رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سقف الحمام

إسراء أبو رحاب;

زاحَمَتْ جدرانُ الطوب الأحمر جدرانَ الطين وظلت تُزحزحها حتى أخذت ثلاثة أرباع مساحة البيت و مازالت تزاحم على الجزء الباقي, أسرة بسيطة تكدح فى الحياة لتحصل على ما يكفيها, زوج يزرع أرضه وزوجة تغزل الصوف وتبيع السمن واللبن تشترك مع نساء القرية فى إدخار المال، وكل شهر تحصل إحداهن على المال حسب دورها، فى كل مرة تحصل عليه تبنى جزءاً من البيت.

خلف ماكينة الخياطة تصلح بنطال ابنها وترفو ثوب ابنتها وقميص ابنها الأصغر يداها تعملان وعقلها يفكر كيف ستوفر المال اللازم لبناء سقف الحمام ثم أدواته الصحية، تقول لنفسها:

أستلف من الجارة عطيات. لا عابسة دايما وميتة على القرش, طيب أبيع الشبة اللى عندى بس دى لسة صغيرة مش هتجيب حتى تمنها، ولا نأجر قراطين من الأرض.

حاكت إصبعها مع الثوب ولم تشعر بالآلم، رفعت قدمها من فوق ماتور الماكينة رأت الدم تفاجأت ألقت كل ما فى يدها و راحت تضمد إصبعها.

فكر الزوج فى البحث عن عمل إضافى إلى جانب الزراعة قال لنفسه:

أشتغل شغل تانى لكن فين؟ أكيد مش هشتغل زى الأنفار فى أراضى الناس وأنا صاحب أرض,رأشتغل فى عصارة القصب والحج حسين راجل محترم وصديقى والفلوس اللى تيجى من العصارة على قراطين أرض أأجرهم يبنوا السقف على الأقل.

دخلت إحدى الغرف فى أخر البيت مازالت جدرانها الطين محتفظة بتماسكها، رفعت إحدى البلّاصات و ألقت بها على الأرض انكسرت اثنتا عشرة قطعةً كل قطعة استقر عليها جزء من النقود والباقى افترش الأرض جلست تحصيها فوجدتهم ثلاثة آلآف جنيه من القطع الفضية و ألفين جنيهٍ من فئة الخمسة جنيهات وعشرة جنيهات، جمعتهم فى كيس قماشى ووضعتهم فى حمالة صدرها، حفرت مكان البلاص المكسور طول زراع و أخرجت كيسًا آخر بلاستك وفكته كيسا بعد الآخر حتى أخرجت ثلاث أساور ذهبية كانت قد أخفتهم بعد زواجها بأيام، طافت برأسها الذكريات.

الخلخال فى قدمها يصدر صوتا والأساور فى يدها تصدر صوتا مختلفا عن الأول والشعر منسدل كالشلال يلمع تحت ضوء الشمس وأشعة القمر، مشيها مثل البط تتمايل دون قصد أو تصنُّع, تستحم فى الحمام البوص فى الصباح الباكر فيطاردها شعاع الضوء برغم كل محاولاتها فى سد الثغرات بالمشمع وقطع القماش البالية، يهتك خلوتها يلامس ظهرها وشعرها، والماء منسدل كستائرَ فاشلةٍ فى تحقيق الستر، تجرى بين نهديها ومفرق كتفيها تتحسس جيدها بطريقة ماجنة وهى تتصور الضوء فى مخيلتها كأنه عين ترقبها من بين البوص ومهما بالغت فى الصد والتمنع فلا ينقطع عن المراقبة، يبلغ بها هذا التصور أقصى آيات النشوة.

أحيانا تدعك ظهر زوجها وهو يستحم ويقول لها بعض الكلمات تنفجر منها ضحكة عالية متدرجة الصوت وأحيانا أخرى يكون فى البيت وهى تستحم يختلس النظر إليها من بين البوص فترفع الكوز بتؤدة وتفرغه على رأسها ثم تقف بتمهل وترفع الدلو وتفرغه عليها، تلف حولها منشفة وتخرج من الطشت تدعك قدميها بالخرفشاء وتضع عطرا فى إبطيها ترتدى ملابسها وتشيعه بنظرة وتخرج, توقف الطوفان وهى تذكر الخميس و لياليه، وضفائر الصفا وهى تُفَكُّ ضفيرة تلو الأخري.

قالت لنفسها: مالك كده بتتكلمى كأنك الكلام ده عدى عليه دهر أفوق بس من بنا البيت ونعيده كله.

ذهبت باعت الأساور, جلست فى البيت تحصى ثمنهم عشرة آلآف جنيه باعت اثنين من الخراف وتركت الثالث للأضحية، باعت قطيع الماعز ونصف طيور البيت تحصلت على ثلاثة عشر ألف جنيه، أجملت المبلغ كله ليصبح ثمانية وعشرين ألف جنيه, جاء فرحا يخبرها بالحل الذى توصل إليه أخبرته بيومها البطولى الذى حكته بكل بساطة كـأنه شيء عادى قالت له: ولا تروح لحد ولا تسأل حد. دهش صائحًا: كيف عرفت؟

أجابت: هو أنا تايهة عنك أول حد هتروح له صاحبك الحج حسين وأنت مش هتطلب سلف لكن هتطلب شغل واهى اتسترت.

ذهب يشترى الأشياء اللازمة للبناء، فوجد الأسعار زادت كانا يأملان فى وجود فائض يشتريان به مواد لمكان آخر فى البيت، وقفت فى نصف البيت رافعة يديها للسماء بعد بناء الحمام وخاصة السقف وأدواته الصحية تدعو على من رفع الأسعار قال لها: الحيطان لها أذان.أجابته: هو أنا قلت إيه يعنى ده أنا بدعى عليهم بالهداية.

اكتمل بناء البيت دخلت الحمام لكى تستحم وقع نظرها على سقف الحمام تذكرت البوص هبط نظرها على الجدران أين الثغرات التى كانت تقوم بسدها؟أين الضوء الذى كان يأتى إليها رغم كل محاولات الصد؟ وأين؟ وأين؟ الضوء صار مصباحا كهربائيا,الماء يهطل من الدش بكبسة زر واحدة الجدران صارت سراميك و الأرضية كذلك أين ذهب حمامها القديم؟ فقدت اللذة التى كانت من قبل خرجت منه قائلة: هذا ليس حمامى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق