رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السياسة والموسيقى

كان من الممكن أن تظل الفلسفة فلكلور خاصا بالثقافة اليونانية فى أثينا والإسكندرية، لولا أن العرب ترجموا أعمال الفلاسفة اليونان إلى العربية وواصلوا البحث والتأمل فى المشكلات التى طرحها هؤلاء الفلاسفة. ومن هنا تحولت الفلسفة إلى مجال فكرى عالمي موجود فى مختلف الثقافات. اهتم الفلاسفة العرب الأوائل مثل الكندى والرازى بقضايا الفلسفة الأساسية التى تتمثل فى الإجابة عن الأسئلة الأتية: ماهو الموجود، الأشياء المادية أم المعنوية أم كلاهما معاً؟ كيف نعرف الوجود، بالحس أم بالعقل أم بهما معاً؟ كيف نميز بين الخير والشر؟ ويهدف هذا الفرع الأخير إلى إصلاح النفس الفردية وهدايتها إلى الفضيلة. سار الفيلسوف أبو نصر الفارابى على الدرب نفسه. الفلسفة فى نظر الفارابى هى الحكمة. وغاية الحكمة هى الوصول إلى السعادة. وعند هذه المحطة يتحقق كمال الإنسانية. ولكن ما المقصود بالسعادة؟ ولو سألنا أنفسنا متى يشعر الإنسان بالسعادة لقال البعض عندما يقع فى الحب، ويقول البعض الآخر عندما يتفوق أبناؤه فى دراستهم. فالسعادة فى نظرنا مرتبطة بأمور تحدث لنا فى حين أنها فى نظر الفارابى مرتبطة بأمور نسعى إليها، وبالتالي فهي تقتضي معرفةً ومهارةً وجهدا. الكائنات الحية تتصرف بنزوع غريزى وكذلك الإنسان، لكنه يتميز عن الحيوان بامتلاكه لإرادة الاختيار. الاختيار الحسن هو الذي يقودنا الى تحقيق السعادة ولكي يحسن الإنسان الاختيار يحتاج إلى المعرفة. وكل ما يقودنا إلى السعادة يعد فضيلة وما يبعدنا عنها يعد رذيلة. ومشكلة السعادة أن قلة المعرفة تزين للناس صوراً متعددة من السعادة الزائفة مثل اللذة والمال والسيطرة. من هنا تأتي أهمية التنوير أو ما يطلق عليه الفارابي الفلسفة البرانية، ويقصد بذلك تبسيط الفلسفة للجمهور حتي يتمكن من اكتساب المعرفة التي تساعده في التمييز بين الفضيلة والرذيلة. ومن هنا أيضا تأتى أهمية السياسة التى يكون هدفها إتاحة نمط من التعايش الاجتماعى يسمح للناس بتحقيق احتياجاتهم الطبيعية وتطلعاتهم الأخلاقية بصورة معتدلة ومتوازنة تخلو من الظلم والجور فيصير الطريق إلى السعادة ممهدا أمام كل فرد. 

للموسيقى مدخل فى تحقيق الكمال الإنسانى لأن الألحان مثلها مثل الشعر تنقسم إلى ستة أصناف، ثلاثة منها محمودة: أولها تخييل الفضائل والخيرات وتحسينها، وثانيها إصلاح عوارض النفس المنسوبة إلى القوة مثل الغضب والنخوة والغلبة والوصول بها إلى الاعتدال، وثالثها إصلاح عوارض النفس المنسوبة إلى الضعف مثل الرحمة والخوف واللذة واللين والحياء والوصول بها إلى الاعتدال فتبقى في إطار الفضيلة. والثلاثة المذمومة هي المضادة لها إذ تفسد كل ما تصلحه الأصناف المحمودة وتخرجه من الاعتدال إلى الإفراط. ينطلق الفارابى فى مؤلفه الضخم: كتاب الموسيقى الكبير من تحليل الموسيقى بوصفها ظاهرة ملازمة للاجتماع البشرى، وينجذب الإنسان إليها بفعل ثلاثة دوافع: أولها الميل إلى النظم والاتساق وثانيها قدرة الأصوات على التعبير عن مشاعر النفس من فرح أو ألم، وثالثها الرغبة في الراحة بعد العمل ومحاولة نسيان التعب. كما أن للموسيقى القدرة على التعبير عن مشاعر في النفس تعجز اللغة عن التعبير عنها. تمتلىء كتب التراث بحكايات كثيرة عن مهارة الفارابى فى العزف ويحتفظ تاريخ الموسيقى بتطويره لآلة العود ويزخر كتابه بكثير من المعادلات والجداول الرياضية  للكشف عن مقاييس الهارمونية فى الأنغام. ومع ذلك لم يكن كتاب الفارابى نظريا خالصا بل يقدم تقييما للألحان التى كانت شائعة فى أوج الحضارة العربية الإسلامية مثل ألحان معبد المدنى الذى كان يصيغ اللحن أثناء فعل العزف وابن سريج الذى كان يكوّن اللحن فى خياله لكنه لا يتيقن من جماله إلا إذا سمعه معزوفا. ويأسف الفارابى لانحطاط مستوى الموسيقى فى عصره ويبحث عن السبب فيجده فى الجمهور. فالإنسان الحكيم يسعى إلى السعادة بأعمال كبرى نبيلة، ولكى يصل كل عمل إلى غايته يحتاج إلى فواصل من الراحة. فالراحة ضرورية لمواصلة العمل، أى أنها وسيلة وليست غاية ولكن الجمهور الذى ينفر من العمل جعل الراحة غاية فى ذاتها، وبالتالى قام بتطويع الموسيقى لكى تعطيه الشعور بلذة الراحة ولا تدعوه إلى مواصلة العمل. الموسيقى فى هذه الحالة ترتبط بإثارة الشعور باللذة والفرحة العابرة والإيقاعات الراقصة، فى حين أن للألحان الكبرى صلة بالفضيلة والكرامة وسعى الإنسان إلى الكمال.  يقول البارون ديرلانجيه مترجم كتاب الموسيقى للفارابى إلى الفرنسية: إن الحضارة العربية هى أكثر الحضارات إنتاجا فى الكتب عن الموسيقى، ولم يكن ذلك سوى تعبيرعن المكانة التى كانت تحتلها الموسيقى فى الحضارة العربية. ويورد ابن خلدون فى مقدمته نماذج من كلمات الأغانى التى شاعت بين الناس فى زمنه وكثر غناؤها فى الأفراح.غريب كل هذا الاهتمام بالموسيقى فى حضارة يرى بعض الفقهاء فيها أن الموسيقى حرام!.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: