رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فتاة عصيبة

أحمد الخميسى

لمحتها واقفة على رصيف العمارة. شابة خمرية ملفوفة القوام، تحرك رقبتها بحدة من اليمين إلى اليسار بحثا عن سيارة. لمحتنى فى اللحظة التى شاهدتها فيها فلوحت لى بيدها. توقفت بالسيارة بمحاذاة الرصيف. هرولت نحوى. فتحت الباب المجاور لى. دخلت وراحت ترفع جذعها وتهبط به على المقعد الجلدى عدة مرات لتفسح لنفسها جلسة مريحة. صفقت الباب بقوة. تطلعت أمامها كأننى لست هنا، وما لبثت صبية صغيرة بجلباب وشبشب أن فتحت باب السيارة الخلفى وجلست بحذر وهى تدفع ركبتيها للأمام. قلت للشابة: «إلى أين؟». تنهدت وأرسلت بصرها إلى مدخل العمارة، حيث وقفت امرأة بدينة وكفها فوق رأسها، وتمتمت بنبرة خافتة كأنما تخاطب نفسها: «أنا عزلت وتركت لكم العمارة آهه. ارتاحوا بقى. سبع سنين قافلة على روحى. وكل يوم أحاول أفهمكم إن الحياة محبة، وإنه مفيش أجمل من الابتسامة الحلوة. وإن الدنيا لاتساوى شيء من غير احساسنا ببعض، لكن مفيش فايدة، ولأنى وحدى تهيأ لكم إنى لقمة طرية. ليه بقى تهيأ لكم إنى لقمة طرية؟ لأنكم زبالة. أنهت خطابها المهموس وقد أدركت أنه موجه إلى السكان الذين لا أراهم، فأعدت عليها سؤالي: «إلى أين؟». التفتت نحوى بتكشيرة كأن صوتى أزعجها:»درب الغزال». وضعت يدى على ناقل السرعات وفى تلك اللحظة سمعت رنة من المحمول إشعارا بوصول رسالة لى. أجلت النظر فيها ورحت أمرق بين عربات الخضروات فى زحام شارع الفيومى. اختلست نظرة خاطفة إلى جانب وجهها. كانت تتنهد سارحة وملامحها تتقلب ما بين ابتسام وغضب. بلغنا أول الشارع الرئيسى، حينذاك تنامى إلى سمعى زن خفيف من الكنبة الخلفية. استدارت الشابة بكتفها إلى البنت الصغيرة فى الخلف تخاطبها بحنان:» أنت بتغنى يا بت؟».هزت الصبية رأسها بالنفى كأنها ضبطت متلبسة بجريمة. حدقت بها الشابة بعطف. قالت تطمئنها: «وماله لما تغني؟ عاوزة تغنى..غنى.. ما تخافيش من حد. مفيش حاجة تخوف. اللى فى الشارع دول كلهم بنى آدمين عاديين. ما تخافيش من حاجة ياحبيبتى». ومدت كفها تربت به على ركبتى البنت برفق ثم اعتدلت ناظرة أمامها. شفطت بطنها. ضبطت حزامها على خصرها وسرحت من جديد. كنت أقود السيارة وقد شغلنى التكهن بمحتوى الرسالة التى وصلتنى فسهوت عن الملف المؤدى إلى وسط البلد وتجاوزته. زعقت الفتاة فى بحدة:»إيه ده بقى ياأستاذ؟ سبت الملف ليه؟». زعقت ووجهها ملبد بالانفعال يرتجف. واصلت بصوت حاد:» لا.. أنا تركيبة دماغى مختلفة. أنا لعلمك أقول للأعور أنت أعور فى عينه، وأنت عملت اللفة دى عشان المشوار يطول والعداد يحسب فلوس على». وضحت لها معتذرا:» لا والله.. أنا بس كنت بأفكر فى حاجة». شعرت بأنها انفعلت بأكثر مما يستحق الموضوع فأضفت: « لو تحبى اخصمى أى مبلغ من أجرة المشوار». رقت ملامحها مرة واحدة وقالت: « لأ. مش الفكرة. المسألة إحنا ليه ما ننقلش لبعض مشاعر حلوة بدل ما نؤذى بعض؟. أنا شخصيا بأحب الناس زى عنيه، لكن معظمهم مبدؤهم الوحيد السفالة. الوقاحة. لزمت الصمت وأنا أعود إلى الملف تحت الكوبرى. أردفت تقول: «عندك مثلا الأسبوع اللى فات أنا تعرضت فيه لمؤامرتين فى الشغل، اثنين، وطلعت سليمة. اللى عمل فى كده زملاء عمل، من يوم ما استلمت الشغل وأنا بأوضح لهم إن الحب أساس الحياة وان الحب الطاقة اللى بنتغلب بيها على أى شيء. لكن مفيش فايدة. ليه مفيش فايدة؟ لأن الواطى ح يفضل طول عمره واطى مهما عملت معاه». ولوهلة شف وجهها عن هدوء وطمأنينة. استرسلت تقول:»وبعدين أنا قاعدة وقافلة على باب شقتى. بس أروح الشغل وأرجع أنام شوية، أقوم أتفرج على التليفزيون، أشتغل مفارش كروشيه للعرايس أروح بها لمعرض يبيعها، لا حد بيزورنى ولا بأزور حد. قصدى مش عاملة قلق لأى انسان». وأطلقت ضحكة قصيرة خاطفة كانفتاح جرح وأضافت:»بس عشان أنا فى حالى اتهيأ لهم إنى بأخاف. ح أخاف من إيه؟ الناس هم الناس فى كل مكان». تطلعت فى بنظرة قلقة كأنها تستقرئ عينى وسألت: «صح ولا أنا غلطانة؟». قلت لها:»صح.. طبعا». كنت أغمغم تعقيبا على كلامها وأهز رأسى لتشعر أننى أتابع حديثها، وأنا موزع بين الانصات وقيادة السيارة. صمتت لحظات، وضحكت ضحكة عالية بدون سبب، ثم عادت إلى الكلام وهى تتلفت برقبتها بحدة إلى أن دخلنا منطقة الناصرية. سرنا قليلا ببطء إلى أن أشارت إلى عطفة على اليمين وقالت:» بس هنا. درب الغزال. أيوه هنا. آهى العمارة اللى أخدت فيها سكن جديد». وأشارت بذقنها إلى بيت قديم متهالك من ثلاثة طوابق، وقف عند مدخله رجلان يدخنان وأربعة أطفال على ظهورهم حقائب مدرسية. أوقفت السيارة. ظلت جالسة لحظات وقد أرسلت بصرها إلى الواقفين عند مدخل البيت وقالت:»ودول ح أعمل فيهم إيه دول؟ تلاقيهم سمعوا إن فيه واحدة سكنت جديد وجايين يتفرجوا عليها. يا ترى دول بنى آدمين ح يقدروا يفهموا إن الدنيا حب ومشاركة ولا بهايم؟ عموما أنا جئت لكم وح أعلمكم تبقوا بنى آدمين. أحنت رأسها على حقيبتها. فتحتها بأصابع مرتعشة. نظرت إلى وهى تناولنى الأجرة وفى عينيها استغاثة خوف وحدة ضارية، حتى أننى ارتبكت، فالتفتت إلى البنت وقالت لها: « ياللا يا صباح»، ثم خرجت ببطء، كأنما لا تريد الخروج، ولبثت واقفة بمحاذاة السيارة وهى ممسكة بيد الصبية بجوارها. تطلعت إلى مدخل البيت لحظات. شددت قبضتها على معصم البنت الصغيرة التى تلوت متألمة. تقدمت نحو البيت تجر معها البنت، فتحنى الصغيرة عودها وتحاول أن تملص كفها من القبضة. تجرها وتخطو متشنجة وغبار خفيف يرتفع من بين قدميها. سمعتها تقول للصبية بصوت رفيع يحترق مثل عود ثقاب:» ما تخافيش من حاجة. خايفة ليه؟». وراحت تدفع جسمها إلى الأمام بأمل وخوف هشة من شدة التوهج.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق