رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«إستونيا» تفتح ملف مشكلات الحدود

رسالة موسكو د. سامى عمارة
صورة تعود لعام 1920 فى أثناء توقيع «معاهدة تارتو»

تظل قضايا الحدود والأراضى المشكلة الأكثر حدة فى علاقات روسيا مع كثير من البلدان المجاورة وهى التى تبلغ حدودها مع هذه البلدان ما يزيد على ستين ألف كيلومتر. ورغم أن روسيا توصلت إلى تسوية كثير من جوانب هذه المشكلة، فإنها تظل فى معظمها قائمة على نحو غير مباشر مع العديد من البلدان المجاورة، فيما تبدو أكثر حدة على الجبهتين الغربية والجنوبية، وتحديدا مع جمهوريات البلطيق فى الشمال الغربي، وأوكرانيا وجورجيا جنوبا، إلى جانب جزر كوريل مع اليابان، وعدد من القضايا الخلافية غير المعلن عنها مع قازاخستان فى آسيا الوسطي، فضلا عن المشكلات القديمة التى تطفو على السطح من حين لآخر مع فنلندا التى كانت تابعة للإمبراطورية الروسية حتى عام 1917.

 

وتلك كلها قضايا أعلنت موسكو بشأنها القول الفصل فى «فرمان دستوري» ورد ضمن التعديلات الدستورية التى جرى إقرارها بموجب نتائج الاستفتاء الشعبى فى يونيو-يوليو من العام الماضي.    

ومن جمهوريات البلطيق نتوقف عند إستونيا، أصغر الجمهوريات السوفيتية السابقة وأكثرها جموحا وتمردا، على ضوء ما أعلنه رئيس برلمانها هين بيلواس، حول تمسك بلاده بـ «معاهدة تارتو» الموقعة مع روسيا السوفيتية فى عام 1920. وكانت إستونيا أولى الجمهوريات التى رفعت راية الانشقاق وأعلنت «استقلالها» فى 1988 أى قبل تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتى بما يزيد على ثلاث سنوات. ويذكر التاريخ ان إستونيا تزعمت حركات جمهوريات البلطيق صوب الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، وهى التى لا يتعدى تعداد سكانها أكثر من المليون نسمة بقليل، انضم إليهم سكان لاتفيا وليتوانيا لينسجوا معا أكبر سلسلة بشرية تمر بأراضى الجمهوريات الثلاث، تعبيرا عن الوحدة حول مطلب الانفصال عن الاتحاد السوفيتى السابق فى 23 أغسطس 1989.

موقعها فى شمال غرب الاتحاد السوفيتى السابق على ضفاف البلطيق جنوبى الخليج الفنلندى قريبا من البلدان الاسكندنافية، يفسر وقوعها فريسة النزاعات التاريخية وتبادل السيطرة عليها من جانب الدنمارك والسويد وألمانيا، حتى آلت أخيرا إلى سيطرة الإمبراطورية الروسية. جرت تسوية علاقاتها وترسيم حدودها مع روسيا بموجب معاهدة تارتو (نسبة إلى مدينة تارتو الإستونية) فى عام 1920. لكنها لم تتمتع بهذا الاستقلال كثيرا، حيث سرعان ما عادت القوات السوفيتية لغزوها مع جمهوريتى لاتفيا وليتوانيا فى عام 1940 بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية فى عام 1939، بموجب الملاحق السرية لمعاهدة عدم الاعتداء بين هتلر وستالين فى عام 1939، وما عرف باتفاق مولوتوف-روبينتروب، وزيرى خارجية الاتحاد السوفيتى وألمانيا. وقد ظلت مسألة الأراضى والحدود، خلافات عالقة بين البلدين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بما يعيد إلى الأذهان كثيرا من القضايا الخلافية بين روسيا وأوكرانيا وعدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وكانت روسيا وإستونيا توصلتا فى عام 2005 وبعد مفاوضات شاقة استمرت لسنوات طويلة، إلى اتفاق يقضى بالاعتراف المتبادل بالحدود القائمة بين البلدين حسب تصريحات سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية. ونقلت عنه وكالة رويترز فى مايو 2005 تصريحا استبق توقيع الاتفاق يقول فيه: «أخبرنا زملاؤنا الاستونيون بأنه ليس لديهم تفسيرات من جانب واحد لخط الحدود». لكن الاستونيين كان لهم رأى آخر، عاد ليعلنه منذ أيام معدودات رئيس برلمان إستونيا هين بيلواس فيما قاله حول «أن معاهدة تارتو للسلام، المبرمة بين إستونيا وروسيا السوفيتية فى عام 1920، لا تزال سارية المفعول حتى الآن، بما فى ذلك بشأن الحدود بين الدولتين». وقال «إن يوم 2 فبراير يصادف مرور مائة عام على توقيع معاهدة تارتو للسلام، التى تم بعدها «تشكيل الحدود الروسية الإستونية»، فيما أضاف «أن معاهدة تارتو للسلام لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، ولا تزال موجودة فى سجل المعاهدات الدولية الحالية للأمم المتحدة، بما يعنى أحقية استونيا فيما تخلت عنه روسيا السوفيتية من أراضٍ كانت تابعة لمقاطعتى لينينجراد وبيسكوف الروسيتين لإستونيا. ونذكر بهذا الصدد ان ممثلى إستونيا أصروا لدى مداولات التصديق على الاتفاقية على تضمين الاتفاقية إشارة الى معاهدة تارتو، ما دفع الجانب الروسى إلى سحب توقيعه. وتوصل الجانبان فى عام 2014 إلى اتفاقية جديدة لم يتم التصديق عليها منذ ذلك الحين، ما يعنى بقاء الوضع على ما كان عليه.

وكانت روسيا خلصت خلال العقود الأخيرة إلى تسوية كثير من خلافاتها الحدودية مع عدد من البلدان المجاورة. ففى عام 2010 وبعد خلافات دامت لما يقرب من المائة عام، وقع الرئيس الروسى السابق دميترى ميدفيديف، مع رئيس وزراء النرويج يانس ستولتنبرج (الأمين العام الحالى لحلف الناتو) اتفاقية بشأن ترسيم حدود المساحات البحرية فى بحر بارنتس والمحيط المتجمد الشمالي. تم تقسيم 175 ألف كيلومتر مربع من مساحة المياه المتنازع عليها فى الولاية إلى نصفين. وكان الاتحاد السوفيتى أعلن من جانب واحد فى عام 1926، فرض سيطرته على هذه المساحات المائية، لتعود النرويج إلى المطالبة بها فى عام 1976. وقد ظلت المنطقة متنازعا عليها، بينما منعت النرويج الاتحاد السوفيتى السابق من التنقيب عن الغاز والنفط فيها، وإن ظلت مفتوحة أمام سفن صيد الأسماك التى شهدت أيضا اندلاع بعض النزاعات التى وضعت الاتفاقية الأخيرة بين الجانبين حدا لها.

وكان للصين نصيب أيضا فى هذه النزاعات، ومنها ما كان سببا فى اندلاع المعارك المسلحة بين الجانبين فى عام 1969 حول جزيرة دامانسكي، فى انتهاك صريح من جانب الزعيم السوفيتى الأسبق ليونيد بريجنيف، لما جرى الاتفاق عليه بين سلفه نيكيتا خروشوف والقيادة الصينية فى عام 1964. وفى عام 2004 توصل الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسوية لهذه المشكلات، ثمة من يقول إنها تظل مجحفة بالنسبة للجانب الروسى الذى فقد بموجب هذه التسوية ما يقرب من 350 كيلومترا من أراضيه.

وتشير المصادر الروسية إلى أن الولايات المتحدة نجحت فى استغلال حالة الضعف والهوان التى كانت عليها القيادة السوفيتية قبيل انهيار الاتحاد السوفيتى فى تحقيق عدد من المكاسب التى انتزعت بموجبها أجزاء هائلة من المنطقة الاقتصادية التابعة للاتحاد السوفيتى السابق فى منطقة بحر بيرينج، قريبا من الحدود المشتركة مع الولايات المتحدة (بعد شرائها شبه جزيرة الاسكا التى باعها القيصر الروسى ألكسندر الثانى فى عام 1867 لقاء سبعة ملايين دولار لا غير).

ولا يفوتنى بهذا الصدد التوقف عند نادرة تتداولها الألسن كثيرا لدى العودة إلى تاريخ تسليم الإمبراطورية الروسية لشبه الجزيرة. يقولون «إن مراسم تسليم الأراضى جرت فى نوڤوأرخانجيلسك الروسية. وكانت القوات الأمريكية والروسية اصطفت أمام سارية العلم الروسى الذى أنزل عنها على أصوات طلقات المدفعية. ولكن العلم علق فى أعلى السارية، وكأنه يأبى مبارحة موقعه أعلاها، ليبادر أحد البحارة بتسلقها لينزع العلم ويلقى به إلى الأسفل ليعلق بحراب البنادق الروسية، وهو ما اعتبره الكثيرون آنذاك نذير شؤم». وثمة من يقول إن اغتيال ألكسندر الثانى فى عام 1881 كان تفسيرا لتلك الواقعة التى شهدتها مراسم إنزال علم القيصرية الروسية، وإحلال العلم الأمريكى مكانه فى عام 1867. 

وتمضى السنوات ليعود إدوارد شيفرنادزة، وزير الخارجية السوفيتية، ليوقع فى يوليو 1990 مع نظيره الأمريكى جيمس بيكر، اتفاقية تقسيم مياه مضيق بيرينج التى آلت بموجبها مساحات هائلة إلى الجانب الأمريكي، وهو ما لم يصدق عليه البرلمان السوفيتى السابق فى حينه، ولقيت رفضا من جانب مجلس الدوما، فيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

ويذكر التاريخ القريب تلك المشكلة التى تفجرت بين رئيس قازاخستان السابق نورسلطان نزارباييف ونظيره الروسى فلاديمير بوتين بعد تطرق الأخير إلى بعض جوانب تاريخ قازاخستان وإشارته إلى أنها لم تكن موجودة على الخريطة السياسية وتدين بوجودها إلى نزارباييف، وهو ما أثار فى حينه كثيرا من الجدل الذى سارع بوتين إلى احتوائه. ويذكر المواطنون والمراقبون فى روسيا ما قاله الأديب الروسى الحائز جائزة نوبل ألكسندر سولجينتسين، عقب عودته من المهجر فى الولايات المتحدة الى روسيا فى عام 1994 وإدانته لتفريط روسيا فى كثير من أراضيها ومنها كل شمال قازاخستان، وهو ما تسبب فى كثير من المشكلات للرئيس الروسى الأسبق بوريس يلتسين. وكان يلتسين تنازل أيضا عن كثير من أراضى روسيا، ومنها أحقية روسيا فى القرم وجنوب شرق أوكرانيا ثمنا لاستمالة نظيره الأوكرانى ليونيد كرافتشوك، إلى مشروعه حول الإطاحة بغريمه ميخائيل جورباتشوف، وهو ما انتهى بكارثة انهيار الاتحاد السوفيتي.

غير أن الأمر لم ينته عند هذا الحد، حيث عادت الأزمة لتطفو على السطح من جديد عقب إعلان فياتشيسلاف نيكونوف عضو الحزب الحاكم «الوحدة الروسية» ورئيس لجنة التعليم والعلوم فى مجلس الدوما، المعروف بعلاقاته الوثيقة بالكرملين، حول أن «أراضى قازاخستان هدية كبيرة من روسيا والاتحاد السوفيتي»، فضلا عن تأكيده «ان قازاخستان لم تكن موجودة وأن كل شمال قازاخستان لم يكن مأهولا بالسكان». وذلك ما انتفضت معه قيادة قازاخستان لتستدعى سفير روسيا فى قازاخستان إلى وزارة الخارجية إعلانا عن احتجاجها، ما تراجعت أمامه موسكو فى محاولة صريحة لاحتواء الأزمة، وإن كان الكثيرون فى نسقها الأعلى للسلطة لا يزالون عند تأييدهم لمثل هذا الرأي، الذى سبق أن أعلنه سولجينتسين فى عام 1994. وقد أعاد هذا الموقف إلى الأذهان ما سبق أن اعترف به بوتين بصراحة، حين قال بعدم أحقية كثير من الجمهوريات السوفيتية السابقة فى كثير من الأراضى التى تزعم تبعيتها لها. وقال إن هذه الجمهوريات تلقت هذه الأراضى كهدايا من روسيا ولم تكن ضمن أراضيها حين انضمت الى الاتحاد السوفيتي. وأضاف أنه كان لزاما على هذه الجمهوريات لدى إعلانها الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، الخروج بغير هذه «الهدايا». ورغم أن بوتين حاول تفسير ما قاله بانه يقصد أوكرانيا، فإن جميع مشاهديه وسامعيه كانوا ولايزالون على يقين من حقيقة وأبعاد ما كان ولايزال يقصده فى جوهر الأمر.       

ومن هنا يمكن تفسير كثير من الجدل الذى احتدم لدى اعداد التعديلات الدستورية الأخيرة قبيل طرحها على الاستفتاء الشعبى صيف العام الماضي. وكانت النقاشات احتدمت وتصاعدت حول ضرورة تضمين الدستور الروسى لنص يُجَرٍم كل من تسول له نفسه فكرة التنازل عن أراضٍ تقول روسيا بأحقيتها المشروعة فيها، وهو ما كان مقصودا به جزر كوريل المتنازع عليها مع اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وشبه جزيرة القرم التى استعادتها روسيا فى 2014 عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية. وذلك يفسر ما وقعه الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى ديسمبر 2020، من قانون يقضى «بمعاقبة أى من الأعمال التى تهدف إلى التنازل عن أراضى البلاد بالسجن والغرامات التى تصل إلى 500 ألف روبل (نحو سبعة آلاف دولار) على أى دعوة عامة تستهدف مثل هذه الإجراءات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق