رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هيمنجواى.. حـياة حافلـة بالرصـاص

عزمى عبدالوهاب

لم يستطع أحد من الأدباء أن يصنع حياة موازية للكتابة، مثلما فعل «هيمنجواى» وكما يقول «ماهر البطوطى» فإن «أدب هيمنجواى وكتاباته مغموسة كلها بدم الحياة التى عاشها، فهو يستمد أدبه من تجارب حياته، وتدفعه هذه الحياة إلى تطوير أدبه، ومزجه بتجاربه».

وقد دفعت الحياة الغريبة التى عاشها هيمنجواى بعض النقاد إلى الحديث عن الرغبة فى الموت، التى تتحكم فى لا وعيه، وطبقوها على انغماسه الغريب فى الحروب والمعارك، وفى رحلات الصيد الخطرة، ومصارعات الثيران الدموية.



حظى هيمنجواى بحضور كبير فى الأدب العربى، حتى قبل أن يحصل على جائزة نوبل عام 1954 وقد تأثر به على وجه الخصوص كتاب القصة القصيرة، لما يتمتع به من أسلوب فريد، يتجه إلى فكرة الاقتصاد فى اللغة، وعن طريقه عرف الكتاب العرب الجملة البرقية، التى تصل إلى القارئ مباشرة، كما أنه كان يتمتع بطريقة خاصة فى بناء لغته وقصصه ورواياته.

فى طفولته أهداه والده بندقية، وأهدته والدته آلة تشيلو، لكنه كان يهرب من دروس الموسيقى إلى صيد السمك، وجعله هذا الشد والجذب بين عالمى الوالد والوالدة شديد الحساسية، وقد قال: «إن أفضل مدرسة للكاتب هى الطفولة الشقية» وقد تسببت هذه الطفولة فى إصابته بتهتهة خفيفة فى كلامه، ظلت ملازمة له طوال حياته.

ظهرت لدى هيمنجواى المولود فى 21 يوليو سنة 1899 ميول لكتابة القصص على الآلة الكاتبة، وكانت تدور حول تجاربه فى الصيد، وفى تلك المرحلة التحق بمدرسة لتعليم الملاكمة، ما أصابه بعيب فى إحدى عينيه، وجعله يفشل فى الالتحاق بالجيش الأمريكى، فى أثناء الحرب العالمية الأولى.

عمل بعد ذلك فى إحدى الصحف، وقال إنه تعلم فى هذه الشهور عن الكتابة، والصحافة أكثر مما تعلمه فى أى فترة أخرى من فترات حياته، بعدها قرأ عن حاجة الصليب الأحمر لمتطوعين، يعملون على الجبهة الإيطالية، ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة من العمر، حين عمل سائقا لعربة إسعاف فى أثناء الحرب.

بعد أسبوع من العمل، أصابته شظايا قنبلة، حين كان يحاول إنقاذ أحد الضباط الإيطاليين الجرحى، فأجريت له جراحة على إثرها، وأخرجوا من ساقيه 227 شظية، وفى أحد مستشفيات ميلانو تعرف إلى ممرضة إنجليزية، عقد معها علاقة عاطفية، ألهمته فيما بعد بروايته الشهيرة «وداعا للسلاح» ثم عاد إلى أمريكا فى 21 يناير 1919 واستقبل استقبال الفاتحين، وعرف لأول مرة حياة الاستقلال حين عاش فى شيكاغو.

وعن طريق الكتابة لصحيفتين فى الولاية، كان يحصل على ما يقيم الأود، ثم اقترح على أصحاب الصحيفتين أن يسافر إلى باريس ويعمل مراسلا، وهناك التقى عددا من الأدباء الكبار، وقضى أخصب سنوات عمره، وكما قال: «تعلمت كيف أكتب القصص بالتطلع إلى اللوحات فى متحف لوكسمبرج فى باريس».

عندما تحدث معه بيكاسو عن مصارعة الثيران، صمم على خوض هذه التجربة الفريدة، فشد الرحال هو وزوجته إلى إسبانيا، وقضى بها عدة أسابيع، كانت كفيلة بأن يقع فى غرام البلاد، ومصارعة الثيران، التى لم يخل كتاب له من الحديث عنها. ثم طلبت منه الصحيفة أن يتجه إلى إيطاليا لتغطية أخبار أحد المؤتمرات الاقتصادية، بعدها طار إلى القسطنطينية ليغطى أحداث الحرب التركية اليونانية، وشاهد فظائع انسحاب الجيش اليونانى من المدن التركية، وتقدم الجيش التركى للاستيلاء على هذه المدن، وقد ألهمه هذا الانسحاب الوصف الذى ورد فى رواية «وداعا للسلاح».

تحقق حلم هيمنجواى بأن يصبح مراسلا جوالا فى أوروبا، لكن حادثة فاجعة جرت له، فقد استدعى زوجته لتلحق به فى لوزان، وفى الطريق إليه فقدت جميع مخطوطات القصص، التى كتبها طوال أربع سنوات، وأخذ يتحرك فى البؤر الساخنة من العالم، حيث كان موجودا فى الحرب الأهلية الإسبانية، ما ألهمه روايته «لمن تدق الأجراس؟».

فى أخريات أيامه بدأت تهاجمه الشكوك فى استمراره كاتبا، ففقد الثقة فى نفسه وفنه، وخانته أعصابه، واختلط عليه الوهم بالحقيقة، ولما تفاقمت حالته، أدخله أصدقاؤه مستشفى «مايو كلينيك» تحت اسم مستعار، وبعد أن خرج من المستشفى فوجئت زوجته بصوت طلقة رصاص، فهرعت إلى مصدر الصوت، لتجد هيمنجواى وقد أطلق النار على رأسه من بندقيته.

وأخيرا أصدرت دار آفاق للنشر والتوزيع «رسائل هيمنجواى» فى مجلدين، يصل عدد صفحات المجلد الواحد منهما إلى ما يزيد على 700 صفحة، بترجمة الشاعر عبدالمقصود عبدالكريم، الذى استهل عمله بتوجيه رسالة إلى هيمنجواى، جاء فيها: «معذرة على كل ما سببته لك، عملت بجد كما كنت تعمل دائما، لكنك تعرف أن الأمر لم يكن سهلا، لكنى حاولت بجد مرة أخرى، وتعلمت منك الكثير، أرجو أن تغفر لى زلاتى، وأن تسامحنى على أننى نقلت إلى لغة لا تعرفها، ما أوصيت أهلك بعدم نشره حيا أو ميتا».

فى هذه الرسائل يقترب القارئ من هيمنجواى الحفيد، الابن والأخ، الزوج والأب، هيمنجواى الصحفى، سائق عربة الإسعاف، فى الصليب الأحمر الأمريكى، نهاية الحرب العالمية الأولى، فى إيطاليا، الكاتب المبتدئ، المولع بصيد الأسماك والحيوانات والطيور، المولع بالملاكمة ومصارعة الثيران وعاشق القطط، هيمنجواى دائم التنقل، والصديق الذى يتنوع أصدقاؤه، بقدر تنوع اهتماماته، وتنوع أماكن ترحاله، هيمنجواى الجندى المحارب الذى لا يهاب الموت، والباريسى المرفه أحد ممثلى الجيل الضائع، هيمنجواى الكاتب الكبير، الذى ذاق طعم الشهرة والنجاح الباهر، وواصل الطريق حتى جائزة نوبل فى الأدب، كل هذه الوجوه ووجوه أخرى لهيمنجواى تظهر واضحة من خلال رسائله.

هذا هو هيمنجواى الذى قضى حياة حافلة، جاب فيها قارات العالم، ومارس فيها أنشطة عديدة، بالإضافة إلى الكتابة، وتعرض لحوادث كثيرة، كان يمكن أن تنهى حياته فى أى لحظة، بعد هذا كله تدهورت صحته فى النهاية، ودخل المستشفى عدة مرات، وبرغم أنه بدا لأطبائه فى حالة تسمح له بالخروج، مات بعد أقل من ثلاثة أسابيع من رسالته الأخيرة فى هذا الكتاب.

استيقظ هيمنجواى صباح الأحد قبل السابعة، وفتح مخزن البدروم، واختار بندقية بماسورة مزدوجة من على الرف، وحملها إلى الدور العلوى إلى الردهة الأمامية، ووضع مؤخرة البندقية على الأرض، وضغط بجبهته على الماسورتين وفجر رأسه بالكامل، كان ذلك فى 2 يوليو 1961 وكان خبر وفاته قد انتشر فى أرجاء الدنيا، لتنتهى حياة أحد أكبر الكتاب فى القرن العشرين.

ترك هيمنجواى حياة حافلة بالأحداث والمواقف، فقد شارك فى الحرب العالمية الأولى، وهو لا يزال فى التاسعة عشرة، وتعرض لحادث كاد ينهى حياته، وبعد ذلك اشترك فى الحرب الإسبانية من بداياتها تقريبا حتى نهايتها، وكانت الحرب العالمية الثانية هى آخر الحروب التى عاشها بوجدانه، وخاصة العمليات التى جرت على الأراضى الفرنسية لتحريرها من الألمان.

ويمكن الكتابة عن حياته فى إيطاليا فى نهاية الحرب العالمية الأولى، والسنوات التى قضاها فى باريس، والكتابة عن جولاته فى أوروبا، والفترة التى قضاها فى كندا وحياته فى كوبا، ورحلته إلى الصين وجولاته فى إفريقيا، يمكن الحديث عن علاقته بالكتاب من أبناء عصره وصداقته معهم وموقفه من أعمالهم، يمكن الحديث عن علاقته مع المحررين الذين تعامل معهم، ودور النشر، وطريقته فى كتابة أعماله.

لكن كما يقول المترجم عبدالمقصود عبدالكريم لا معنى لهذا الحديث لأنه يأتى كله فى الرسائل، يأتى حيا وبالتفصيل، وربما يكمن هنا الاختلاف بين الرسائل والسيرة الذاتية، هذه الرسائل أقرب إلى السيرة الذاتية، لكنها سيرة ذاتية حية، تدون فيها الأحداث لحظة وقوعها، وبدعم من باتريك هيمنجواى (الابن) بدأ مشروع مطبعة كمبردج نشر طبعة محققة من الرسائل، فى سبعة عشر مجلدا. كانت الرسائل متناثرة على نطاق واسع، ويقول المسؤولون عن المشروع إنهم جمعوها من أكثر من 250 مصدرا داخل الولايات المتحدة وخارجها، من المكتبات والتجار وهواة جمع التحف ومراسلى هيمنجواى، وتوجد أكبر مجموعة نحو 2500 رسالة فى مكتبة الرئيس جون. ف، كيندى.

كان هيمنجواى قد أوصى بعدم نشر هذه الرسائل، وكتب فى رسالة قبل وفاته بثلاث سنوات إلى القائمين على تنفيذ وصيته: «أتمنى ألا تنشروا هذه الرسائل التى كتبتها فى حياتى، وبناء عليه أطلب منكم عدم نشر أى من هذه الرسائل أو الموافقة على نشرها».

وتبدأ هذه المجموعة من الرسائل فى أغسطس 1917 بعد إتمام الدراسة الثانوية فى حقل للبطاطس، وتنتهى قبل وفاته بأيام، وكان هيمنجواى لا يهتم برسائله كثيرا، وكان يعتقد أن أفضل الكتاب يكتبون أسوا الرسائل، وكان يقول إنه إذا كتب فى أى وقت رسالة جيدة فهذا يعنى أنه لا يعمل.

يذكر كاروس بيكر محقق الرسائل أنه تعرف مع رسائل هيمنجواى على لغة جديدة، وتمثل الألقاب التى يطلقها على أصدقائه وأخواته وزوجاته وأبنائه متاهة يجب الانتباه إليها جيدا، ليعرف المرء عمن يتحدث أو من يخاطب، وهناك مشكلة أخرى تتمثل فى كتابة بعض الكلمات كما تنطق بصرف النظر عن حروفها الأصلية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق