رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مشروب دافئ مع فيروس 2020!

بينما كانت سنة 2020 تُلملِم أمتعتها تأهبًا لرحيل بغير عودة، حمَلَتنى أيادى التدبر فى مسيرها بنا، إلى القفز على واقعها نحو خيالٍ يُرتب لقاءً مع فيروسها الُمستَجَد عليها وعلينا، كانَ اللقاء فى بلاط مملكة أقامها على أطلال واقع أمراضنا، ودونما تقيدٍ بأى إجراءاتٍ احترازية أو أمنية أو حتى رسمية، كان الفيروس مُتحررًا من كل قيود البروتوكولات، إذ قرر أن يكون بساط اللقاء «أحمدي»، جَلس على مخدعٍ أرضي، مُرتديًا جلبابًا حريريًا أخضر مُطرزًا بخيوطٍ ذهبية، وتخلى عن جَسَدِّه المُكوَّر وقرونه الشهيرة التى تكسوه، استحال فيروسًا آدمى الشكل، ووسيم الطلة، وسينمائى الحضور، وحميمى اللقاء، بمجرد دخولى إلى حضرته وإلقاء التحية كانت ستائر الحائط ترتفع لتنفتح شرفةً رحبة تُطِل على البراح، غمر ضوء الشمس مقر اللقاء، أحال صقيع الشتاء وبرودة الترقب إلى دفءٍ عمنا والأرجاء، وسريعًا صَبَّ الفيروس فنجانًا من مشروب ساخن وقدمه إلىَّ مرحبًا مشروب الترحيب خليط من أعشابٍ طبيعية سورية مُحلاة بعسل سِدر جبلى يمنى وعليها منقوع البرتقال البلدى المصري، خلطة سحرية تقوى المناعة وتقى من كل فيروسات الشتاء، اتفضل بالهنا والشفاء، حلت البركة بقدومك)!. رشفات مشروب الترحيب كانت تحمل الروح إلى صباح دافئ يفرش حقول ريف سوريا الأصيل، وتعلو بها لتطل على براح اليمن الذى يمتد من فوق جبالها، وتعبقها بروائح الليمون والبرتقال التى تُعطر أجواء مزارع مصر القديمة، يلحظ الفيروس آثار مشروب الترحيب على ضيفه فيبادر بالحديث مبتسمًا (إن شاء الله يكون مشروبى قد أعجبك)، وبغير تردد أجيبه (مشروب من الجنة)، يضحك الفيروس حتى تتسع ضحكته لتقسم وجهه الدائرى نصفين قبل أن يقول (الجنة على الأرض يا عزيزي)، ويأتيه تعليقى راجيًا (ربنا يكتبها لنا دنيا وآخرة)، ويهتف بينما صوت قهقهة ضحكاته يملأ الأرجاء (آمين يارب)، ويواصل قهقهاته قبل أن يُتابع (عجيب أمركم يا بنى آدم، تتطلعون لجنان عرضها السموات والأرض فى الدنيا والآخرة، ولكنكم لا تغادرون خانة التطلع والأمل إلى الاجتهاد والعمل)، التعليق المباغت يحمل قطرة من المشروب الدافيء إلى القصبة الهوائية فتهاجمنى نوبة سعال، يناولنى الفيروس منديلًا ورقيًا وهو يقول مازحًا (مجرد شَرْقَّة والله لا علاقة لجنسنا بها)!، وبمجرد تجاوز فِعل قطرة المشروب فى الحنجرة أُعلق على اتهامه (الكد سمة الحياة التى تؤهل لإعمارها جنة وهو كذلك المؤهِّل لبلوغ جنة الآخرة)، يُخرِج الفيروس من جيب جلبابه مسبحة حباتها على شكل كورونا مصنوعة من أحجار العقيق النفيسة، يحركها بين أصابعه وهو يقول خاشعًا (ونعم بالله سبحانه وتعالى قال خلقنا الإنسان فى كبد، وقال أيضًا اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، قالها وضغط على زر فتحركت مقاعدنا بساطًا طائرًا يتأهب لحملنا إلى جولة تفقدية؟. بدأت جولتنا من متحف فى بهو مملكة الفيروس، حيث يمر عليه كل أبناء المملكة فى غدوهم ورواحهم، (هنا أصلنا يُدَوَّن) قالها الفيروس وهو يقدم سلسال أصله، من الفيروس الأب إلى نسله، كانت صورًا ومنحوتات لفيروسات بدائية فقيرة، مرسومة بدقة فائقة التفاصيل، تُجسد واقع المعاناة الأولى بكل ما فيها من بدائيات الشكل وفقر الواقع وقصور الأداء، ودونما تجاهل للتجارب الفاشلة والاجتهادات الخاطئة، (هنا نؤرشف مسيرتنا لنبدأ من حيث انتهى الآخرون)!، قالها وهو يرمقنى بنظرة جانبية ويبتسم بخبث فيروسى يُقيد تعليقى على ما أراه، ويضغط الزر لتتواصل محطات الجولة، حيث تعلو كراسينا مُتجهةً صوب مركز المملكة الذى يرتسم هرمًا قاعدته عموم أهلها، من على القمة تستطيع أن تُشاهد إدارات مركزية تمتد قنوات اتصالها وتواصلها لتربط بين رءوس الإدارة وأصغر أعضائها وأبسطهم، (هنا يُصنع مجد فيروساتنا)، يقولها الفيروس وهو يُشير إلى المركز، قلبٌ خشن صلب يحميه عقلٌ واع متطور، كلاهما يمزجان بين تنمية وعى يصنع الإرادة وتطوير جدارة تؤهل الإدارة، حيث لا فرق فى استيعاب طبيعة المرحلة بين أصغر الفيروسات وأكبرها، كما أنه لا فوارق بينها فى مسئولية التنمية والتطوير، الجميع يعى ومن ثم يحمى ويدعم ويبنى ويعمر ويفكر ويبتكر. كان الفيروس ينوى أن يستكمل التجوال بين ربوع مملكته، لكننى استأذنته فى العودة حيث مجلسنا الأوّل، وفى الطريق سألته (إذا عمَّ التهديد تلجأون للكمون؟)، تغيرت ألوان وجهه غضبًا، وبدأت القرون تُنبت فيه، لكنه سريعًا استطاع السيطرة على غضبه، وقال (جرب أن تتقوقع فى منزلك شهرًا واخرج، لتكتشف أن بناياتٍ ترتفع وكبارٍى تشيد، وشوارع تُغلق بسبب الأعمال، الكمون تخلفْ عن ركب الواقع ونحن كفيروسات نؤمن بأن الحياة يتسيد فيها من يتحرك ليعيش، ويواجه ليتعلم، ويتحور ليتطور)، كنّا قد وصلنا لمجلسنا الأوّل، ففتح إحدى قنوات الأخبار ليُتابع آخر تصريحات منظمة الصحة العالمية حول مواجهة الجيل الجديد من أبناء مملكته، كان يُتابع ويضحك وتعلو ضحكاته بينما كُنتْ أغادر بهدوء دونما كلام أو سلام.


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: