن، وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» فى مالى وغرب إفريقيا، وجماعة «الشباب» فى الصومال وشرق إفريقيا، وتنظيمى «حراس الدين» و»أنصار الدين والإسلام» فى سوريا، بالإضافة إلى تنظيم «القاعدة فى شبه القارة الهندية»، ويمثل مركزا لأنشطة التنظيم فى أفغانستان وبنجلاديش وباكستان والهند.
ومن المتوقع أن يشهد تنظيم «القاعدة» تطورات رئيسية ثلاثة خلال عام 2021:
أولها، انكماش جغرافى، لاسيما بعد استهداف قياداته على مستوى المركز والأفرع، بجانب التفوق النوعى لتنظيم «داعش» فيما يسمى «الحروب البينية» التى ينفذها الأخير ضد مناطق ارتكاز الأول، فضلا عن فقدان التنظيم مناطق جغرافية متعددة وبشكل خاص فى اليمن ومنطقة الساحل لمصلحة «داعش».
ثانيها، الحفاظ على «الولايات السبع»، للإبقاء على وجوده فى بعض مناطق العالم ومنها دول جنوب شرق آسيا بما فى ذلك إندونيسيا والفلبين، بالإضافة إلى تعزيز النفوذ فى الساحل الإفريقى واليمن والصومال، وهى أكثر الساحات نشاطا للتنظيم خارج النطاق المركزى فى أفغانستان.
ثالثها، منع حدوث انشقاقات، خاصة فى ضوء مقتل العديد من القيادات الرئيسية والمهمة خلال الفترة الأخيرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق