رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ضوء شاحب

محمد جبريل;

علت الضربات، تلاحقت، كأنها تخترق الجدران. ربما العمال أطالوا السهر فى البناية المجاورة. أشاهدهم من نافذة السلم، يضيفون إلى ارتفاع المبنى بما يمنع حتى ضوء القمر من افتراش الطرقة الموصلة بين السلم وباب الشقة. فى الزاوية إلى يمين الطرقة، شقة، ألتقى - أحياناً - ساكنها الأربعينى، بقامته المتطوحة، والبيريه فوق رأسه، والحقيبة الجلدية السوداء فى يده. عرفت أنه أستاذ جامعى، جعل الشقة مكتبًا يخلو فيه إلى أبحاثه. نكتفى بإيماءة، ثم يغلق كل منا باب شقته. أدرك انصرافه من صوت إغلاق الباب، ووقع أقدامه فى الطرقة، وعلى السلم.

غاب عن ذهنى أن تكون للضربات القوية، المتلاحقة، صلة بنوة قاسم التى علت بموج البحر، وأثارت الريح والتراب.

أتطلع فى الظلام، أعانى التوقع بأن تقتحم الحجرة أشباح لم أرسم لها صورة محددة: هل هى مخلوقات شائهة تستعصى على التصور؟ أو مردة وعفاريت وغيلان مما كنت أنتفض لسماعها فى حكايات أمى؟ أو وحوش لها مخالب وأنياب؟

لا أذكر متى صار الخوف شيئًا ثابتًاً فى حياتى، متى أحسست به، وبدأت فى ملاحظته.

كنت أنصت إلى ما ترويه أمى من حكايات وحواديت تجعلنى أموت من الخوف. تفاجئنى الوحدة، فتتراءى لى الأطياف والأرواح والأشباح والعفاريت التى تكلمت عنها أمى.

حكت أمى عن الوطواط الذى يلزم البيت المهجور فى شارع سراى محسن باشا، يطير فى غبشة الليل، يؤذى من يصادفه، يلتصق بوجهه، أو يفقأ عينه.

لم أعد أختصر المسافة من الشارع الضيق، الطويل، إلى المسافرخانة. أمضى فى شارع الحجارى إلى تقاطعه مع المسافرخانة، ربما يخرج الوطواط من البيت فى أوقات النهار، يؤذينى بما لا أقوى على رده.

ما يؤلمنى أنى كنت أتوقع ما أتخيله، لم أره من قبل فأستعيده: شبحًا، ميتًاً ملتفًا فى كفنه، ماردًاً ينبعث النار من فمه ومنخاريه. أخاف ما تخيلته، أتوقعه حسب التخيل. تتراءى لى فى الصحو والمنام، أشكال وتكوينات، تضيف إليها مخيلتى، تبدو على هيئة بشر، أو حيوان، أو طير، أو مخلوقات غريبة الملامح.

كنت قد أضأت نور الطرقة، وأغلقت الباب.

اطمأننت إلى مواضع قطع الأثاث فى أماكنها: النافذة المغلقة، الستارة التى ينعكس عليها من الطريق ضوء شاحب، المرآة المستديرة أيمن الباب، الدولاب بمصاريعه الأربعة فى المواجهة، الكرسيين المتقابلين، تتوسطهما طاولة صغيرة، لوحة الكعبة المشرفة المعلقة على الجدار، النجفة المتدلية من أعلى.

نزعت الثياب المعلقة على الشماعة فى ركن الحجرة، وحاولت التثبت من قطع الأثاث والثياب بما قد يعكس المخلوقات التى تروى أمى حكاياتها، التكوينات ما بين أجساد البشر والحيوان والطير والزواحف والأشكال التى أخفق فى معرفتها، الأعين المجوفة، الأذرع المتدلية، الأفواه المفتوحة كقيعان آبار، تحيط بها ظلال وأشباح وأطياف متماوجة، تؤذينى بما لا أعرفه.

اتجهت ناحية السرير. تمددت. فردت الملاءة على جسدى. أسندت رأسى إلى يدى، وتهيأت للنوم.

أخاف قدوم الليل.

علقت الساعة البندولية ذات الدقات على الجدار، أترقب توالى الدقات، يشغلنى طلوع الصبح، أتعجله.

صار الخوف - دون أن ألحظ - جزءًا فى تكوينى، يملى على تصرفاتى. هو ملازم لى فى كل ما أفكر فيه، أو أفعله. لم أعد أدرى إن كان خوفى من الأشباح والأطياف، أم من تصورات جثث الموتى، أم أنى أخاف المجهول الذى لا أعرفه.

أصعب اللحظات حين يلفنى الخوف تمامًا، لا أعرف له سببًا محددًا، لكنه يحرك - أو يشل - كلماتى وتصرفاتى، وما يشغل تفكيرى، لا صلة له بما قبل ولا بعد، بما قد أكون عانيته، والاحتمالات القريبة والبعيدة، مجرد أن أخاف، شىء غامض لا أعرف طبيعته، ولا إن كانت له ملامح.

بدا الخوف ملتصقًا بلحمى، مستقراً فى داخلى، أشعر به، وإن لم أعرف أسبابه، ينتابنى إحساس بالملاحقة، لا أعرف مصدره. ثمة من يطاردنى. أحاول أن أجرى، فأظل ثابتًا فى مكانى، لا تتحرك ساقاى، تظلان فى موضعهما، أندفع بصدرى، ترتفع الساقان، وتهبطان، لكن وقفتى لا تترك موضعها، يعوقنى الخوف عن الحركة، حتى عن مجرد السير بخطوات عادية، يبدو فرارى مستحيلًا، فأسلم نفسى إلى اليأس، أتوقع اليد التى تقتحمنى بالأذى.

تعددت المخاوف، فأزمعت أن أكتمها فى داخلى، لا أبوح بما أعانيه، أداريها ما وسعنى. استقر فى أعماقى خوف عميق، لازمنى من توقعات لا أتبينها، أداريه باصطناع الضحكات، أو تكلف الهدوء، أو بالكلمات التى لا تقصد معنى محددًا. أخاف كل ما يتصل بالظلام، أخاف المخاطرة والتحدى، ومخالطة الآخرين، والطارقين ليلًا، والأماكن المغلقة، والأقبية، والجدران المسوَّرة. أعانى القلق والتلفت حولى. أتوجس من النظرات والتصرفات، من الظلال المتماوجة فى الأركان، والزحام، وأصداء الأصوات العالية والشاحبة، والكوابيس، والتوقعات الغامضة، أتجنب النظر من الطوابق العليا. أغالب فكرة القفز إلى الطريق، كأن الجاذبية تشدنى إلى أسفل.

يأتى الليل، تأتى معه الأطياف والأشباح والأرواح والتكوينات الغريبة. كيف كان يحيا الناس قبل أن تظهر الكهرباء؟ كيف كنت سأواجه ما لا قبل لى على احتماله؟

أحاول أن أظل يقظًا. أغفو فتلح صور، بطيئة ووامضة: الأطياف والأرواح والأشباح والخيالات والرؤى والعفاريت والجن والمردة والكواسر والحيوانات المفترسة.

عرفت أنى أخاف الموتى الذين ينهضون من قبورهم ويسيرون، هياكل شبحية تدلت أذرعتها، واهتزت مشيتها، وتحولت وجوهها إلى تجاويف تخلو إلا مما يخيف، لكننى ظللت حريصًا على مشاهدة أفلام الموتى الأحياء، أستأجر شرائطها من دكان فى شارع الموازينى، يمتزج الخوف واللذة، فأنسى كل ما حولى. دافع - لا أتبينه - يلغى اعتزامى بألا أستعير شرائط الفيديو، لا أشاهدها فيغيب الخوف.

أتهيأ للنوم، يتملكنى خوف مفاجئ، لا أدرى بواعثه، وإن يظل الخوف من المجهول فى داخل النفس لا أستطيع مغالبته. أتوقع حدوث ما يصعب تصوره، شىء يطالعنى بالقسوة والألم، أرقب الباب والنافذة، أتنصت على ما قد يكون وقع خطوات.

أطيل وقت ما قبل النوم، أو أنى أعجز عن النوم، أتصور أن المجهول الذى لم أضع له ملامح، قد يقتحم الباب، أو النافذة - فى لحظة ما - ويفعل ما لم أتخيله. أنشغل بقراءات، أو بمشاهدة التليفزيون، أو سماع الراديو، أو بالنظر من الشرفة على حركة الطريق. أحرص - قبل إحكام إغلاق رتاج الحجرة - على التأكد من إغلاق الباب الخارجى، والحجرات الأخرى. حتى النوافذ أتأكد من إغلاقها، أحاول هزّها لتبين تأثير هبات الريح، أعطى ظهرى للحائط، أعدل الثياب فوق الشماعة، فلا تشكل تكوينات قد تخيفنى.

يبتعد النوم، أتصور أن المجهول الذى لم أضع له ملامح، قد يقتحم الباب، أو النافذة - فى لحظة ما - ويفعل ما لم أتخيله.

أغلق الباب، فأشعر بالطمأنينة.

يعيدنى إلى الخوف، ترامى آلات الحفر والدق من البناية القريبة، أو كلاكس سيارة، أو أصوات زاعقة أسفل البيت، وربما تلاعب هبات الريح بأوراق الشجر.

تعلو الأصوات، وتستمر، لا أستطيع تحديد مصدرها، إن كانت من داخل البيت، أم من خارجه.

أضع الوسادة فوق وجهى، انكمش بنفسى تحت الغطاء، يترامى صوت إيلاج مفتاح فى باب الشقة. أصيخ السمع. يبدو الصوت واضحًا. أفز فى مكانى، أتوقع الخطر، لكن الباب يظل مغلقاً، ويخفت التوقع، حتى يغلبنى النوم.

أروح فى النوم حينما يغلبنى النوم بالفعل، أجدنى لست فى الدنيا، ساعة أو ساعتين يغيب فيهما كل شىء، حتى الأحلام لا تطرأ على نومى، ثم تبدأ الأحلام فى المناوشة، أجول فى عوالم لا حد لاتساعها، ولا للبشر الذين تشغى بهم. تتداخل معها الكوابيس حتى تفرض سيطرتها على الرؤى.

واجهتنى عينان مثل كرتى لهب، ويدان كالمخالب تهمان بتطويق عنقى. بدت المرئيات متماوجة، متشابكة، يصعب أن أميزها. ما أتذكره عينان ليستا لإنسان، ولا لحيوان أو طير، هما لمخلوق غريب لم أره من قبل.

علا صراخى، ومددت يدى أتقى الأذى. تواصلت الصرخات حتى استيقظت على الخوف فى عينى أمى.

حتى لا تطاردنى الكوابيس والأشباح، سرت إلى حجرة أمى، تمددت إلى جوارها، وأسدلت الغطاء على وجهى.

دافعت عن رفضى العيش مع أمى فى البيت الجديد، قبالة قصر رأس التين:

- أعرف أن البيت بنى على موضع مقابر قديمة.

- هل تخاف العفاريت؟

وأنا أتجه بنظرتى إلى الناحية المقابلة:

- أحاول أن أمنع ما يثير الخوف.

أبدت أمى اهتمامًا لما تحدثت عن النافذة التى فتحت - فجأة - ثم أغلقت. كان الهواء ساكنًا، فغاب تصورى أنه هو الفاعل. أنصت أبى فى بداية الحكى، ثم اكتفى بابتسامة، وعاد إلى قراءة الجريدة.

حين رأيت جسد جارنا يوضع فى النعش ملتفًا فى كفن، تملكنى خوف، لم يزايلنى بعد انتهاء ما حدث. مضت الجنازة، لكن المشهد ظل فى أعماقى، نما بالتذكر، وبإضافات الخيال.

تبدلت ملامح أبى بالدهشة والإشفاق لتوالى أسئلتى حول معنى الموت، هل يذهب إليه جارنا فلا يعود؟

حتى تقضى أمى على إلحاح أسئلتى، انتقلت كلماتها إلى ما قد يشغلنى، أشياء أحبها مثل مواكب الصوفية وحلقات الذكر والجلوات وسوق العيد فى الساحة أسفل بيتنا.

مثل لى الموتى - لا الموت - رعبًا لا ينتهى. إذا رأيت مشهدًا فى فيلم لجثة آدمى أدرت نظرى إلى أى مكان. التخيل أقسى ما أعانيه. أتخيل، أجسد ما أتخيله. يتملكنى الخوف.

رأيت الجنازة تميل من شارع عبدالمنعم. عدد المشيعين يناهز الخمسة عشر، اندسست بينهم، يسبقنى ما لم أتبين ملامحه. مضت الجنازة إلى الأسوار العالية، المجاورة لمستشفى دار إسماعيل، اخترقت المدخل المنزوع الباب، والأرض الترابية، على جانيها أحواش، وشواهد قبور, وأشجار صبار.

أبطأت الجنازة، ثم توقفت تمامًا عند حوش على يمين شارع الرحمة.

كان التربى قد رفع المجاديل، وأعد القبر للوافد الجديد.

حرصت أن أشاهد عملية الدفن إلى نهاية اللحظات. إذا كنت لا أخاف، أو أخشى أن أخاف، فإنى أستطيع أن أخيف، يعمل لى الناس حسابًا، يتوقعون ما أقوله، أو أفعله. لفتنى ارتعاشة لما أمسك التربى ومشيعو الجنازة جثمان الميت الملتف بالكفن، وهبطوا به إلى داخل القبر، وسدوه التراب المخلوط بالحناء. أعيدت المجاديل إلى موضعها، وصوت الشيخ ذى الجبة المتهرئة يعلو بعبارات التلقين: كيف يواجه الأسئلة عن اسمه وديانته وأفعاله فى الدنيا.

جاء الليل، فغاب التصور أن اقتحام الخوف يقضى على أسبابه. ظللت متيقظًا، أرقب الجثمان الملتف بالكفن الأبيض، جسّده الخيال وسط الحجرة، وفى الزوايا.

دفعت لى أمى بكوب يمتلئ بالماء، وما لم أتبينه من الأعشاب:

- هذا عشب النردين.. سيشعرك بالراحة والهدوء!

جرعت ما فى الكوب. لم أستسغ المذاق، فبصقته.

حذرتنى من خوف لا أصل له، هو - فى قولها - مجرد وهم صنعه خيالى.

أفكر فى لحظة ما، فى شيء ما، أجاوز ما حاول ذهنى تصوره من الروايات المتعددة والحكايات، إلى ما يخترعه الذهن من صور ومرئيات ليست مما أذكره. أعرف أن ما أخاف منه ليس حقيقيًا، لم أشاهده من قبل، ولا حتى استمعت إلى حكاياته وحواديته، لكنه اختلاط رؤى وتصورات خلقها الذهن. تحاصرنى الأطياف والأشباح، لا أراها، وإن توقعت أن تفاجئنى.

عادت الطرقات تضرب الباب، تهيأت للاتجاه ناحيته. سكت الصوت قبل أن أمد يدى، تلاشى التوقع. فردت الملاءة على جسدى، غطيته تمامًا.

انتترت - بتعاظم الدوى - من موضعى. نفضت الغطاء، لا أعرف الزمن الذى قطعته فى السير حتى باب الغرفة. بدت المسافة بعيدة، أو أنها بلا نهاية.

كأن يدًا تدير المقبض من الخارج، تريد فتح الباب. تقلصت يدى على المقبض، وأدارته.

المكان لفته الظلمة، وإن علا ارتجاج زجاج نافذة السلم من هبات الهواء، وضوء شاحب يتسرب من الشقة المجاورة. وشى بالصحو داخلها تناهى موسيقا خافتة.

حدست أن الرجل يخلو إلى أبحاثه.

غالبت التردد والارتباك، ثم ضغط إصبعى على جرس الباب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق