رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المسلسل ينتقم بأثر رجعى من عبدالناصر و ديانا وما بينهما
كل أعــداء «التاج» البريطانى!

محمد بركة

على متن طائرة خاصة مجهزة بمقاعد فاخرة و ستائر داكنة اللون وأضواء خافتة، يجلس الأمير تشارلز منهمكا فى حوار متعمق مع كبير مستشاريه لمناقشة تفاصيل برنامج زيارته لعضوين من أهم أعضاء الكومنولث التابعين، ثقافيا وتاريخيا على الأقل، للتاج البريطانى وهما استراليا ونيوزيلندا. غير بعيد تجلس شقراء جميلة لكنها شديدة النحول وشاردة للغاية. تعرف بالصدفة من سياق حديثهما أنها سوف تبتعد عن ابنها وليام لمدة أسبوعين من إجمال مدة الرحلة التى تبلغ ستة أسابيع والتى تستهدف تعريف شعبى البلدين بولى عهد بريطانيا.

تنفعل الجميلة النحيلة للغاية وتطلب من كبير مستشارى زوجها أن يأتى ليلقى نظرة على ابنها النائم فى المهد ثم تسأله ماذا يرى بالضبط وهل ابنها قبيح أم جميل وحين يجيب بأنه صبى جميل تعنفه قائلة: بل هو مثالى وبالتالى فأنا أسألك ما الذى يجبرنى أنا الأم على ترك ابنى الرائع المثالى لمدة أسبوعين؟

......................................

هنا يجيب كبير المستشارين بقوة و يقين ومنطق لا يخترقه الرصاص وقد أخذته عزة وكبرياء الحارس الأمين على العائلة المالكة: لأنك زوجة أمير ويلز وهكذا يقتضى مركزك أداء تلك الخدمة الوطنية للبلاط ولبلدك وهى الخدمة التى سبق أن وافقت على أداءها بكامل إرادتك حين تزوجتِ ولى العهد!

لم يكن هذا المشهد الذى تصدر الحلقة السادسة من الموسم الرابع الذى بدأ عرضه مؤخرا من مسلسل «التاج» على منصة «نتفلكس» سوى تفصيلة صغيرة ترسم لوحة سوداء للانتقام حين يقدم كطبق بارد على الطريقة الإنجليزية! تبدو ديانا التى جسدت دورها ببراعة الممثلة الشابة «إيما كورين» فى الموسم الجديد من العمل الذى أثار ضجة وحصل على جائزة «جولدن جلوب» لأفضل دراما سوى فتاة هشة ضعيفة غير قادرة على تحمل المسئولية كزوجة لملك بريطانيا القادم. إنها فتاة مراهقة لا تجيد سوى «تنظيف بيت أختى» بتعبير ديانا نفسها كما أنها مبهورة بالأضواء و الكاميرات بشكل مستفز ويعبر عن شخصية ضحلة وسطحية.

كلنا يعرف ما الذى تؤول إليه الأمور حين نبالغ فى جذب اهتمام الصحافة؟

تواجهها الملكة إليزابيث بقوة حين تذهب إليها ديانا لتشكو إليها حياة الوحدة و التهميش التى تعيشها، كما أنها تظن أن الجميع فى البلاط الملكى يكرهها وتطلب من الملكة حرفيا و بالنص أن تشملها بـ «الحب» و»الرضا» و «القبول»!

تعلق أم الملكة باقتضاب وكأنها تقرر حقيقة كونية: إنها طفلة غير ناضجة! و لا تجد الأميرة مارجريت أو «مارجو» سوى لفظ « مثير للاشمئزاز» حين تعرف أن ديانا كسرت البروتوكول وعانقت الملكة بقوة ودون تحفظ و هى تهمس لها: ماما! وهنا لا تستطيع الملكة نفسها سوى أن تقارن بين ما حدث معها حين سبق لها أن انفصلت عن أولادها ستة أشهر كاملة حين اقتضى الأمر الذهاب فى رحلة خارجية مشابهة. والفكرة هنا أن اليزابيث الثانية مثال فى التفانى والتضحية أما ديانا فهى مثال للضعف والهشاشة واللامسئولية. حتى زوجها الأمير تشارلز يهاجمها بعنف وهو يتحدث إلى حبيبته السابقة كاميلا قائلا فى مكالمة هاتفية: لقد سئمت ضعف شخصيتها واضطرابها وارتباكها الدائم! ثم يتساءل: لماذا لا تحمل ولو جانبا بسيطا من قوة شخصيتك يا كاميلا؟

هذه الصورة السوداء التى يرسمها المسلسل لديانا لا تقتصر على عبارات تنتقدها بل تمتد لسلوك الأميرة التى تزوجت وهى دون العشرين، فهى طوال الوقت لا تتحكم فى اشتهائها للحلويات. تفتح الثلاجة منتصف الليل وتملأ معدتها بما لذ و طاب ثم تفرغ كل شيء فجأة فى الحمام. وحين تلاحقها الصحافة بسبب شائعات حول قرب خطبتها لأمير ويلز تنظر فى خبث و سعادة إلى الكاميرات ولسان حالها يقول: لقد حققت أمنيتى وأصبحت حديث الجميع أما متطلبات ومسئوليات مركزى الجديد فلتذهب إلى الجحيم!

هكذا ينتقم المسلسل بذكاء وقسوة ووحشية من « أميرة القلوب « التى أجمع العالم على أنها كشفت برود وجمود ولا إنسانية العلاقات فى قصر باكنجهام. أحبها العالم بشغف و حرارة دون أن يبادل الملكة الأم الشعور نفسه، فهل حان وقت الانتقام؟

يبدو أن الانتقام حان بالفعل دون أن يقتصر على أمير ويلز، ففى بدايات المسلسل كان لابد أن ينال الزعيم الوطنى جمال عبدالناصر من الحب جانب، فيصر ناصر على أن فى الأمر إهانة متعمدة، ويزعم المسلسل ثم يعود لتأكيد هذه المزاعم حين يشير إلى أن محادثات تليفونية فشلت بين إيدن وناصر.

يريد المسلسل مرة اخرى أن يقول لنا إن عبدالناصر مصاب بنوع من الحساسية المرضية كما أن الاعتبارات الشكلية تأتى لديه قبل مصالح مصر العليا، فهل نصدق ذلك أم حقائق التاريخ التى تخبرنا بأن العكس هو الصحيح تماما وأن مستر إيدن هو من كان يعانى عقدة حقيقية تجاه عبدالناصر الذى كان مثالا للوطنية و التحرر فى زعامته للعرب و إفريقيا و ليس فقط مصر بل وأجاب فى مقولة شهيرة ردا على صحفى بريطانى يسأله فى مؤتمر صحفى إذا ما كان لا يزال قادرا على تحمل أعباء الحكم بعد اقترابه من سن الخمسين: أنا معجزتش وموش خرع زى إيدن بتاعكم! ولأن الملك إدوارد الثامن يشكل فى سيرة حياته أكبر إهانة للعرش البريطانى، فقد تم تصويره بشكل بشع ينفى عنه كل هالة التعاطف التى يكنها العالم له. عم الملكة، الملك السابق الذى تنازل عن العرش وضرب بقيم القصر عرض الحائط بسبب إصراره على الزواج من مطلقة أمريكية، هى والاس سمبسون بالمخالفة لتقاليد البلاط، يظهر هنا فى صورة الرجل التافه الذى لا هم له فى هذه الحياة سوى شيئين: إقامة الحفلات بشكل شبه يومى فضلا عن تأمين نفسه بأكبر قدر من المال!

إنه يتوسل لابنة عمه الملكة الشابة بأن تعيد له ما تم استقطاعه من رواتب ومدخرات كى ينفق ببذخ كما اعتاد على الحفلات الأرستقراطية و الولائم الكبرى و السهرات التى يحضرها كبار النبلاء حول العالم. لا يهتم بشئون الحكم و لا يسدى النصيحة إلا وكانت عينه على مصلحة شخصية. إنه لا يتوانى حتى عن تحويل تاريخه الملكى إلى بضاعة رخيصة يبيعها فى سوق الصحافة مقابل حفنة من الدولارات حين تأتيه مجلة أمريكية و تجرى معه حوارا مطولا بشرط أن يرتدى زيا غريبا ويلقى النكات و يطهو طعاما ملكيا بنفسه و يعرض للمصور مقتنياته الشخصية الملكية! لقد تحول من ملك سابق إلى مهرج يسلى القراء بعد أن ساوم المجلة على أكبر مبلغ ممكن وبشرط ان يتسلم المال مقدما!

الأخطر أن المسلسل يصوره فى صورة الخائن الذى سبق له أن تواصل بطريقة غامضة ومريبة مع هتلر حين كانت الطائرات الألمانية تدك لندن بالقنابل لمناقشة سبل «إحلال السلام» مستقبلا. ولأن تشارلز عاد و كرر ما فعله عمه وتنازل عن منصبه كولى للعهد بسبب زواجه من مطلقة أخرى هى كاميلا، فظهر كمغناطيس يجذب كل السلبيات هو الآخر فى المسلسل الذى حقق مشاهدة استثنائية حول العالم. يظهر تشارلز كشخص ضعيف متردد مليء بالعقد النفسية منها عقدة غياب الأب «الأمير فيليب» طوال الوقت وبحثه الدائم عن أب بديل لأبيه الذى يفضل عليه أخته الأميرة آن. إنه ولى عهد لا يملك شخصية أو رؤية بقدر ما يغرق فى تهاويم وهواجس صحية و غذائية لا تنتهى، كما أنه مسلوب الإرادة أمام تلك السيدة الناضجة التى تتلاعب به كما تشاء حتى أنها عندما أقامت علاقة معه كانت تفعل ذلك بهدف استثارة غيرة حبيبها الضابط الوسيم الذى سرعان ما عاد إليها نادما وتزوجها بالفعل. هنا فقط قطعت كاميلا علاقتها بولى العهد الساذج المخدوع الذى لم يستطع أن يكون حازما ولو مرة واحدة معها حتى بعد أن عرف أنه لم يكن سوى دمية بين يديها! المسلسل تم تنفيذه بحرفية شديدة ونجح فى نقل أجواء الأبهة الملكية وحياة القصور إلى الشاشة ببراعة كما أنه يتسلل بذكاء إلى الحياة الشخصة لأفراد العائلة المالكة، لكنه لم يفعل ذلك لوجه الله والحقيقة والفن الخالص!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق