رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التعليم والهوية المصرية

لكل مجتمع هوية وطنية تميزه عن غيره من المجتمعات اكتسبها عبر التاريخ، وشكلت نمط حياة، ولغة تفاهم مشتركة بين أبنائه، ونمط التعامل مع محيطه الخارجي، وقد عملت المجتمعات على المحافظة على هويتها عبر الأجيال المتعاقبة، وحرصت على الحفاظ عليها حتى فى أقسى الظروف التي تمر بها، فدائما ما تمثل الهوية المشتركة حائط الصد الأخير لبقاء الوطن، وثورة 30 يونيو 2013 ليست ببعيد حين انتفض الشعب المصري حماية لهويته الوطنية ضد فاشية ورجعية تنظيم الإخوان.

ولعلي على صواب حين أؤكد أن التعليم والثقافة والمؤسسة العسكرية الوطنية هى الأعمدة الرئيسية لبناء وتشكيل الهوية الوطنية للمجتمع المصري، فمن خلالهم تصقل الشخصية الوطنية، ويتحقق وحدة الشعب وتلاحمه، ويشترك جميع أبنائه في الآمال والطموحات، والمصير، والأعباء، والتضحيات.

والتعليم كأحد أهم عناصر تشكيل وبناء الهوية الوطنية، واختياري التعليم نظرا لما تعانيه منظومة التعليم المصرية من ازدواجية، تمثل خطورة على الهوية المصرية.

إن منظومة التعليم في أي دولة يتم صياغة مناهجها وأساليبها وأدواتها وأهدافها برؤية وطنية واحدة، ومنطلقات فكرية وثقافية وتربوية واحدة، لتحقيق عدة أهداف بجانب المعرفة العلمية، والترقي في السلم الاجتماعي، أهمها غرس الروح الوطنية في نفوس النشء، وتحقيق التماسك الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد.

وللحق أقول، لقد كان لدينا في الماضي, رغم قلة الموارد, منظومة تعليمية متماسكة، استطاعت أن تنتج لنا أجيالا تتسم بمستوى علمي راق، تشهد به كبرى الجامعات العلمية، والأهم أن تلك المنظومة التعليمية نجحت في خلق مساحات فكرية وثقافية واجتماعية وعقائدية مشتركة بين أبناء الوطن، وزرعت في أبنائه روح الوطنية المصرية، المعطرة بالولاء والانتماء.. أجيال تدرك قضايا وطنها وأمتها.

اليوم، لدينا في مصر منظومة تعليمية تعانى بعض الضعف فى بعض عناصرها (معلم - مدرسة - طالب - منهج ووسائل تعليمية ...إلخ)، إلا أن أخطر ما وصلت إليه هو التشرذم في الرؤية والهدف، ومن ثم في محصلتها النهائية مجتمع مهدد في تماسك هويته ووحدته الوطنية.

لا يوجد بلد لديه مثل ما لدى مصر من ازدواجية غير مسبوقة في منظومته التعليمية, فأصبح لدينا تعليم مصري وتعليم أجنبي.

تعليم مصري، بمعنى أن للدولة نوعا من السيطرة على مناهجه، والإشراف على سيرورته.

ومما يضيف من ازدواجية المنظومة التعليمية، أن التعليم المصري ينقسم إلى تعليم دينى أزهرى وتعليم مدنى، ولدينا تعليم مدنى وتعليم عسكرى، ولدينا تعليم حكومى عام للفقراء من أغلبية الشعب لا يتعلمون بين جدران مدارسه شيئاً، وإلى جانبه تعليم خاص للأثرياء يدفعون فيه عشرات الألوف من الجنيهات، وفى داخل التعليم الحكومى لدينا مدارس عادية وأخرى تجريبية ويابانية، ولدينا تعليم عام وتعليم فنى أبعد ما يكون عن مضمونه.

والأمر الأشد خطورة وكارثية، أن التعليم الأجنبي في مصر, يتلعثم خريجوه عندما يتحدثون العربية, خارج عن سيطرة الدولة تقريبا, سواء في مناهجه التعليمية أو الفكرية، أو حتى الإدارة.

ففي ظل ذلك النمط من التعليم، يخضع أبناؤنا لما يمكن أن نسميه تلاعبا بالعقول، بحيث يتسم بسلخهم من هويتهم، ومن مجتمعهم لمصلحة هويات ومجتمعات أصحاب هذا التعليم، مما ينتج عنه تخريج أجيال متشرذمي الهوية ما بين الأمريكية والألمانية والفرنسية واليابانية والإنجليزية.

المحصلة المنطقية لكل هذا أن وحدة النسيج المجتمعي، والسلم الاجتماعي في مصر صار مهددا بقوة، فأصحاب التعليم المتميز الذين يدفعون ثمنا باهظا له هم الذين أصبحوا لكفاءتهم ولوضعهم الطبقي يشغلون أرقى وظائف المجتمع بأجور مجزية، أما خريجو التعليم الحكومي الذى يتعاطاه الفقراء فقد وطّنوا أنفسهم على الانتظار طويلا حتى يسعدهم الحظ بعمل لم يؤهلهم تعليمهم له.

كما أن العقل الجمعي والهوية المصرية أصبحا في خطر حقيقي، قد لا يمكننا حمايتهما منه، بعد أن صار مصدر الخطر عقول أبنائنا، وبعد أن تأثرت هويتهم الوطنية لمصلحة هويات أخرى، وافتقدوا أبسط مستويات التفاهم المشترك، وتلاشت الأرضية والمنطلقات الفكرية والثقافية والوطنية المشتركة بينهم.

فما الذى يجمع خريج الجامعة الأمريكية أو الألمانية أو البريطانية أو الفرنسية ...إلخ مع بعضهم البعض أو مع خريج جامعة الأزهر، أو جامعة أسيوط أو المنيا، أو مع خريجى المدارس الفنية والمعاهد المتوسطة؟. ماذا لو أجرينا استطلاع رأى بين هؤلاء جميعا، بشأن الموقف من القضية الفلسطينية؟ والسؤال الأخطر، ما موقف هؤلاء من منظومة القيم الوطنية المصرية؟ كيف يرى هؤلاء المصلحة الوطنية المصرية؟

بالتأكيد سوف نحصل على إجابات شديدة التباين، والتنوع، وكأنها صادرة من أبناء شعوب مختلفة، وليس من شعب واحد. وهنا أنا لا ألقى أدنى لوم على شبابنا، فهؤلاء خامة طيعة في أيدينا يتم تشكيلها وفقا للقالب الذي تصب فيه، وأخطر ما نفعله الآن، من خلال منظومة التعليم المنقسمة، أننا نسمح باستخدام قوالب عدة، منها ما لا يتوافق مع قالب الوطنية المصرية، والنتيجة ستكون كارثية إن لم نفق قبل فوات الأوان.


لمزيد من مقالات سامى شرف

رابط دائم: