رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

‎حكاية «مستقبل وطن» وتغيرات المشهد البرلمانى

‎د. صبحـى عسيـلة

  • إنجاز حزب مستقبل وطن بمنزلة إلقاء حجر كبير فى المياه الراكدة فى الحياة الحزبية المصرية
  • التغيير في تركيبة مجلس النواب بين الأحزاب والمستقلين لم تألفه الانتخابات المصرية من قبل
  • تراجع نسبة ترشح المرأة ونسبة نجاحها فى المقاعد الفردية رغم مشاركتها الكبيرة في التصويت
  • انتخابات 2020 تكرس انتهاء عهد الخروق الانتخابية من عنف واستخدام للدعاية الدينية
  • اتهام البرلمان الجديد بأنه بلا معارضة هو اتهام سابق التجهيز
  • يتبنى حزب مستقبل وطن توجها داعما للدولة ولكنه ليس حزب الرئيس كما كان الحزب الوطنى

 

 

 

‎انتهى ماراثون انتخابات البرلمان المصرى الثانى بعد ثورة 30 يونيو 2013 التى مثل إجراؤها تحديا أو اختبارا للدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة فى ظل الظروف الاستثنائية التى جرى فيها الماراثون، خاصة ما يتعلق بتداعيات جائحة كورونا التى أجبرت دولا على تأجيل الانتخابات، وأجبرت دولا أخرى على تغيير الطريقة التى تجرى بها الانتخابات كما حدث بالولايات المتحدة لتخرج انتخابات يتم التشكيك بنتائجها كما لم يحدث من قبل فى أى انتخابات أمريكية. انتهاء الماراثون وعبر أربعة أشهر تقريبا وفى كل ربوع مصر دون مشاهد سلبية اعتادت عليها انتخابات ما قبل عام 2013 يمثل فى حد ذاته نجاحا للدولة المصرية يضاف إلى نجاحاتها فى التعامل مع تحدى الإرهاب وجائحة كورونا. ومع ذلك فإن هناك من يحاول اختزال المشهد الانتخابى فى نجاح حزب «مستقبل وطن» فى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان بغرفتيه مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ضاربا بعرض الحائط التغيرات الايجابية التى حدثت فى المشهد برمته سواء فى أثناء الانتخابات أو حتى فى النتائج النهائية لها. ذلك أن حزب مستقبل وطن حصل على 463 مقعدا من مقاعد البرلمان (147 فى الشيوخ و316 فى النواب) وذلك بنسبة 51.7% من البرلمان بغرفتيه (49% شيوخ، 53% نواب)، بينما توزعت 433 مقعدا (48.3% من البرلمان) على الأحزاب الأخرى (16 حزبا فى الشيوخ، و12 حزبا فى النواب) والمستقلين الذين حصلوا على 180 مقعدا (95 شيوخ، 85 نواب) بنسبة 20% من مقاعد البرلمان بغرفتيه، وبذلك يصبح المستقلون هم الكتلة الأكبر فى البرلمان بعد حزب مستقبل وطن.

 

‎حزب الأغلبية ليس بالقائمة فقط

 

‎حزب مستقبل وطن لم يحصل على أغلبيته اعتمادا على القائمة فقط. نجاح الحزب فى الانتخابات على المقاعد الفردية فاق نسبته التى حصل عليها عند تشكيل القائمة. ففى مجلس النواب حصل الحزب على 171 مقعدا من إجمالى 316 مقعدا حصل عليها فى المجلس وذلك بنسبة 54%. أما نسبته فى القائمة التى شكلها لخوض الانتخابات فكانت 51%، بينما مثلت المقاعد التى حصل عليها فى الفردى نسبة 61% من إجمالى عدد مرشحيه فى النظام الفردي، وهى نسبة كبيرة احتل بها المرتبة الأولى فى نسب النجاح فى النظام الفردي، وهى نسبة تعادل 154% من نسبة نجاحه فى الانتخابات الفردية عام 2015 التى كانت قد بلغت 24%. أما فى مجلس الشيوخ فقد نافس الحزب على 93 مقعدا من إجمالى 100 مقعد فى النظام الفردي، نجح منهم 88، وذلك بنسبة 94.6%. مفاد ذلك أن الحزب استطاع خلال خمس سنوات من تكثيف وجوده فى الشارع والتواصل معه مستهدفا الوصول إلى ما وصل إليه فى انتخابات 2020، بعدما كان قد حل فى المرتبة الثالثة فى انتخابات 2015 وكانت التوقعات حينئذ تشير إلى أن وجود الحزب وقدرته على تحقيق نتائج أفضل قائمة وواضحة. ‎نسبة نجاح الحزب فى النظام الفردى وإن كانت تعتمد على توسيع القاعدة الشعبية فإنها أيضا وبما لا أهمية ترجع إلى نجاح الحزب فى اختيار مرشحيه فى كل الدوائر وقدرته على الدفع بوجوه جديدة، ولم يكتف كما كان يحدث فى عقود سابقة بالمراهنة على مرشحيه القدامى ولا حتى على أعضائه داخل البرلمان الذين خسر بعضهم مقعده فى الانتخابات رغم دورهم الواضح فى ‎مجلس النواب ووجودهم الإعلامي. علاوة على ذلك فالمؤكد أن الحزب كون «ماكينة» انتخابية جيدة للغاية تجيد إدارة المرشح وحملته الانتخابية، ومن ثم كان دعم الحزب واضحا فى تأمين حظوظ أفضل لمرشحيه الذين كان الكثير منهم لا يمتلك الإمكانات الكافية لحملة انتخابية بالشكل الذى حدث لكل مرشحى حزب مستقبل وطن.

‎مستقبل وطن وتحريك المياه الراكدة

‎ما حققه حزب مستقبل وطن إنجاز حقيقى يحسب للحزب، ولكنه فى الوقت نفسه حجر كبير ألقى فى المياه الراكدة للحياة الحزبية أو بالأحرى جرس إنذار من العيار الثقيل للحياة الحزبية والسياسية فى مصر. فإنجاز الحزب فى السنوات الخمس الماضية يؤكد وجود واتساع حالة الفراغ التى تعانيها الحياة الحزبية، ليس فقط بسبب شكلانية الأحزاب الموجودة (ما لا يقل عن 104 أحزاب) وعدم وجودها فى الشارع، ولكن حتى على مستوى تراجع واختفاء بعض الأحزاب التاريخية مثل حزب الوفد وحزب التجمع أو الأحزاب الجديدة التى كان يعول عليها مثل حزب المصريين الأحرار أو المصرى الديمقراطي. والسؤال الأن هل يكون ما حققه حزب مستقبل وطن دافعا لهذه الأحزاب لتدارس التجربة وعلاج أوجه القصور لاستثمار ما حققته سابقا والبقاء فى معادلة الحياة الحزبية المصرية، أم تشهد الانتخابات المقبلة بعد خمس سنوات تراجعا جديدا لتلك الأحزاب وربما استخراج شهادة وفاة البعض منها. إضافة إلى ذلك لابد من التساؤل أيضا عما إذا كان ما حققه حزب مستقبل وطن يمكن أن يكون عاملا إضافيا لإقناع الأحزاب الأخرى بضرورة التخلص من حالة التشرذم الكبيرة فيما بينها والالتئام فى حزب أو حزبين كبيرين للحفاظ على حظوظ توجهاتها وإثراء للحياة الحزبية والسياسية فى مصر، أم تظل حالة التشرذم وتغليب المصالح الحزبية والشخصية الضيقة هى السائدة، ثم يحمل البعض المسئولية لحزب مستقبل وطن ويكيلون له كل الاتهامات المعلبة كما سماها رئيس مجلس الشيوخ، وتكون المحصلة مزيدا من النجاحات للحزب ومزيدا من الإخفاقات للأحزاب التاريخية وأحزاب ما بعد يناير 2011.

‎دماء جديدة فى مجلس النواب

‎ما حققه حزب مستقبل وطن لم يكن التغير الوحيد الذى شهدته انتخابات 2020. فالتغيير الذى شهدته تركيبة مجلس النواب بين الأحزاب والمستقلين تغيير كبير لم تألفه

‎الانتخابات المصرية من قبل. فإضافة إلى استمرار الحالة الإيجابية المتمثلة فى وجود عدد لا بأس به من الأحزاب داخل البرلمان وهى الحالة التى بدأت منذ انتخابات 2015 بينما كان البرلمان سابقا حكرا على الحزب الوطنى ومعه حزبان أو ثلاثة بتمثيل ضعيف للغاية، فإن الأعضاء الجدد فى مجلس النواب من الأحزاب والمستقلين يمثلون على الأقل ثلاثة أرباع المجلس. فنسبة الأعضاء السابقين سواء من خاضوا الانتخابات وخسروا مقاعدهم أو من أحجم عن الترشح تمثل 76%، وهو ما يعنى أن ذلك المجلس سيكون مختلفا كلية عن المجلس السابق، وهو أمر لم تعرفه الانتخابات المصرية من قبل، إذ ظل كثير من الوجوه الحزبية والمستقلة فى مجلس النواب لدورات عديدة حتى بدا وكأن من يدخل المجلس لا يكاد يخرج منه. برلمان 2021ـ 2026 به الكثير من الوجوه المختلفة، والكثير منهم من الشباب وجميعهم بدون خبرة برلمانية سابقة، والكل يبحث عن كتابة صفحة مضيئة فى مشواره البرلمانى تؤهله للاستمرار فى المجلس وألا يكون مصيره مثل بعض الشخصيات اللامعة التى خسرت مقعدها بصرف النظر عن الحزب الذى تمثله. وهنا تبدو محطة التغيير الثانية الأهم فى انتخابات 2020، وهى أن الناخب وعلى عكس ما يشاع بات حريصا على متابعة أداء نوابه وبات قادرا على محاسبتهم فى ظل توافر كل الضمانات لحرية ونزاهة وشفافية الانتخابات. وهو الأمر الذى يعنى أن ساحة المشهد البرلمانى مفتوحة على تغيرات إيجابية حقيقية يمثل الناخب ضلعا أساسيا فيها واضعا الأحزاب السياسية واللاعبين السياسيين أمام تحد حقيقي.

‎نقلة نوعية للمرأة فى مجلس النواب

‎أما التغير الثالث الأبرز فهو يتعلق بالمرأة، فهناك جانب سلبى وآخر إيجابى. أما الجانب السلبى فيتمثل فى تراجع نسبة ترشح المرأة ونسبة نجاحها فى المقاعد الفردية رغم الغلبة الكبيرة والواضحة لمشاركة المرأة فى التصويت فى العملية الانتخابية. فقد ترشحت المرأة على المقاعد الفردية بإجمالى عدد 347 امرأة نجح منهن 6 سيدات فقط وذلك بنسبة 1.7%. أما الجانب الإيجابى فهو أن التغيير الذى لحق بنسبة عدد المقاعد المخصصة للانتخاب بنظام القائمة قد أمن للمرأة نسبة معتبرة من المقاعد وهى النسبة المقررة فى الدستور (25%)، حيث حصلت المرأة فى القائمة على 142 مقعدا ليصل إجمالى مقاعدها إلى 148 مقعدا بالانتخاب، بينما كان عدد مقاعدها فى برلمان 2015 المنتخبين 75 مقعدا (56 قائمة و19 فردي)، وبذلك تكون نسبة الزيادة فى وجود المرأة بالانتخاب قد تضاعفت تقريبا. أما العدد الإجمالى للمرأة فى برلمان 2015 بعد إضافة المعينات (14 سيدة) فقد وصل إلى 89 سيدة بما يعادل 15% من إجمالى أعضاء مجلس النواب، بينما كانت تلك النسبة فى برلمان 2011 حيث سيطرة الإخوان والسلفيين بموقفهم السلبى من المرأة 1.8% فقط وهى النسبة الأقل للمرأة خلال العشرين عاما الماضية.

 

‎انتخابات 2020 بلا عنف ولا دعاية دينية

 

‎تمت انتخابات 2020 كما سابقتها فى عام 2015 ـ رغم كل الظروف الاستثنائية المتعلقة بكورونا ـ بلا الملامح السلبية التى كانت القاسم المشترك فى كل الانتخابات التى أجريت قبل ثورة 30 يونيو 2013. إذ جاءت انتخابات 2020 لتكرس انتهاء عهد الخروقات الانتخابية متمثلة فى أعمال العنف وأحيانا البلطجة أمام اللجان واستخدام الدعاية الدينية سواء فى الشعارات الانتخابية أو فى استغلال دور العبادة لأغراض انتخابية، وكذلك استخدام المقدرات الحكومية لصالح مرشحين بعينهم. فكل تقارير الجهات التى تابعت الانتخابات جاءت خالية تقريبا من تسجيل خروقات من شأنها التأثير على سير العملية الانتخابية كتلك التى كان تذخر بها تقارير تلك الجهات سابقا. أما الحديث المتواتر عن المال السياسى فهو وإن كان حقيقيا فإنه يتغافل عن عمد أن استخدام المال السياسى المجرم بحكم القانون لم يعد لأجهزة الدولة ولا للجهة المنظمة للعملية الانتخابية علاقة به، بل إنها حاولت التصدى له، ولكن الأمر يتطلب تغييرا فى ثقافة المرشحين والناخبين على السواء، ناهيك عن أنه لا يوجد دليل عملى على أن ما أنفقه المرشحون من أموال قد انعكس بالضرورة فى زيادة التصويت لهم. إذ لم يعد ممكنا لهؤلاء المرشحين التأكد من أن من حصل منهم على رشوة انتخابية قد صوت لهم بالفعل، فقد انتهى أيضا عهد البطاقة الدوارة وبطاقات التصويت الملقاة على قارعة الطريق.

 

‎المعارضة فى مجلس النواب

 

آخر الاتهامات المعلبة التى يشهرها البعض فى وجه البرلمان الجديد هى أنه سيكون بلا معارضة حقيقية، على الاعتبار أن حزب مستقبل وطن يحوز 53% من مقاعد مجلس النواب، بما يجعل منه ـ طبقا لوجهة نظرهم ـ صورة أخرى من الحزب الوطنى الديمقراطي. والحقيقة أن الحكم بوجود معارضة من عدمه فى البرلمان لابد أن ينتظر انعقاد البرلمان ومتابعة أداء نوابه أولا بما فى ذلك أعضاء حزب مستقبل وطن أنفسهم، خاصة أن الاختلافات الأيديولوجية بين الأحزاب عامة والأحزاب الموجودة تحت قبة المجلس ليست كبيرة بالدرجة التى يمكن معها توقع وجود معارضة بالشكل الذى يتوق إليه مطلقو ذلك الاتهام والتى لا تستهدف بالضرورة الصالح العام بقدر ما تستهدف الإعلان عن نفسها كأشخاص وكأحزاب، وتصور أن قوة مجلس النواب وفعالية المعارضة فيه لا تكون إلا من خلال الاستجواب وإسقاط وزير أو الحكومة برمتها هو تصور تقليدى يستند إلى مبدأ المعارضة من أجل المعارضة وتسجيل النقاط وإجادة «الشو الإعلامي» لمغازلة الرأى العام، بينما عمل المجلس ودوره فى مراقبة ومحاسبة الحكومة يمتلك آليات أخرى كثيرة سينعكس تفعيلها بالإيجاب حتما على أداء المجلس.

‎أما اتهام حزب مستقبل وطن بأنه يعيد انتاج الحزب الوطني، فالحقيقة أن الحزب وإن كان يتبنى توجها داعما للدولة، فإنه ليس حزب الرئيس كما كان الحزب الوطني، كما أن نسبة الحزب فى المجلس وإن كانت تؤهله لقيادة المجلس فإنها لا تقترب مما كانت عليه نسبة الحزب الوطنى فى مجلس الشعب، حيث كان يسيطر على المجلس بنسبة لا تقل عن 80% فى أحسن الأحوال. كما أن حزب مستقبل وطن هو من سعى لتشكيل قائمة وطنية عريضة تضم معه 12 حزبا لم يفكر فى الحصول منها على 80% أو أكثر، بل كان بإمكانه أن يشكل القائمة منفردا، فهو الحزب الوحيد الذى رشح أعضاءه فى كل دوائر الانتخابات فى النظام الفردي.

والأهم من كل ذلك أن الساحة السياسية والتغيرات التى شهدتها مصر خلال العقد الماضى لم يعد بها مجال أو على الأقل لم يعد مرحبا فيها بالحزب الوطنى الديمقراطى أو أى نسخة منه سواء من حيث التوجهات أو الأداء، والكرة قبل كل شىء فى ملعب الرأى العام والأحزاب للبناء على ما تم إنجازه والحيلولة دون العودة إلى ما كان من سلبيات ثار عليها الشعب المصرى ويجب أن يكون طلاقه منها طلاقا بائنا لا رجعة فيه.

‎وإذا كان مجلس النواب قد تحمل خلال الفترة من 2015 إلى 2020 الكثير من الضغوط والتشكيك رغم أنه عمل فى ظروف غير مواتية، فإن ذلك المجلس نجح بالفعل فى تحقيق الاستقرار الذى كانت تتوق الدولة المصرية له فى ظل تلك الظروف. المجلس الجديد يعول عليه أن يكون مدخلا للانطلاق لمساعدة الدولة فى تحقيق أهدافها الإستراتيجية التى تضمنتها رؤية مصر 2030، وهنا سيتحمل حزب الأغلبية ممثلا فى حزب مستقبل وطن المسئولية الأكبر ومعه باقى الأحزاب والمستقلين فى المجلس. وبكل تأكيد فإن تحقيق ذلك الهدف يستلزم بالضرورة تكاتفا من الجميع فى الإعلام والرأى العام وجميع مؤسسات الدولة وإفساح المجال ليبدأ المجلس عمله بعيدا عن الاتهامات المعلبة سابقة التجهيز دون مزايدات ودون الاكتفاء بالجلوس فى مقاعد المتفرجين انتظارا لأخطاء هنا أو هناك يتم استغلالها لتثبيت الاتهامات تماما كما ينتظر ويفعل محور الشر بأبواقه وآلياته المختلفة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق